النجاح-(الأسباب والمعايير)

النجاح-(الأسباب والمعايير)
محمد قاسم(ابن الجزيرة)
ربما يتباهى الكثير من الناس بأنهم نجحوا فيما فشل فيه آخرون. وأحيانا يبلغ التباهي حدا متجاوزا من حيث شكل عرضه، أو الإشارة إلى نتاج النجاح لديهم.
والسؤال هنا: ماذا يعني النجاح..؟ وما هو معياره..؟
ليست الإجابة بهذه السهولة..فتحديد المعاير أمر غاية في الصعوبة فيما يتعلق بالنشاط البشري (الإنساني) بسب خصوصية الحال البشرية العاقلة قياسا إلى الماديات دوما.
الفكرة الأساس هي أن الذي يسعى إلى النجاح أحيانا كثيرة.. لا يهتم بالتضحيات التي تكتنف هذا السعي، حيث يكون المعيار الوحيد هنا هو: النجاح..
وهناك من يحاول مراعاة مصالح الآخرين والقيم التي تضبط إيقاع أدائهن وعملهن وسلوكه ..الخ.
(وهنا لا بد من الإشارة على أن الإطار الأخلاقي للسلوك وأساسه الفكري له دور كبير جدا في هذه المسألة ).
ولكن لابد من التذكير- أيضا- ان عوامل موضوعية متفاعلة مع العوامل الذاتية لها أثرها الفاعل على الانشداد نحو النجاح.. والممثل في معنى التحليق عاليا. تقول هيلين كيلر:
((لن يقبل المرء أبدا أن يزحف على قدميه عندما يشعر ان هناك قوة تدفعه نحو التحليق))
( مجلة العربي الكويتية عدد (162) لعام ( 1980).
ويقول أديسون(مخترع الكهرباء):
((كل إنسان يحب أن يحقق شيئا ما لوحده،شيئا يعطيه الإحساس بأنه قد أصبح فنانا في هذا المجال، كأن يكتب أو يطير أو يغني أو يرسم أو يخبز رغيفا، أو ينظف شارعا، أو يزرع شجرة..فهذا الإحساس هو الذي يملؤه بالشعور بأنه حي ويجعله يستمتع بالحياة. (مجلة العربي الكويتية عدد( 263) لعام( 1980).
إذا لنتفق على ان النزوع إلى النجاح طبيعي في الإنسان. ولكن السؤال يفرض ذاته: هل هذا النزوع يأخذ دوره، دائما في حياة الإنسان..؟
لابد من الالتفات إلى دور المناخ الحاضن للمرء ودوره.. في توفير ظروف نمو هذه الطاقة (أو النزوع) لتأخذ مداها، وفيما عدا ذلك فإن الخصوصية الفردية تبقى، ولكنها قد لا تكون في مستوى للوصول إلى النجاح اعتمادا عليها..!
المهم لماذا ينجح البعض ويفشل آخرون في المجال نفسه- وربما بوجود المواصفات نفسها ظاهريا على الأقل..؟.
لنأخذ مثالا من السياسة :
المجتمعات الغربية نجحت والمجتمعات الشرقية فشلت..بشكل عام.
ماليزيا نجحت وسنغافورة نجحت ولكن الهند وباكستان – وعلى الرغم من السلاح النووي فيها – فشلت ربما سياسيا،بدلالة ضعف مواقفهما تجاه ما يجري في العالم، وبينهما، وداخل حدود دولة كل منهما أيضا..! ومع ذلك فهي – قياسا للمجتمعات العربية وغيرها مثلها- تعتبر ناجحة في إرساء نوع من الديمقراطية في نسيج سياستها وفكرها السياسي(ثقافتها).
استقلت اليابان في نفس الوقت التي استقلت فيها بعض الدول العربية ومنها مثلا سوريا، فأين حظ اليابان من التطور التقني والاقتصادي والنظام السياسي، من حظ البلاد التي استقلت معها في هذه الجوانب،ولنأخذ في الاعتبار ان اليابان فقيرة في مواردها في حين ان هذه الدول غنية في مواردها
هذا على صعيد المجتمعات..أما على صعيد الأفراد فالأمثلة كثيرة حول فشل البعض ونجاح البعض..
والسؤال مرة أخرى: لماذا نجح من نجح..؟ وفشل من فشل..؟
ما هي عوامل النجاح..؟
بلا شك هي كثيرة فمثلا: أهلية الناجح- إتقانه لعمله- وعيه لظروف هذا العمل- ديناميكيته- الخ. وما هي معايير النجاح..؟
هنا يصبح الأمر أصعب..!
ما هي المعايير..؟ هل هي وعي الموضوع ام هو القدرة على التفاعل معه..؟ هل هو التمسك بثوابت توفر الثقة أم هي فهلوة تعين على اقتناص الظروف..؟
هل هي توافق بين الوسائل والغايات أم تضحية بالوسائل من أجل الغايات؟
وهنا قد يكون مناسبا ان نعيد إلى الذكرى كتابا ألفه سياسي إيطالي اسمه(نيقولا مكيافيلي) تحت عنوان(الأمير) دعا فيه على توحيد إيطاليا وإن اقتضى ذلك تضحية ببعض الحقوق. وقد لخص مبدأه في ذلك في القاعدة القائلة: (الغاية تبرر الوسيلة” او الواسطة”)).
من هذه القاعدة ربما انطلقت فكرة واقعية السياسة التي لا تراعي الأخلاق طالما ان الوصول على الغاية يفرض التضحية بهاز فهل يصح ذلك؟!
هل يصح أن نضحي بالقيم الضابطة لنزوات ورغبات النفس البشرية -والتي توصف كثيرا بالرعناء- أي الخارجة عن القيم والضوابط،هل يصح أن نقبل حكم هذه النفس ((الأمارة بالسوء))؟
إذا..ما هو النجاح؟
هل كان هتلر ناجحا مثلا؟ وهل كان نيرون الذي استمتع بحريق روما – على ما يقال- ناجحا؟
وهل كانت الأحزاب الماركسية التي سيطرت بالانقلابات والثورات-كما سموها- ومن ثم تصرفوا كممال خاصة بهم، وحولوا شعوبهم إلى كائنات أشبه بحيوانات تنتظر علفها من خيراتهم ومننهم، هل كانت ناجحة ..؟
هل ذلك التاجر والمقاول والموظف – في مختلف مستويات وظيفته…-ناجحون عندما يستغلون الظروف بطريقة مخالفة للقانون والأخلاق أيضا،فيحصلون ما يحصلون من أموال غير مشروعة ومواقع غير مشروعة-كتزييف الانتخابات مثلا.._ ؟
ماذا يعني النجاح..؟
لو عدنا على العلم لوجدنا ان فرانسيس باكون كان ناجحا لأنه أحسن صياغة المراحل التي يجب ان يتبعا العم للوصول على نتائج يقينية..!
ولوجدنا أن كوخ كان ناجحا لأنه اكتشف الجراثيم مما سهل معرفة الكثير من الأمراض ومن ثم معالجتها…
وكان بيتهوفن ناجحا لأنه صاغ سيمفونيات عدة منها في ظروف صممه.وكان أرسطو ناجحا لأنه ابتكر المنطق إضافة إلى أفكار فلسفية ناجحة…
وهؤلاء جميعا لم يحتاجوا إلى مخالفة القيم والأخلاق لينجحوا بل العكس كانت القيم والأخلاق هي الأطر العامة لنجاحاتهم و دون أن يؤذوا البشرية كما فعل هتلر وكما فعلت الأحزاب الانقلابية والثورية التي تحولت باسم الجماهير إلى دكتاتوريات على الجماهير ذاتها وحرمتها أبسط مقتضيات الحياة على رأسها الحرية والأسلوب الديمقراطي في المشاركة في تقرير مصائرها..!
……………………………………………………………………..
منقول عن منتدى ستار تايمز(الذي نقله بدوره من الانترنيت)
https://www.startimes.com/f.aspx?t=6700501

المزيد من المقالات