الجغرافيــة الأمنيــة والتركيبــة الاجتماعيــة العراقيــة

الجغرافيــة الأمنيــة والتركيبــة الاجتماعيــة العراقيــة
ابن الجزيرة
(خاص جريدة الاتحاد الوطني الكردستاني)

هذا العنوان ليس من صياغتي بل هو مستوحى من صيغة أدرجها السيد “سامي داوود”محرر قسم “قضايا حوارية” في جريدة “الاتحاد، ليكون محور حوار للأعداد القادمة ..وهذا جيد، لأن الجريدة تصل إلى أيدي قراء كثر،مختلفين سياسيا، وطائفيا، وقوميا، واتجاهات ثقافية مختلفة… وما أحوج الشرق الأوسط كله –والعراق خاصة- إلى تغيير في الصيغة الثقافية المترسخة على أساس منتوج قديم ومترهل، اجتماعيا وثقافيا…وقد تجاوز الزمن الكثير منها، مما يجعلها في خانة “ضرورة مراجعتها”..توافقا مع التغيرات والتطورات الحاصلة في كل جانب..(مفاهيم-أفكار-ثقافة عموما-قوى سياسية، اقتصادية،عسكرية،تكنولوجيا المواصلات والاتصالات..الخ

ولعل العراق أحوج من غيره، باعتباره يمر بمرحلة انتقالية بالغة الأهمية –واقعيا- ويتطلب ذلك مواكبة الظروف المعاصرة بوعي شديد الحساسية والدقة..فهو قد دفع ضريبة كبيرة منذ تولي صدام السلطة–وربما قبله أيضا–ولا يزال يدفعها في ظروف لا يمكن وصفها سوى بـ”المأسوية” على الرغم من الآمال التي تبدو زاهرة -كما هو متخيل مستقبلا- ولكن التكلفة باهظة –للأسف-..! وهذه عبارة وردت على ألسنة الكثيرين..
ومن المؤسف أن هذه التكلفة سببها أكثر من عامل، ويتحمل العراقيون-كشعب وثقافةجزءا كبيرا منها ـ عندما لم يقوموا بوعي المتغيرات الواقعية، وانساقوا مع أيديولوجيات مؤثرة في كيانهم، وتغذيها قوى خارجية تسعى لتحقيق مصالحها، ولكنها ألبست العراقيين مهمة القيام بها بأنفسهم، أو بالوكالة؛ باستضافة قوى مدمرة لبلادهم و”هم يظنون أنهم يحسنون صنعا”. والمصيبة أن تلك القوى –ومهما كانت تسميتها – تسعى لتدمير البنية التحتية –على مستوى الاقتصاد والأمن، والتنمية، والحركة الإنتاجية صناعيا أو زراعيا أو تجاريا…الخ…،والقوة المبدعة والمرممة.. كالعلماء والأطباء والمتميزين من المبدعين والمنتجين على كل صعيد..- وربما ذلك يعود إلى التكوين السيكولوجي والذهني العربي _”العروبي” الذي رسخته أيديولوجيا البعث الصدامي..ومن يشابههم.
وعادة الثأر القبلي ،والتي تطال سبعة أجيال متوالية-أو سبعة أبناء -..من ذوي القاتل “المعتدي “بغض النظر عن الحق والباطل،وغير ذلك من الموروثات النفسية والأدبية والثقافية بشكل عام..!
ولكي نستطيع تحديد الأجواء التي نتحرك ضمنها للخوض في الموضوع، علينا –برأيي- أن نثبت النص الذي أوردتموه وهو:
ولذا فلعل من الضروري أن نحدد معنى المصطلحات المستخدمة في هذا المحور والذي هو –كما حددتموه- ((الجغرافية المنية(الأمنية) و التركيبة الاجتماعية العراقية)) والتي أوردتموها كالتالي:
منذ عقدين ـ و ربما أكثر- فقدت الجغرافية العراقية تخومها الترابية و باتت الحركة البشرية محكمة(محكومة) بجغرافية أمنية مغلقة بمللها المؤدلجة طائفيا أو أثنيا.
فما قولك في تأثير هذه التصنيفية الجغرافية على الذاكرة العراقية المشتركة…؟
أحدثت العزلة الأمنية للأحياء و للمدن العراقية عملية فرز جديدة للتركيبة الاجتماعية العراقية، و كأن العراق سيتوزع أو توزع إلى تركيب معتقد ما ـ جغرافي و ليس إلى تركيب طبقي ـ اقتصادي. أتعتقد بأن هذا القلق الجغرافي سيبث الريبة التنابذية في قنوات التواصل الاجتماعية العراقية….؟
ويمكن تحديد الأفكار كالتالي:
– “الجغرافية الأمنية المغلقة بمللها المؤدلجة طائفيا وأثنيا”
-:التركيبة الاجتماعية العراقية”
– محكومية الحركة البشرية بالجغرافية الأمنية المؤدلجة”
-”التصنيفية الجغرافية”
-”الذاكرة العراقية المشتركة(أو الجمعية) ولعل كلمة الجمعية مناسبة أكثر للسياق،لأن كلمة “المشتركة” تفيد الحاضر فقط،أما كلمة “الجمعية” فهي مصطلح استخدمته مدرسة التحليل النفسي، والتي أسسها فرويد وتلميذاه “كارل غوستاف يونغ”،و”ألفرد ادلر” .
وقد استخدمت هذا المصطلح بالارتباط مع الذاكرة الجمعية الممتدة إلى الآباء والأجداد على يد احد تلاميذها في صيغة “اللاشعور الجمعي” ….
-”العزلة الأمنية لإحياء والمدن العراقية “
-:”عملية فرز جديدة للتركيبة الاجتماعية العراقية”—
-”توزيع العراق على أساس تركيب معقد جغرافي”
-”تركيب طبقي اقتصادي”
-”القلق الجغرافي”
-”التربية التنابذية في قنوات التواصل الاجتماعية العراقية”…!
وهذه الأفكار تتجسد في كلمات ذات خصوصية مصطلحية،ولذا فهي تحتاج منا إلى فهم دقيق لدلالتها،وإطار هذه الدلالة –وهذه الحالة تعاني من إشكالية –ربما عالمية-ولكنها في العالم الثالث أكثر تعقيدا..!
ولعل اللغة العربية هي من أكثر اللغات التي تعاني من إشكالية المصطلح؛ قياسا لواقعها التاريخي، وللمساحة التي تشغلها في العالم-اذا خرجنا عن ما يخص الدين الإسلامي..!
فهي لغة القرآن، بل ولغة الكثير من المعطيات الإسلامية :كالحديث –التفسير –الفقه- العبادات…الخ.
وخارج ذلك سادت الصيغة الأدبية ومحتواها النثري والشعري والخطابي…ومختلف الحالات التعبيرية التي يغلب فيها الصيغة الانفعالية الذاتية التخيلية(الإبداعية).وهذه مشكلة حقيقية على مستوى التعبير..والتفاهم..والتواصل..الخ.وربما يلاحظ المتابعون هذه الظاهرة خاصة في البيانات المختلف على تفسيرها،وسوء أسلوب الحوارات التلفزيونية –الاتجاه المعاكس،وغير ه..-ومما يميز هذه الحوارات –والأفضل أن نسميها جدالات-الصخب الإعلامي..وفرض المفاهيم الذاتية المرفوضة –أبدا –من الطرف الآخر.. مما يفوّت الفرصة أمام التفاهم على الاختلافات الدينية والسياسية والثقافية..رغم المحاولات المستمرة،كالمؤتمرات،والاجتماعات المختلفة..وتحت مسميات مختلفة منها”مؤتمر مكة” بين علماء مختلف الطوائف الإسلامية بحضور منظمة العالم الإسلامي في شخص رئيسه الدكتور “إحسان أكمل اوغلو”..!
ولا ينبغي أن نتجاهل أن غالبية الشعوب المسلمة كانت-ولا تزال- تتعاطى مع اللغة العربية بدون تحفظ لولا أن الحركة العروبية. أثارت حفيظتهم عندما حاولت أن تتبنى فلسفة خاصة؛ باتخاذ هذه اللغة وسيلة تعال،على الشعوب المسلمة الأخرى غير العربية بتأثيرات ثقافية أفرزتها اتجاهات مغالية في القوموية …!
بل وأصبح هؤلاء العروبيون..يتجهون إلى استثمار بعض الآيات القرآنية ليفسروها بكيفية مسيئة عندما اعتبروها تخاطب العرب، بدلا من المسلمين..كالآية :
((كنتم خير امة أخرجت للناس…تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر..)).
هذا الاتجاه المتجاوز للواقع والحقيقة معا، أثر سلبا على نظرة الشعوب المسلمة –غير العربية – إلى هذا السلوك،وبالتالي انعكس نفسيا على النظرة إلى اللغة العربية ذاتها، ففترت لديهم الهمة إلى تبنيها كلغة دينية، بل واتجهت إلى إيجاد ترجمة لها إلى لغاتهم –حتى على مستوى القرآن الكريم!.
لقد سعى الأوائل من المسلمين عربا وغير عرب– وربما غير العرب بوتيرة اكبر، بدلالة أن اغلب الذين ساهموا في انتعاش وتطوير اللغة العربية هم غير عرب:الفراهيدي،الكسائي-سيبويه..والشعراء المولدين: بشار بن برد- سلم الخاسر- أبو نواس…!!
سعى هؤلاء إلى الاهتمام بقضية “المصطلح” عبر تأليف القواميس اللغوية –القاموس المحيط للـ(فيروز آبادي) والتفسيرات للكلمات الاصطلاحية (عبد القاهر الجرجاني ) واتبعوا في سبيل الشرح طريقا “ربما فريدا “عبر البدء –دوما –بشرح الكلمات:
أولا: لغويا.
ثانيا: اصطلاحيا..
ثالثا:شرعا..
وذلك لتلافي الوقوع في إشكالية تشعبات المعاني والدلالات في الكلمة الواحدة ،والتي تتضمن أحيانا أكثر من معنى.
فالعين مثلا :عين الكائنات الناظرة-عين الماء:النبع -عين الشجرة :برعمها…العين:الحسد…الخ.
وسأحاول أن أتناول الأفكار،شرحا وتفسيرا مع التذييل برأيي أو- ربما- يرافق رأيي مسار الشرح والتفسير بحسب السياق ومستلزماته ..
– أثرت التربية الأمنية على تربية المجتمع العراقي منذ عقدين-وهي فترة التأثير السياسي والفكري الصدامي-كما يبدو وفق تحديدكم- – وإن كنت أرى أن هذا الأثر يمتد زمنيا إلى أكثر من عقدين..فمنذ تسلم صدام نيابة المرحوم “احمد حسن البكر” كان يمارس التربية الأمنية بخصوصية وكفاءة –خارج حدود المصلحة الوطنية ، بل ضمن حدود المصلحة الحكمية له- ولهذا فقد سهل عليه التخلص من” أحمد حسن البكر” عندما احتاج لذلك. واستطاع التخلص من كوادر وقيادات بعثية –يبدو أنها لا تتوافق مع نهجه الأمني والعنفي ..فضلا عن طبيعة الثقافة القوموية البعثية التي تبناها،وفرضها عبر قوننتها وتطبيقها التعسفي بمتابعات أمنية شديدة القسوة..!
– وأقول الصدامي-لأن الحقيقة أن الشخصية العراقية فقدت خصائصها الاستقلالية كعراقي تشرب بفحوى تاريخ ممتد في المكان(العراق)وعبر الزمان، إلى الأيام الأولى لحضارة بلاد الرافدين-إذا جاز التعبير-..
– الخشية أن يفهم بلاد الرافدين باعتباره المساحة الممتدة فيما بين النهرين، حيث يلعب المصطلح في الثقافة أو الذهنية لدى البعض-خاصة الإخوة السريان والآشوريين والكلدان.. ما قد يجعل الفهم مختلفا..!
– والمشكلة لدى هؤلاء –أيضا –وخاصة الثقافة السريانية قد انتهجت نهجا شبيها بنهج العروبيين –إذا لم يكن نهج العروبيين أصلا هو النهج الذي استطاع بعض سياسيي ومثقفي السريان تثبيته في الثقافة العروبية عبر أمثال ميشيل عفلق،والذين تبنوا ذات يوم شعار “سنبني دولة على أكتاف البعث”! في مطلع انقلابات البعثيين ..!
وبطبيعة الحال أنا لست ضد طموح احد في تحقيق ذاته القومية على أسس تاريخية وواقعية ومنطقية أيضا…ولكن الأسلوب ينبغي أن يكون، هو الموضوعية والواقعية.. لا أسلوبا يعتمد على المكيافيلية–في وجهها السلبي-أو الصخب الإعلامي و التشكيل التاريخي على أساس المشتهيات..والتمنيات..وتجاهل الواقع..والتاريخ الواقعي.!.
بلاد الرافدين تشمل كل العراق قديما -وإن لم تكن في إطار الحدود الحالية بالضبط- بل كانت الحدود متحركة بحسب ظروف الحروب والسيطرة ..! ولكنه-العراق- يظل –دوما –منطقة جغرافية متناغمة بشكل أو بآخر.. كنتيجة للاحتكاكات المستمرة والأخذ والإعطاء -التفاعل الحضاري –بكل أبعاده، مما يشكل خيطا جامعا بين الغالب والمغلوب،وتتفاعل اللغات ومجهودات المبدعين في كل اتجاه وهذه طبيعة الاحتكاك ، وليست نظرية مخترعة منا –فلذا يتكرر دوما الحضارة العراقية الجامعة –بل المتفاعلة – بين: السومريين،والبابليين ، والأكاديين ، والساسنين ، والآشوريين الخ..تعبر عنها مجموعة الآثار العراقية –نصوصا ولوحات فنية وتماثيل….الخ.
ولذا فإن التركيز على الخصوصية القومية في العراق التاريخي ليس سوى اصطناع لواقع موهوم-برأيي-..ولا يعني ذلك أن الخصوصية غير موجودة،بل موجودة ولكن بنكهة عراقية خاصة تتداخل فيها الحدود و والملامح الثقافية والاجتماعية..!.
لقد استطاع صدام –بفكره البعثي المغلق- والأيديولوجي المشوه-باعتباره نسخة مشوهة من الأيديولوجيا الماركسية بتطعيمات من منظرين غير كفوئين، استغلوا المشاعر القومية العربية –وفق صيغة “القوموية العروبية”.بل كان هؤلاء المنظرين لا يتمتعون بمصداقية التفكير على أساس منطقي وواقعي،لسبب بسيط،أنهم-بحكم تمذهبهم- وضعوا مقدمات منسوجة على أساس نفسي رغبي، وبطريقة ملتوية لتلعب دورها التأثيري..كما يراد لها من أصحابها-وهذه صيغة متبعة في السياسة بشكل عام،ولكن المعايير مختلفة بين ثقافة وأخرى..والثقافة الشرق أوسطية –ومنها العربية او الأصح العروبية-بشكل عام- لا تلتزم بمعايير سوى تلك النفسية المنسجمة مع تصورات أصحابها –وهي تصورات جد ذاتية وغامضة ..!
وكمثل بسيط، يتصدى “ميشيل عفلق” وأمثاله لتحديد العلاقة بين العروبة والإسلام وهو المسيحي المؤدلج..ومعلوم ماذا يعني ذلك..ولكن الغرابة أن ينساق من يزعم الإسلام من العروبيين وراء نظريته المشوّهة للعلاقة بين مفهومي العرب والإسلام..فالعروبة(العرب)مناخ ولد فيه الإسلام ولكنه ليس ابنا لها بقدر ما هو ربيب في مناخها-خلال الطفولة الأولى،إذا جاز التعبير- مع المحافظة على خصوصيته بل والتأثير على المناخ ذاته في اتجاه ما يرمي إليه كدين أممي لكل زمان ومكان-كما عرف نفسه-” إن هذه أمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاعبدون”-”يا أيها الناس إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم”.
وهذا ما ميّز الإسلام..عقيدة وفكرا ومبادئا…(عقائد-عبادات-معاملات..)كما يصنف عادة.
ولكن العروبيون حولوه من دين كوني –المفروض انه جاء من السماء وحيا –إلى دين يشكل خاصة اجتماعية للقومية العربية وفق تشخيص غربي للعلاقة بين الدين والمجتمع –في القرن التاسع عشر والعشرين-وهي دراسات –في أساسياتها تستند إلى فكر “دوركهايم “اليهودي ..وإن كنت لا أحبذ أن أتخذ موقفا من الناس على أساس انتمائهم القومي أو الديني،وإنما المفروض أن نناقش المقدمات لديه ونتائج هذه المقدمات، ومدى المسار المنطقي والواقعي لها..!! ولكنها تبقى دراسات ذات خلفية أوروبية مختلفة في كثير من معطياتها..عن الواقع والتاريخ الاجتماعي في الشرق.
وأما بعض عباراته-ميشيل عفلق- التي بدت منحازة إلى الإسلام شكلا، فقد كانت بمثابة حركة تضليلية، أكثر من كونها تعبيرا عن دراسة واقعية، وهدف يتصل بمصلحة الإسلام…!
لقد اعتبر الإسلام المناخ والثقافة التي تشمل كل العرب –مسيحيين ومسلمين وغيرهم..- كأسلوب سياسي، للتغطية على نواياه الخاصة ..
ومن المؤسف أن هذه النغمة التي عزف عليها ؛كانت تجد تأثيرها النفسي في نفوس بعض العرب
المسلمين من ذوي النزوع القوموي –وربما تحت تأثير حالة لقن بها في بعض محطات؛ الحياة العربية الحاكمة، والمتوسلة بالاسلام إلى هذا الحكم..!
فصدام وحاشيته البعثية –إذا-استطاعوا التأثير نفسيا تحت الترغيب والترهيب –وطبعا الترهيب هو الأساس–وهذه مرة أخرى -ثقافة بعثية أصيلة..-بل وعروبية تمتد إلى الطبيعة القبائلية العربية والتي اتخذت الدولة الأموية مناخا كرسها،وقوننها عبر ثقافة ((التوريث)) السياسي،على شاكلة وراثة ابن شيخ القبيلة لأبيه..واستمرت حتى اليوم بزخم غريب،لم تزعزعه التطورات في المفاهيم عبر 14 قرنا..!
وهذه –برأيي-إشكالية ذهنية وسيكولوجية جعلت العرب يناقشون –بعد قرنين أو أكثر من نجاح الديمقراطية السياسية في الغرب فكرة: هل الديمقراطية تصلح لنا أم لا ؟!
وسرعان ما استثمر الحكام هذا التردد الثقافي-إذا جاز التعبير-ليلعبوا على وتر غموض وعدم صلاحية الديمقراطية للإسلام والمسلمين..ويتسللوا عبر ذلك إلى ابتكار مفاهيم كثيرة-وهم بارعون في ذلك مع القوة اللغوية المطواعة لاشتقاقات تخدم اتجاههم ..
صدام-وهو يمثل حالة ثقافية-ولا أقول فكرية – سادت انسجاما مع التكوين النفسي المهيمن.. استطاع حصر الفئات المجتمعية –طائفيا، ولكن في تفاعل مع الحالة الجغرافية –وهي جزء من التكوين الثقافي العراقي وأكاد أقول العربي .
لأن الخوف سائد من غلبة الطائفية ونتائجها العنفية المزروعة في نفوس العرب والساكنين تحت ظل أنظمة عربية أو عروبية- ومستديم منذ التمييز الذي اعتمده الخليفة –معاوية –بين بني أمية ومن ثم انسحاب عروبيتهم على العرب عموما ليستنبط نظاما اجتماعيا اسمه ثنائية “العرب والموالي “ وهو شبيه بنظام الرق الذي كان سائدا في الجاهلية ،وسعى الإسلام إلى أسلوب حكيم ،وهو التدرج في عتق العبيد،مع الدعم الفلسفي الإعتقادي..والأخلاقي..!.
وقد استقرت هذه الذهنية لدى العروبيين حتى يومنا هذا..بدلالة أن الحكم العباسي كان أكثر تميزا من الناحية الثقافية والحضارية والديمقراطية –تاريخيا-عن الحكم الأموي ولكنهم دوما يشيدون بالفترة الأموية ويهملون الفترة العباسية،أو يتجنبون الإشارة إليها لدواع سياسية أيديولوجية.. وربما يذكرونها -على مضض- أحيانا،وفي سياق معين..
وآخر شاهد ما ورد من الإشارة إلى الأمويين في خطاب السيد”عمرو موسى” في مؤتمر القمة العربية العشرين في دمشق.
هذا التقسيم الطائفي الجغرافي –بمعنى أو بآخر- كان يتكرس شيئا فشيئا، ولكن بطريقة مشوهة نفسيا،حيث كان الغليان الطائفي يتفاعل داخل النفوس دون أن تجد طريقها إلى الظهور..حتى كانت الانتفاضات المختلفة ومنها انتفاضة اذار 1991 وانتفاضة إقليم كردستان.. ولكنها كانت أكثر بروزا في 3 نيسان 2003 إثر سقوط نظام صدام،واتخذت منحى مبالغا فيه في السنين اللاحقة،ولا تزال تتفاعل بصورتها المشوهة-للأسف-.
وكان من الطبيعي أن عوامل الحياة الاجتماعية الأخرى من اجتماعية واقتصادية..تتضاءل أمام الأثر الطائفي الجغرافي –إذا جاز التعبير – حيث أن الحالة الطائفية-الجغرافية والتي أهملت العوامل الأخرى،كونت تركيبا جديدا ومشوها، لأن الحالة الطائفية نمت بقوة في إطارها الجغرافي، وتحفزت لتعبر في أول فرصة عن ذاتها .ولكن الإطار الجغرافي –فضلا عن كونها موجودة منذ القديم- فإنها تبلورت في صورتها المشوهة –اجتماعيا –بحدود صارمة جغرافيا كمسعى وهدف.. بغاية تأمين الركيزة والإطار اللازمين لقوة طائفية قادرة على العمل الدفاعي –بل والهجومي –تجاه القوة الطائفية الأخرى المضادة..!
ولعل هذا هو السبب الظاهر والخفي لشراسة الاتجاه نحو تطهير طائفي عند السنة والشيعة وبنفس الوتيرة، أو ربما بوتيرة تشتد أو تضعف بحسب تطورات الظروف و سيطرة الحكومة على المناطق..
وذلك استجابة لكل التراكمات القديمة من عادة الثأر والذاكرة المليئة بالآلام التاريخية القديمة.
الأمويون والهاشميون،والعباسيون والعلويون،والأنظمة السنية واضطهاد الشيعة تحت أسماء مختلفة منها الرافضة وربما هم فعلا ذوو اتجاه رافض لبعض جوانب المعتقد لدى السنة ،ولكن ذلك لا يبرر اضطهادهم على كل حال،والفاطميون واتجاههم إلى التضييق على السنة والصفويون واضطهادهم للسنة والذي يجري في مناطق مختلفة في ايران…الخ.
وحديثا ما يجري في مناطق مختلفة أبرزها العراق.. وفي باكستان وأندوسيا..
ومن الطبيعي أن العراق يمر بظروف –وتجربة- قاسية،وإذا لم يحسنوا التفاعل مع المفاهيم والأطروحات العصرية،متجاوزين –قليلا –السيكولوجية المشبعة بمفاهيم تحتاج إلى تجديد وفق معطيات الواقع،لا وفق الصيغة الأيديولوجية المهيمنة في الوجدان التاريخي والمستمر..فإنهم سيفوتون فرصا طيبة تنتظرهم ثمنا للتكلفة الباهظة..وإلا فسيكون الثمن والتكلفة أكبر وأشد.
……………………………………………………………………….
منشور في منتديات المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
http://www.airssforum.net/forum/%D9%88%D8%A7%D8%AD%D9%80%D9%80%D9%80%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%80%D9%85%D9%80%D9%85%D9%80%D9%80%D9%80%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D9%80%D9%86-%D9%88-%D8%A7%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D9%81-%D9%88%D8%A7%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8/%D8%A7%D9%82%D9%80%D9%80%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%B3%D9%80%D9%80%D9%80%D9%8A%D9%80%D8%A7%D8%B3%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%8A%D9%80%D8%A9-%D9%85%D9%80%D9%85%D9%80%D9%8A%D9%80%D8%B2%D9%87-aa/%D9%85%D9%86%D8%AA%D8%AF%D9%89-%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9/21154-%EF%BB%BF%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%8A%D9%80%D9%80%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86%D9%8A%D9%80%D9%80%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A8%D9%80%D9%80%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D9%80%D9%80%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D9%80%D9%80%D8%A9

المزيد من المقالات