دمشق-الطب النووي-5/4/1987

دمشق-الطب النووي-5/4/1987
انظر إلى وجوه المرضى وهياكلهم وأزيائهم وأجناسهم. تجدها خارطة عجيبة غريبة المعالم…!
فشيخ بلغ من العمر عتيا ذي شروال من طراز قديم اسود اللون فضفاض مع انثناءات في الأعلى، وضيق مطرز بالأبيض في الأسفل، وعلى رأسه حطاطة –كفيه-سوداء وعقال أسود وحاكيت كحلي، حليق الذقن ذي شارب خفيف لم يبق في شعره سواد.وقد فقئت إحدى عينيه.
وعجوز تلبس زيا بدويا لوّنه السواد فلا تكاد تميز بين سمرة أديم وجهها الذي خددته السنون الكثيرة التي عاشتها وبين اللون الأسود يطبع لباسها تكوّمت على نفسها في زاوية تنتظر.
وقد ترى واحدة أخرى من بنات حواء في العقود الوسطى من عمرها. تتزيا بزي عصري “فستان قصير وكعب عال وشعر مكشوف ومقتضيات الماكياج أحيانا.
وثالثة تلب زيا دينيا طويلا يستر الكعبين(جلباب) وغطاء يخفي الشعر والوجه أيضا.
وقد تجد طفلا أو أطفالا من أعمار مختلفة وبأزياء مختلفة بحسب المنطقة وثقافتها.
يميز الجميع ملل وضجر من الانتظار واستياء من موظفة لا تلتزم بالدور في إدخالهم الى الطبيب.
والميزة الظهر هي الحاجة والفقر يرسمان على ملامح الغالبية بعضا من خصائصهما التي لا تخفى رغم محاولات إخفائها ببعض من أناقة.
الآلام داخلية غالبا وقد تكون ظاهرة. ولكن التصابر يحاول إخفاءها. ولكن…!
هيهات هيهات أن تخفى التشوهات.
عين حولاء، أو تناولها مشرط الجراح.
انف يكاد يكون مجدوعا
إطراف متفاوتة فيما نالها من بتر او تآكل أو تشويه.
رقاب مطوّقة بأطواق ذات طبيعة خاصة بعد استئصال اجزاء من هذه الرقاب…!
وخلف هذه الحالات الظاهرة معاناة تتفاوت شدتها.
صراع مع الآلام…صراع مع الملل والترقب والاستياء… ومنها ما يعود إلى تعب خفي خلفه مسافات مئات الكيلومترات التي قطعت، والجيوب الخالية إلا من بعض ليرات قد لا تفي بالحاجة، وربما هي ذاتها دين أريق لتوفيرها بعض ماء الوجه الثمين. -الكرامة البشرية-
ولكن المأساة الحقيقية تكمن في حيث يظن المريض أنه شارف على الخلاص عندما يذهب إلى الطبيب.
إنه يتعامل مع كائن يشعر أن المرض رهن إشارته بتلهف يغذيه الأمل -وهو يكتم الألم-
ولكنه يفاجأ بنظرات او لمسات سريعة تشعره بأنه ليس كائنا بشريا، بل أشبه بشيء قليل القيمة بين يدي هذا الطبيب، ويلقى المعاملة المشابهة وربما الأشد من الممرضة ومن البواب ومن موظف القبول…فكأنه يجتاز امتحانا غاية في الصعوبة عندما يحتاج الى المرور بهم او الطلب اليهم لقضاء حاجة يريدها.
ولكن الحالة الأصعب على الإطلاق عندما يصبح ألم المريض مناسبة لهؤلاء جميعا ليفتحوا أيديهم وجيوبهم وأفواههم مبتزين المريض في أمواله لقاء بعض وعود بعد ان يكونوا قد وضعوه في ظروف لا يجد مفرا معها أن يتنازل أمام ابتزازهم هذا.
……………………………………………………………………………………………
ملاحظة: كنت أتردد على المشفى ، فقد كانت المرحومة أختي زينب تعالج هناك .

المزيد من المقالات