القلم

القلم
ابن الجزيرة 07-09-2008

منذ أن اخترعت الآلة الكاتبة ومن ثم الكمبيوتر،فقد خف اللجوء إلى القلم للكتابة وكاد دوره أن ينحسر أو يتلاشى –حتى- في بعض الأحوال .
فعندما يمارس المرء فعل الكتابة، باستخدام الأجهزة.. يقع على بعض مزايا، لا يحسن القلم أن يوفرها..(وخاصة الكتابة على الكمبيوتر)
فمثلا إذا اخطأ أثناء الكتابة.. يمكن إصلاحه بسهولة، ولكن الخطأ بالقلم يعني تشطيبات قد تشوه منظر الورقة، أو تجعل الكلمات تتداخل، فيصعب قراءتها في بعض الأحوال، وخاصة عند تقادم العهد بها. وإذا لجأ الكاتب إلى تبييض المكتوب والمحتوى لتصحيح الأخطاء فهذا يكلف وقتا.. وجهدا إضافيا،وهما يكونان أقل تكلفة في الأجهزة(الكمبيوتر).
والكلمة المطبوعة-غالبا-هي أجمل شكلا، وأوضح للقراءة، ويمكن التحكم بنوع الخط(أنواع الخطوط في الكمبيوتر كثيرة واستخدامها سهل) مما يوفر للكاتب – ومهما كان رديء الخط- على الورق- أن يكتب خطا جميلا بالآلة.. فيتجنب مشكلة الخط المرتبك…
أعرف عددا من الأشخاص لهم تآليف وتصنيفات، أو بارعون في الأداء الوظيفي والمهني (كتاب أو محامون، أطباء، مهندسون..الخ) ولكن خطوطهم ليست في مستوى ما هم فيه من تحصيل علمي…بل يكاد أن يكون الخط لديهم أشبه بخربشات الدجاج-كما يقال في اللغة الشعبية-إذا فلقد فكت الآلة عقدة الخط لديهم، وأبدلتهم بما يمكنهم من التعبير عن أفكارهم وآرائهم دون أن يخشوا رداءة خطوطهم، وتخلصوا من مشكلة عدم وضوحها للقراءة …!
هل يعني هذا أن دور الخط باليد انتهى؟ أي هل انتهى دور القلم كأداة للكتابة؟!
على الأقل ، من وجهة نظري؛أقول: لا…!
فالقلم – وهو بين أصابعي- يتحرك على الورق، مسيلا حبرا يرسم حروفا، ويصوغ كلمات.. وأشكالا.. ورموزا؛ تتجاور، وتتعانق، لتكون لوحة نصية.. هي جماع معان عاشت في خاطري، ومخيلتي وذهني، فاستحالت لغة تعبيرية، وتواصلية مع الآخرين، بطريقة هادئة، وسلسة وواضحة، هي لحظات متميزة.ويكون التفاعل أكثر عندما يكون الخط جميلا..فيعطي صاحبه شعورا بجمال فني قد يفتقده غيره..
لحظات يشعر الكاتب فيها بتفاعل طيب مع القلم والورق، يتجلى في صورة إبداعية نابضة، تنتج شعورا بأنه قد نفث ما بداخله روحا فياضة حية…!
فهذه الورقة البيضاء تستحيل إلى لوحة وقد رسم عليها أشكال مختلفة من الأحرف أو الكلمات أو الرموز. وفي هذه الحالة تبرز حميمية العلاقة التي يفتقدها الكاتب عندما يستخدم الآلة على الرغم من الشعور بأنها قد حققت إرادته ورغبته – ربما في ظروف أيسر أيضا- ولكن الكلمات التي رسمت ليست من أنامله وهي تشد على القلم في حركة نفسية خاصة، والحبر الذي سال لا صلة له به، والأسلوب الذي تمت به الكتابة لا يعبر عن مهارة حية لأصابعه الضامة للقلم فيما يشبه العناق الحميمي الذي يستوحيه من حياته..
فقط تمده الآلة بشعور تحقيق هدفه في الكتابة والنسخ والطبع، وهو شعور- على الرغم من أهميته- يبقى أشبه ما يكون شعورا خارجيا، في حين أن الشعور أثناء الكتابة بالقلم يكون نابعا من حميمية التواصل بين الفكر والنظر والأصابع والقلم، وكل ما له صلة بعملية الكتابة هذه في كيان الإنسان.
ولعل القلم فيما مضى كان يشعر بما يستحق من الدلال وحسن الاختيار، فكان الكاتب يبحث عن نوع من الأقلام يوفر له سهولة الكتابة عبر سهولة المسك به، وسلاسة انسياب الحبر عبر ريشته، والتي لا تمزق الورق أو تخنق الحبر أو تسيله بدون ضابط.. فينشي الورق الذي كان بدوره أنواعا مختلفة.. يتراوح بين الرديء والجيد..إلا أن الجيد كان يؤذي الجيب.. والمعروف تاريخيا أن الأدب هو حرفة الفقر..!
أذكر أنني حصلت للمرة الأولى على نوع من قلم الحبر الجيد، كان من إنتاج ألماني يبرم غطاؤه ليمسك مكانه، وكان تاج ذهبي يزين مقدمة الغطاء، فيعطيه جمالا وقيمة, ثم تعرفت على أنواع أمريكية الصنع.. وأنواع صينية شعبية الأداء، متفاوتة القدرة على حسن الأداء.. وغيرها..
وكانت هذه الأقلام جميعا تعبأ من محابر -هي ذاتها- أنواع مختلفة من حيث الألوان ومن حيث التميز.. والقيمة المالية.. وشكل المحابر التي تتوضع فيها.. ونوع الغطاء الذي يغلقها..الخ
وكان الحصول على الأنواع الجيدة في ظروف الفقر الذي كنا نعيشه، مطلبا عسيرا – في الغالب- ولكنه كان يتحقق في حالة الكبر بطرق لم تكن مرضية، كان يثلم قلم أحدهم فيقتني جديدا منه، ويعطينا القديم.. والذي كانت فرحتنا به – رغم كل شيء –كبيرة..!
ولكن لا يدوم الحال (فـ: إن الأمور،كما شاهدتها دول .. من سره زمن ساءته أزمان)
هذا ما حصل لأقلام الحبر الممدد(السائل)..لأن اختراع أقلام الحبر الناشف كاد أن يلغي دور أقلام الحبر السائل،لم ينقذ دوره سعي الشركات المشفقة عليه بإبداع عبوات حبر جاهزة يلقم القلم بها عند فراغ ما فيه. فبقي -كما ألاحظ- فقط للتوقيع لدى المسؤولين -الذين هم على الأغلب أغنياء(أو يتصرفون بأموال الشعب بشكل ما )- على المواثيق والعهود التي من المفترض أن تكون من اجل مصلحة الشعوب، ولكنها – في الواقع- تصب في مصلحة هؤلاء المسؤولين أنفسهم، ما عدا حالات قليلة لم يضيع فيها المسؤول بعضا من بقايا الضمير..!.
ويقال – ولست متأكدا من الحقيقة- بأن الدبلوماسيون يتبادلون الأقلام التي وقعوا بها على عقود بينهم.وربما تلك الحركة من باب استثارة المشاعر نحو كل طرف من كل طرف. وإنني ألاحظ ان البروتوكولات كأنها وجد=ت للتجاوب مع المشاعر (النفسية)لدى السياسيين أكثر مما نراعي أطفالنا وطلابنا الذي يحتاجون – تربويا – لهذه الحالة، وربما الأمر نفسه من أسباب ان السياسيين – أحيانا يتصرفون بدوافع نفسية لا بواعث عقلية تحفظ مصالح المجموع- شعبا أو امة او حزبا..الخ.! وأختم القول بكلمة لطيفة من أحد الأدباء وهو:
“عبد الله بن المعتز” في وصف القلم:
((القلم يخدم الإرادة، ولا يمل الاستزادة، يسكت واقفا.. وينطق ساكتا.. على أرض بياضها مظلم.. وسوادها مضيء)).(1)
(1) مجلة مصر العروبة عدد 103/أيلول 1994
……………………………………………………….
” ليس في حياة الأفراد ولا في حياة الشعوب خطأ لا يمكن اصلاحه ، فالرجوع إلى الصواب يمحو جميع الأخطاء”
المهاتما غاندي
………………………………………………………………………………………………………………………………….
منشور في منتديات المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
http://www.airssforum.net/forum/%D9%88%D8%A7%D8%AD%D9%80%D9%80%D9%80%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%80%D9%85%D9%80%D9%85%D9%80%D9%80%D9%80%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D9%80%D9%86-%D9%88-%D8%A7%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D9%81-%D9%88%D8%A7%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8/%D8%A7%D9%82%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A3%D8%AF%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%85%D9%8A%D8%B2%D8%A9-aa/%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9/24330-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%84%D9%85

المزيد من المقالات