ديرك مدينة في منقار البطة» تداعيات أسماء في ديوان (حيث الصمت يحتضر)

ديرك مدينة في منقار البطة» (6) تداعيات أسماء في ديوان (حيث الصمت يحتضر)

السبت 17 تموز 2010

محمد قاسم (ابن الجزيرة)

اعتدت أن أصطحب معي بعض الكتب في أسفاري، تكون رفيق دربي، ومؤنستي في لحظات الشعور بملل المسافة الطويلة، واهتزاز الناقلة الموحي بالنعاس. ولقد اخترت في سفري الأخير إلى دمشق الكتب التالية –وهي بواكير لكاتباتها-:
– ديوان”قوافل المطر” لـ”أفين شكاكي” شعر.
– “بريق في داخلي” لـ “نور الجندلي” قصص.
– ديوان “حيث الصمت يحتضر” لـ “نارين عمر” شعر.
إضافة للكتب التالية :
– “الرواية والروائي” لـ”حنا مينة” مذكرات.
– “دفاعا عن الجنون” لـ”ممدوح عدوان” . “بين الصحافة والشعر”
– “غرفة بملايين الجدران” لـ” محمد الماغوط”. شعر.

لكل كتاب نكهته، ولكل كتاب ما يميزه.. لست في معرض التقييم لها على كل حال.
ما أثار فكرة في خاطري تومض هو ما لاحظته من أسماء لأشخاص وأماكن وأحداث.. في ديوان “حيث الصمت يحتضر”. للشاعرة نارين عمر. فهي أسماء تنتمي إلى التاريخ القريب جدا على الأغلب؛وترسم بعض ملامح مدينة “ديرك” الجميلة، ذات التداعيات في خاطري، وتظل تسعدني ذكراها. هذه التي كانت حتى الأمس القريب قرية بدأت بمسمى “ديركا حمكو” ثم نمت وكبرت لتصبح “مدينة ديرك” مرورا بتسمية “بلدة ديرك” .
في ديرك المدينة التي تتخذ موقعها في” منقار البطة” كما يصفها بعض الجغرافييين.. وقد أبى التعدي إلا أن يلبسها غير لبوسها، ويأبى الإهمال إلا أن يدعها فريسة الإهمال والتعثر في نموها واكتمال رونقها –إلا قليلا.. من بعض المسؤولين الذين نعموا بحس إنساني ووطني.. يغالبون الظروف ليتركوا بصمات تذكر بما فعلوا..لأبي حيان وأبي قريو بعضها- وربما أهمها- -بغض النظر عن احتمالات يمكن أن تلحظ أيضا عليهما هنا وهناك. وجل من لا يقصّر أولا يخطئ على كل حال..!
ديرك هذه التي تتمتع بطبيعة جميلة، وتنوع ساكنيها … فكأنها حديقة تزدهي بأجمل الألوان والعطور … ما لم تمسها يد العابثين.!
إذا تجاوزنا اسم موناليزا -وربما غيره- المستورد من الثقافة العالمية فإن أول اسم –من التراث الكوردي في ديرك- يطالعنا بجميع إيحاءاته وتداعياته هو : اسم “زين”.
هذا الاسم الذي يرسم الذكريات الأجلى والأحلى، والمكللة بمسحة الحزن والألم لعشق مأساوي ونبيل، تجسدها الملحمة الخالدة “مم و زين”. للشاعر الفيلسوف – كما يوصف- أحمدي خاني. ويلي اسم “زين” اسم يذكرنا دوما بسبب المأساة في حكاية “مم و زين “وهي حكاية “حب نبت في الأرض وأينع في السماء ” بتعبير الدكتور محمد سعيد البوطي. نجد هذا في نص”لغز المسافتين” .
يتكرر اسم “مم و زين” في نص”حكاية مفرداتك” مع اسم “دجلة” هذا النهر الهادر منذ آلاف السنين، وله آلاف الحكايا الحزينة؛ وربما الجميلة أيضا.
في ذات النص يرد اسم “سقلان” وهو (سقلاني مما). السهل الممتد بين القرية ومدينة “جزيرا بوطا” أو “جزيرة ابن عمرو” في المدونات الإسلامية..
ثم يطالعنا اسم “عين ديوار” القرية التي قسمتها التضاريس –وربما حكايا أخرى بشرية- الى قريتين “عِنديورا باني – عِندورا خواري”. أي (عين ديوار العليا وعين ديوار السفلى) ولهما تسمية محلية (القرية) و(المحل).
وكلا القسمين من القرية يرسمان معا هالة التاريخ في إطلالتهما على نهر دجلة –قرين أنهار الفرات وسيحون وجيحون في الجنة –كما تذكر معتقدات قديمة أسطورية ومنها ما يرد في كتاب: (بدائع الزهور في لطائف الدهور) ونجد منظر النهر يتلوى وسط التضاريس فينعرج هنا ويعود هناك ليشق الطريق إلى اتجاه جديد هو في النهاية بلاد ما بين النهرين.. ليلتقي فيها بنهر الفرات قبل مصب البحر ويسمى هناك “شط العرب” هناك.
يحيط بجزيرة بوطا، كشبه جزيرة يمدها سابقا -ولا يزال- بمصدر الحياة الأساس –الماء- ويشكل طريقا مائيا بين العديد من المدن منها: الموصل حيث كان يركب الناس –ما سموه طوفا –مجموعة من الأخشاب تشد إلى بعضها البعض، ويضعون حملهم عليها ليبيعوها هناك مع “الطوف” نفسه ويعودون ماشين أو راكبين دواب اشتروها من هناك وهي البغال غالبا الحيوان الأنسب للخدمة في مناطق الجبال..
“جزيرة بوطان” هذه الزاخرة بذكريات ترسم ملامح الشخصية الاجتماعية الكردية بتجليات زاهية وزاهرة وإخفاقات مؤلمة وحزينة ..
الشاعرة نارين لا تنسى أن تذكر اسم “الجسر” وهو ما اشتهر في الثقافة الإسلامية بـ”الجسر الروماني” ولكنه في الثقافة الكوردية المحلية “pira bafid ” أو “bafit pira” فالمنطوق يتلوى –أحيانا- بين الشفاه بحسب حركاتها، وما تغذيها ثقافة محركها.
ولهذا الجسر قصة في الموروث الشعبي الكوردي سمعته عن كثيرين ومنهم المرحوم والدي- “الملا عبد الكريم ” نختصرها بـ:اعتذار المهندس-البنّاء- عن بنائه؛ فتتدخل ابنة الأمير لتأخذه إلى النهر، وطالبته ببناء الجسر. فيعتذر قائلا أين أضع الأعمدة يا أيتها الأميرة؟!
ترمي الأميرة بكيس مملوء ذهبا إلى ماء النهر، قائلة:
هنا تضع عمودا، وترمي بآخر قائلة:
وهنا تضع عمودا آخر.. فيقول البنّاء واسمه حنا في الحكاية-:
دعي عنك أميرتي سأبني الجسر… وتم ذلك .لكن الأمير قطع يده ليعجز عن بناء مثله – انها أنانية الحكام التي تحرق وتغرق الشعوب دائما- !
مع ذلك يقال إنه عمّر ” pira Delal ” الشبيه في مدينة ” زاخو”.
وهناك اسم”القبّة” والقبّة مقصود بها مرقد “الإمام علي ابن أبي طالب” في منطقة تسمى “باعوس” قريبة من “عين ديوار” بحسب اعتقاد البعض. ومنهم المرحوم الشيخ رشيد ابن الشيخ محمد نوري –الصوفي المعروف في المنطقة ، وشيخ طريقة النقشبندية ..فقد استنفر مريديه لبناء قبة لا زالت محجة الناس للتبرك والدعاء فيها. والشيء بالشيء يذكر فإن بعض آثار الإمام علي يوجد في قرية علي بدران. وقد شيّد بعض شيعة “علي” بناء يحفظها. كما سمعت. وكانت هذه القرية مقصدا للمحتفلين بعيد الصحافة الكوردية في الثاني والعشرين من شهر نيسان كل عام قبل أن ينتقل إلى قرية “جول بستان” في مدينة “درباسية”. ثم يمنع الاحتفال من قبل السلطات السورية منذ عامين ..
وأما اسم الشاب”رهوال” أو “روال” حيث تعني الأولى سريع، والثانية الأمرد. فقد نسجت حكاية طريفة حوله؛ إذ كان هذا الشاب يقصد مكان حبيبته الذي أوشك أن يصل إليه –وهو قادم من مسافة بعيدة –ربما رهوال كتسمية ذات صلة بذلك- لكن احد الذين التقاهم زرع اليأس في نفسه بالقول إنك لا تزال بعيدا جدا عن المكان الذي تقصده فخر ميّتا وهو يعانق حلمه الذاوي. .
وسمي المكان القريب من جبل ” قره جوخ” باسمه. أو “كراتشوك” كما عُرِّب-والتعريب هواية سياسية لبعض العرب كما يبدو بقصد تغيير معالم الأمكنة التي يسيطرون عليها حيثما كانت، وما أكثر المشاكل التي تترتب على ذلك.. وللكورد الحظ الأوفر منها ابدا!!.
وفيه ما يشعر بقبر يُعتقد أنه له. في حين أن حبيبته ترقد تحت فيء شجرة في قرية كندك وتسمى”داركا كندك” أي شجرة كندك، اسم للقرية، وهو تصغير لـ “كند” أي القرية. وتعرف بـ: “كجكا بكزي” ويعني: “الفتاة ذات الجدائل”.
صحيح إن المسافة بعيدة بمقاييس المشاة لكنها قريبة بمقاييس النظر والشعور.
…………………………………………………………………………………………………………………………….
منشور في موقع ولاتي مه

http://www.welateme.net/cand/modules.php?name=News&file=article&sid=3069#.XnRzuerXLIU

المزيد من المقالات