بعض عوامل الحروب وآثارها

بعض عوامل الحروب وآثارها
التاريخ: الأربعاء 28 تشرين الاول 2015

محمد قاسم “ابن الجزيرة”

لحديث عن الحروب وآثارها على الناس كبارا واطفالا، عيشا وهجرة… وانعكاسا على الحالة الثقافية والاجتماعية عموما… يحتاج الى منهج دراسة وبحث ميداني ومتابعة. ولأن شروط تحقيقه الآن غير متوفر، لذا نكتفي بمقال نقدّم له بأفكار تبدو مثيرة للتساؤل، لكنها تمثل علاقة مهمة بالموضوع إذا اعتبرنا أن الانسان(البشر) هو مصدر كل هذه الأنشطة والفعاليات ومنها الحروب. فنقول: استضاف برنامج “روافد” الذي تذيعه قناة “العربية”، الدكتور احمد برقاوي –مدرس الفلسفة في جامعة دمشق… قبل يومين او ثلاث. حول بعض كتبه ومنها كتاب بعنوان “أنا” تحدث عنه وعن مفاهيم أخرى كان المحاور يجره اليها عبر أسئلة، او غيرها من طرق التأثير على مسار الحوار –كما هي عادة الإعلاميين …وما يهمني أسلوبه المتأنّي في عرض أفكاره، وضغطه على كلمات عند نطقها … فشعرت كأنه يعتصر المعاني، ويخرجها باهتمام (بانفعال بها) لتكتسب دلالتها مصداقية وتأثيرا …أو ربما هو ناتج تجربةٍ مع معاناة إدراك المعاني، وتمييزها في التصوّر الفلسفي، والحرص على ان تصل إلى الغير بدلالتها المتصوّرة في الذهن …

باختصار، المصداقية مع المعاني في فهمها وعرضها… هذا ما كان عليه معظم العلماء والفلاسفة، والباحثون المتعمقون… في التعامل مع موضوعات يبحثون فيها. أي، الانفعال العميق بالتعاملات والتفاعلات التي يقومون بها… لذا فالنتائج كانت مؤثرة؛ سواء بالنسبة للذي يعرضها او الذي يقرؤها او يسمعها (قديما وراهنا). تتجلى في ذلك دلالة تفاعل أصيل مع الحياة وما فيها. الأجيال التي لا تمر بمعاناة في تلقي المعلومات ونتائج البحوث (لا تنفعل بها) تبقى سطحية في العلاقة والتفاعل مع الأشياء… وهذه مشكلة. وبدلا من الشعور بها-كمشكلة-ومعالجتها، فان اقوى –سياسية خاصة-تستغلها وتستثمرها لمصالح خاصة. وأحيانا تكون النتيجة موجعة-وربما فاجعة-في آثارها على حياة الشعب الذي تظهر فيها مثل هذه الأحوال –ومنها الكورد طبعا-. نضطر الى تناول الموضوع (تأثير الحروب) من زاويته العامة وليس الخاصة بمكان او قوم معينين. مع العلم ان “العام” يتضمن “الخاص” في عناصر عديدة. أما فيما يتعلق بالحروب. فالمعلوم ان الانسان شرّع الحرب وسيلة للدفاع عن نفسه (ارضه، عِرضه، ماله، ذاته…) ما يمكن القول عنه ((كل حقوقه المتفق على انها خاصة بشرية كحق الحياة والحرية والعمل والتملك والانتقال …)). ولكل مفهوم حدود تؤطر معناه ودلالته، حاول المختصون ان يضعوها منعا للتداخل وللالتباس. مع ذلك فلم يصل البشر إلى مستوى وضوح كاف لدى الجميع. وربما هذا بعض أسباب مشكلات في حياة الانسان-على الأقل هذا ما يراه بعض الفلاسفة. ما يحصل في الألفية الثالثة (مدخل القرن الواحد والعشرين) وفي ظل التطورات الهائلة للعلوم والتكنولوجيا … الإلكترونيات والاتصالات والمواصلات والفضائيات والأنترنيت …هو: زيادة شهية “شهوة” الانسان للمال (الاقتصاد) والرفاهية المبالغ فيها، وما يشكل أرضية لها أو يترتب عليها. وقد انساقت الطغمة مالية “رأسمال” مع هذا التوجه بدفع من شعور بزهو او نجاح واشتهار … فأصبحت الحروب كأنها وسيلة مقبولة لهجوم وتحقيق “فوضى خلاقة” وتغيير خرائط أوطان هي أصلا من انتاج هذه الطغمة يوم ان كانت استعمارا مباشرا. ولتحقيق غاياتها اوجدت ظروفا لنشوء “القاعدة” و”داعش” ومختلف المنظمات التي يقترن اسمها بالإرهاب أكد ذلك تصريحات (الوزيرة هيلاري كلينتون، ورئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير)، ومن ثم تتخذ من وجودها حجة لتدخل القوات المتنفذة داخليا وخارجيا –بنوع من تعاون مريب. واستطاعت قوى ذات طبيعة استخبارية –مباشرة او غير مباشر-أن تتغلغل في نسيج ثقافة هذه الشعوب وزرعت فخاخا لكل الذين تنقصهم معرفة المخاطر الناجمة عن مثل هذه الأمور فانساقت بدوافع مختلفة الى واقع مؤذ لمعنى الإنسانية بدءا بالأقرباء ثم الأباعد. من الطبيعي أن هذه العوامل ستؤثر على حياة الانسان. فالحروب يديرها الأقوياء سواء بوسائل مباشرة ام بـ “الوكالة” كما تسمى، وتكون الشعوب الضعيفة وقودها عادة –بغض النظر عن الأسباب والكيفية-وهي معقدة وكثير منها خافية. واهم عناصر او مظاهر الضعف في هذه الشعوب هي: اختناق صوت وقوة الحكمة فيها. وغالبا بتهيئة ودعم من قوى خارجية تمارس قاعدة قديمة –حديثة هي “فرق تسد”. وفي هذه الحال فان بريق الشهوات يعمي ابصار وقلوب كثيرين من أبنائها جهالة وامية وضعف خبرة او خلل في الادراك والتفكير وحسن التصوّر. المقتدرون عقليا وماليا وعضليا…؟ لديهم مساحة من المناورة للتعامل مع واقع الحروب، لكن الذين لا يملكون هذه الإمكانيات يصبحون وقودا وفريسة سهلة لتجار الحروب وآثارها، فمنهم الذين يُستغلون ويُحشدون في الحروب مباشرة. فتجند قوى مختلفة، الشباب والأطفال والفقراء وتحت عناوين مختلفة…في حروب قد لا تكون لهم بها علاقة سوى احتمال الموت والدمار والتشرد…الخ. ومن لم ينخرط فيها تحرقه حممها وقذائفها العمياء والصماء التي لا تفرق بين عدو وصديق ومُوالٍ ومُعادٍ…طفل وشيخ، امرأة ورجل، مقاتل ومدني… وربما أتيح لبعضهم الهرب، فتغرقه أطماع المهرّبين الذين هم عبارة عن “مافيا” شريكة لكل الحكومات والسلطات … بشكل او بآخر، بغض النظر عن الآليات ونسب العائد من الأرباح. وحتى في حالات النجاح فان الهجرة تحت القسر والضغوط المختلفة؛ تؤثر في الحالة النفسية للمهاجر –خاصة إذا كان طفلا لا يوفر له وعيه معنى الظروف التي يمر فيها، والنتائج المحتملة لحياته القادمة…ومن جهة أخرى فان المهاجر-الأطفال خاصة-يخسر ذاته الوطنية وربما القومية بانخراطه في ثقافة شعب تختلف عن ثقافته في جذورها التاريخية والراهنة والاجتماعية. وهذا ما تسعى اليه الدول التي تستقبل المهاجرين وتمنّ عليهم أيضا (ولهم فعلا حق المنة عليهم بعد إذ اضطرتهم عمليا؛ اوطانهم وحكامها الى هذه الحال-وطبعا لن تذكر هذه الدول موارد ومصادر غناها، وعلاقتها بفقر شعوب تستقبل المهاجرين منها. ولذلك فلسفة خاصة ليس هنا محلها). تبقى هذه جميعا مشكلة عامة قد تعالجها الأيام واستقرار الأحوال. لكن تشتت الأسرة، وخسران مواردها المالية وعماراتها التي قضى العاملون فيها أعمارهم لتوفيرها ليعيشوا حياة كريمة خاصة دورهم التي استهلكت منهم المال والجهود، واستقرت فيها آمالهم واحلامهم وذكريات حياتهم…وجذورهم الثقافية وتاريخهم… (في حرب إسرائيل على لبنان عام 1982 كنت عسكريا هناك، قلت لأحد المسنين (80) عاما في بلدة “سوق الغرب” لم لا تهرب انت أيضا؟! قال: قضيت عمري لبناء داري فكيف أهجرها؟ إن موتي فيها خير من الموت في مكان آخر…!). فضلا عن العقد النفسية المحتملة والتي ستظل في اعماقهم النفسية فتتسبب في فشلهم، أو تعرضهم لأمراض مهلِكة او تودي بهم نحو المخاطر… باختصار ان الحروب تدمّر كل شيء مادي ومعنوي في الانسان، وتأثيرها في الأطفال أكبر لأنهم أقل وعيا لطبيعتها، وأقل قدرة على التكيف مع واقعها. فضلا عن عجزهم عن مقاومة الظروف القاهرة (الطفل “آلان” سيظل رمزا للحالة المؤلمة والتي اضطرت ذوي القلوب الجامدة ومحترفة اللعب بالمصائر الى الاصطفاف لحظات(أياما)في صفوف المدّعين بالاهتمام بحقوق الانسان-غربا وشرقا. وأحسنوا استثمار المأساة –والمآسي-في غايات انتخابية او غيرها.
……………………….
طلب أحد الاعلاميين مقالا عن آثار الحروب على الأطفال والهجرة ورغب ان ترسل في الليلة ذاتها لكن الانترنيت لم يسعفني… لذا فضلت نشرها هنا فلعل فيها ما يستحق أن يقرا.
………………………………………………………………………………………………………………………..
منشور في موقع ولاتي مه

http://www.welateme.net/erebi/modules.php?name=News&file=print&sid=19836

المزيد من المقالات