الى دمشق لإجراء عملية بروستاتا تموز 2010

الى دمشق لإجراء عملية بروستاتا
قبل الخروج من دار حوالي الخامسة والربع كانت عاصفة تعصف بالمدينة مصحوبة برعد ومطر غزير جعلت السيول تمشي في الشوارع قوية جارفة. استمر الحال حالي نصف الساعة وكنا مضطرين للوصول الى محطة القطار فخرجت لتوقيف تاكسي وجدت صعوبة في اجتياز رصيف القطار بسبب السيول التي كانت لا تزال تغطيه تحرك القطار في السادسة تماما كان الجو لطيفا فعلا طيلة المسافة بين قامشلي وحسكة ..ثم بدا الظلام يخيم رويدا رويدا وغبنا في العتمة فلم يبق لنا سوى عالمنا الخاص داخل مقصورتنا (غرفة منامة) حيث كنا ام بيمان وانا ولم يكن لنا بد من ان نبتكر اية وسيلة نقضي بها الوقت لطرد املل .المشكلة ان النعاس كان يغالبنا فقد كانت ليلة امس ليلة غير مريحة لنا بالنسبة لجهة النوم والسهر.
على الرغم من الحالة فقد استطعنا ان نغلب النعاس ونقضي وقتا مسليا ريثما بلغنا الحادية عشرة ليغلبنا النعاس ويضطرنا الى النوم. تحت وطأة النعاس فأغلقنا اجفاننا ولم نصح الا في الخامسة صباحا. كنا في حمص فظننا بأننا اقتربنا قياسا على ان المسافة بين حمص ودمشق ساعتان بالسيارة. وقبل ان نصل الى (خانات) تلفن لنا كومان فأخبرناه عن مكاننا تقديرا وعندما مر المرافق سألته فقال: نحن قريبون من خانات وبعد نصف ساعة سنكون في الضمير وكان كومان قد ان نؤشر له وفعلا عندما وصلنا وجدناه في محطة القدم ينتظرنا ولولاه لصعب علينا الوصول الى داره-الفرج دائما امل المرء وهذا ما حصل لنا بمجيء كومان في الوقت المناسب.
نمنا ليلتنا في ضيافته وفي اليوم التالي مباشرة كنا في المستشفى (الكلية) حوالي الثامنة وبخطوات انتظار متسارعة كانت المور تتجه نحو النوم في المستشفى فقط من الصدف ربما نزلت قائمة الشواغر. جرت الأمور ببساطة ووتيرة متسارعة في الدخول ومرور الأطباء وما أكثر ما سئلنا عن أسمائنا: كل ممرضة نمر بها تسأل. كل طبيب نمر به يسأل. وفي كل مرة يسأل عن أسمائنا من كل من له علاقة بأوراق القبول –وبتكرار ممل. ما زاد الطين بلة اننا لم نكن نعرف ما يجري فيما يخصنا وكأننا غير معنيين بالمر او اننا ضعيفوا إدراك فتدار امورنا بمنطق الوصاية…يمر الأطباء يكتبون ملاحظاتهم-او ما تسمى دراساتهم-تمر لجان أطباء تطرح أسئلة او تتدارس معا ثم تسجل ملاحظاتها وتذهب وعندما نسأل عن ظروفنا الصحية وموعد اجراء العملية لا نحظى بجواب شاف. فكأننا لسنا المعنيين. منطق علاقة غير مفهومة سوى كونها تعال أطباء على المرضى وعدم اكتراث لمشاعرهم ومعاناتهم والقلق الذي ينتابهم…!
وقد قيل لنا ان البرنامج مدروس لكنه يتعثر –لماذا لست أدري! هل هو فوضى حضور الأساتذة؟ ام عدم تركيز المتدربين على اوجاع المرضى ومعاناتهم بقدر التركيز على ما يظنونه مفيدا لبرامج تدربهم واكتساب الخبرة –وهذه مشكلة أخلاقية ونفسية-اعتدت ان أشير اليها بعبارة (ذهنية –سيكولوجية “ثقافة”). فمن وجهة نظري هذه الثقافة ذات جذور عميقة في حياتنا الاجتماعية الى درجة هدر قيم كثيرة وكبيرة مادية ومعنوية …ليس فقط في سلوك المستشفى إدارة وأطباء… بل وفي سلوك مختلف الشرائح والطبقات وتجليات الفعال لديها
منذ المس أعاني من مشكلتين تؤرقان ذهني: الأولى هي من سيجري لي العملية بعد ان فهمت ان الدكتور جواد لن يجريها وكنت اظنه سيفعل بحسب ما أوحى لي به نور الدين.
لم احظ بتأكيد سوى القول: تقررت العملية (أخبرني الدكتور مطيع بانه يحق الاعتراض على من لا يقنع في اجراء العملية لأي شخص). وحتى تأكيد اجراء العملية لم يكن بالوضوح الذي يطمئن النفس. لماذا هذا النهج في التعامل؟ لم افهم…! ربما حصيلة ظاهرة فوضى شعرت بها ترافق طموح طالب الطب عند التسجيل في كلية الطب. او ربما ناتج شعور خاص بحاجة المريض ومن ثم ممارسة شعور فوقي نحوه. فالمريض لدى أطباء –معظمهم-اشبه بالمجند الغر لدى ضباط-اغلبهم-. لقد تجاوزت الشعوب المتقدمة هذه العقدة في ثقافتها. وحل الشعور بتكافؤ البشر في القيمة والحقوق وانما تختلف الدرجة والظروف …لذا فان كلمة “سيد” هي تمثل معنى قيمة الانسان التي فيه بما يملك من شعور بالذات وحقوق متكافئة مع الغير. فالخطاب للرئيس والمستخدم وعامل البلدية… واحد هو “سيد” لتأكيد هذه الدلالة وانما الصلاحيات والكفاءات والخصوصيات لها مكانتها ودورها. وقد عزز ذلك بدور قانوني يؤكد ذلك. وقد تتعزز في بعض الظروف بقيم أخلاقية واجتماعية أيضا.
المهم ما اكتب كثير منه ما يتعلق بالخدمات وبعضها يتعلق بالمرافق …لكن ذلك لا يمنع من الإشارة الى الخدمات المفيدة عبر مشاف جيدة لو انها استثمرت وفق طاقاتها الاستيعابية بكفاءة وحرص ولا بد من الإشارة الى توفر طاقات بشرية وطبية تبشر بالخير فيما لو أحسن استثمارها. ربما مشكلتنا في أننا لا نعمل بكل طاقاتنا وانما بجزء منها لأسباب تربوية وثقافية.
كل امرئ مشروع مرض …فإذا تم التعامل مع الحالة –لا الشخص-فإننا سوف نتقدم في تكوين ثقافة عمل تشعر بالمسؤولية وفق نظرة إنسانية/وطنية/أخلاقية…تسود ضمن منظومة قيمية عامة. وفي حال الطبيب فان اهماله مريضا يعاني من وجع –أحيانا غير محمول-يعني انه غير سوي في احساسه وشعوره بالمسؤولية تجاه مهنة عرفت قديما بانها إنسانية لأنها تلامس الانسان في ظروف الوجع وله درجات مختلفة في الشدة.
فيما كنت انتظر إجراء العملية الجراحية لاستئصال البروستاتا دون معرفة بموعدها ولا بمن سوف يجريها تسربت أنباء عن تأجيلها …وقيل ان حالة انفجار حدثت أثناء عمليتين لشخصين فاضطر الأطباء لإغلاق غرفة العمليات لتعقيمها –وهذا اجراء طبيعي وسبب وجيه لتأجيل أي عملية لكن اليس المفروض ان يبلغ المريض رسميا من الطبيب نفسه بما حصل لمن تُأجل عمليته؟ منذ الساعة الخامسة من يوم أمس لم أتناول الطعام. على أمل اجراء العملية لكن تأجيلها تناولت الغداء في الرابعة.
ان تجاهل حقوق المريض –وأفضل تسمية (نزيل) بديلا عن مريض… في المشافي العامة ينبئ عن خلل في تطبيقات منظومة القيم والقوانين. بل وخلل في المنظومة الثقافية للمجتمع. ومن الطبيعي ان الجهات الرسمية التي تتمتع بصلاحيات وسلطات واقعية-0بغض النظر عن مشروعيتها – تبقى المسؤولة عن مثل هذا الخلل. فإذا انتقلنا الثقافة الاجتماعية –خارج السياسة-نلاحظ أن زعم كوننا مجتمعا روحانيا لا يعني شيئا ذا بال في المستوى العملي.
ذكرت إحدى قريباتي انها قضت تسعة أشهر في مشافي المانيا حيث كانت تعالج من مرض عضال(السرطان) فسألتها عن معاملة الأطباء والممرضات
فقالت: كانوا جميعا يبحثون عن كسب رضانا لأن أي تقصير كان يعني تعرضهم للمساءلة القانونية فهناك قيمة الانسان هي الأساس في التعاملات ويحفظها القانون فعلا.
لي مع المشافي العامة تجربة ومعاناة لا تنسى. رافقت أخي رحمه الله سنين طويلة في مشفى ابن نفيس ورافقت أختي رحمها الله طويلا في مشفى الطب النووي…وقد لاحظت ما لاحظت ووجدت ما وجدت …ومما لاحظت ووجدت ما يشعر بالتقزز والوجع العميق في الذات كحالة إنسانية.

المزيد من المقالات