تشكيلات مجتمعية (-عناصرها ومنابعها-)

تشكيلات مجتمعية (-عناصرها ومنابعها-)
16 تشرين1 2010
محمد قاسم
m.qibnjezire@hotmail.com

1- “ظاهرة التبشير” الحلقة 1

أصبح متاحا لكل عارف ومهتم- وقد امتدت المعرفة أفقيا في المجتمعات،وعموديا أيضا في بعضها –المتقدمة-أصبح متاحا،أن يعرف كثيرا من عناصر تكوين المجتمعات الإنسانية ، وحركيتها وآلياتها..
فالمجتمع لفظة-مفهوم- تدل على مجموعة من الناس؛ يجمع بينهم السكنى في أرض محددة، والشعور بصلة عرقية أو دينية أو طائفية أو مذهبية-أو كلها معا في حالات خاصة-.بطريقة تتيح تفاعلا يتضمن الزواج والتكاثر، والتعاون والعمل..والتشارك في معظم عناصر –عوامل- الحياة التي تضمن الاستقرار، وممارسة مختلف الأعمال والمهن التي توفر مستوى معيشة طيبة.
ويدخل في نطاق هذه العوامل؛ الرغبة في العيش المشترك،والاستعداد للدفاع معا عن قيم المجتمع، ومعتقداته، ومعطيات وجوده المادية..إضافة الى الارتباط بماض مشترك ملهم ..الخ.
ولعل أهم عوامل بقاء المجتمع حيويا وفعالا في أنشطته المختلفة هو: الاستقرار.. ودون أن يكون حجة لسلب الحيوية الطبيعية في فاعلية المجتمع؛ وفي جميع أنشطته؛ بما فيها الأنشطة الثقافية والاقتصادية والسياسية..-كما في أنظمة القهر والاستبداد التي تتغنى دائما بالاستقرار والأمان في غياب فاعلية المجتمع المفترضة..
فإذا فقد المجتمع الاستقرار أصبح معرضا لأن تهزه أقل الريح قوة..!
وإذا سلب الحرية وحق التعبير والعمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي..الخ.
فإنه يتحول الى مجتمع راكد ..حائر..قلق…!
باختصار، يتحول الى مجتمع غير مستقر. ولذلك تداعياته السلبية كما نلاحظ في المجتمعات العالمثالثية عموما والعربية خصوصا..
ولهذا نرى أن ظاهرة الاهتمام بالترف والانخراط في أشكالها يصبح نظاما حياتيا بشكل عام، وتغذي ذلك الحكومات التي ترغب في تحييد شعوبها عن النشاط الفاعل؛ وعلى رأسها السياسة-كما في المجتمعات العالمثالثية –والعربية منها طبعا-.
وقد يعتبر اللون الواحد -بنوع من التجاوز- مجتمعا ، فنقول المجتمع المسلم، والمجتمع المسيحي، والمجتمع الشيعي، والمجتمع السني..والمجتمع العربي، والمجتمع الكوردي..الخ.”[i] ”
لكن الدلالة الأصح- بتقديري- والواقعية هي، أن يكون الجامع للمجتمع هو:
جغرافية تحتضن التاريخ،بتلوين – أو تكوين- ساهمت في تشكّيله ظروف الحياة –بتعمد أو عفويا..كنتيجة لحروب أو جفاف أو أي حالة تدفع الى الهجرة؛ فتختلط الإثنيات العرقية، أو التشكيلات الدينية والطائفية والمذهبية..الخ. وتجمعهم رغبة العيش المشترك بتأثير الظروف المختلفة، منها الحاجة الى التعاون في إنتاج متطلبات العيش،ومنها التجمع لحماية بعضهم بعضا-مجتمعا ووطنا- من أخطار محتملة أو محدقة…فتبقى الاختلافات خصوصيات للمختلفين: دينا، أو طائفة، أو مذهبا، أو قومية…الخ.ويصبح الجامع قيم الوطنية والمواطنة..
ويصبح –بذلك- مفهوم المجتمع أشمل مما سبق .
وهذا هو ما يمثل واقع المجتمعات المعاصرة.فقلما تجد مجتمعا نقيا عرقيا أو دينيا…الخ.
وهنا تصبح جغرافية الأرض والتاريخ والمعطيات الراهنة عموما ،ذا تسمية جديدة هي: الوطن..
ويصبح الولاء للوطن هو محور التفاعل والثقافة التي تتكون في ظل الفاعلية المختلفة على أرض هذا الوطن، أو تحت سمائه.بعد أن أثبتت التجربة أن المحاور الأخرى كالدين والقومية لم تعد قادرة –في ظل الظروف الحادثة والمتغيرة- أن تكون هي البديل عن الوطن والوطنية..فلكل مرحلة محاور ومفاهيم يمكنها أن تنمو وتزدهر فيها ..

– الدولة الملكية التي زالت لصالح الجمهورية،وان بقيت اسما بلا فاعلية كما كانت قديما.

– الدولة الدينية التي لم تعد تستطيع الصمود أمام زحف مفهوم الوطنية والعلمانية السياسية.

إن مطالبة إسرائيل-مثلا- بأن تكون دولتها يهودية تلقى استهجانا من كل مستنير.
يتم تشكيل الدولة التي تتجاوز الخصوصيات-الإثنية والدينية والطائفية والمذهبية… الخ – دون الإضرار بها “[ii] “ليصبح الفرد مواطنا، ولا يُسأل عن خصوصياته، وإنما يُسأل عن مدى توافقه مع القوانين والقيم التي أفرزتها الدولة، أو ساهمت في صياغتها كنظام اجتماعي يسمى في أعلى حالاته-أو وظائفه-بـ “السياسة” وفي مناخ كاف وواضح من الحرية طبعا.
وفي ظل الوطن وقوانينه –وهي ناتج تفاعل اجتماعي بين جميع المكوّنات التي تعيش فيه،وفق آليات، أصبحت الديمقراطية والحرية أساسها، بطابع يغلب فيه الفردي المتفاعل مع الجمعي..دون اضمحلاله..وإنما بتكامل معه يجعل المجتمع بيئة خصبة لفعالية الأفراد، وتفجير الطاقات الإبداعية على كل صعيد.
هذا يحدث في المجتمعات المتقدمة-أوروبا،أمريكا،اليابان….. والتي أصبحت فعلا تعيش في ظلال دولة القانون. لكن ذلك غير متوفر في المجتمعات المتخلفة والتي تعيش ظاهريا باسم الدولة؛ ولكن حقيقتها أنها: شبه دولة “[iii] ” لا دولة حقيقية..
ففي هذه المجتمعات المتخلفة يصاغ القانون من قبل السلطات الحاكمة،وهي غالبا سلطات مغتصبة للحكم انقلابا عسكريا، ولا يصاغ القانون من ممثلي المجتمع-الشعب- بل لا يوجد –واقعيا- من يمكنهم تسميته بممثلي الشعب-نواب-بسبب الأسلوب غير الديمقراطي وغير الحر في دفعهم الى مؤسسات شكلية-مجلس الشعب..مجلس الشورى..الخ. وهي مؤسسات لا مضمون حقيقي لتمثيلها لمواقعها والغاية منها.
وينال المجتمع خلل يجعل المفاهيم والمبادئ والقيم هشة، ذات نبرة عالية شعاراتية؛ لكن بفعالية ضئيلة –أو معدومة..
وهنا لابد من الإشارة الى أن قوة المجتمعات- كمجتمع بشكل عام – كالمجتمعات الأوروبية..، باعثة على نوع من السلطة أو التسلط ..في مرحلة تاريخية عبرت عن نفسها بالحركة الاستعمارية..مما أنتج قيما محورها المادة والمال عموما ،ومن مفرزات ذلك؛ الميل الى الغنى.. والشهرة.. والرفاهية …بلا حدود.
ولا يتوفر لديها ضابط قيمي سوى مشاعر هشة –أحيانا- لا ترقى الى الأصل الإنساني المفترض للقيم الأساسية؛ وهي التي نادى بها الدين والأخلاق–والدين واحد عند الله-على الأقل،الأديان المعروفة بأنها سماوية. وإنما تختلف الشرائع..!
فالدين أصل، والشرائع فروع ..تتغير وفقا للأزمنة والأمكنة.. لتتلاءم معها في إدارة الحياة الروحية بأقصى ما يمكن مع الأصل –الدين.
الدين اعتقاد إيماني،يبدأ بالإيمان بوجود خالق واحد هو مصدر خلق الكون وإدارته بمنهجية لا نعرف منها إلا القدر الذي يخصنا كبشر محدودي القوة في فهم وتفسير الحياة بموجوداتها، ويأتي دور الأنبياء-الوحي- للربط بين القوة الإلهية غير المحدودة -أو العلم الإلهي غير المحدود…الخ. وبين القوة الإنسانية المحدودة والعلم الإنساني المحدود.
لكن هذه المحدودية في قوة الإنسان وعلمه و مختلف تجليات فعاليته…–كما يبدو- ليست مطلقة، بل فيها من بذور-أو إمكانية- الاتساع والنمو بقدر ما يكتسب الإنسان من الخبرة وعيا وسلوكا..
يمكن تشبيه ذلك بانكشاف أكثر لما يبحث عنه –أو فيه- الإنسان- كلما زاد اكتشافه لجديد من المبحوث عنه-أو فيه- فيصبح المكتشَف –دائما- رصيدا يساعد على كشف جديد وهكذا..!
……………………………….

1- “ظاهرة التبشير” الحلقة 2
باستعراض الأفكار من الحلقة الأولى يمكن اختصارها في:
محاولة تعريف للمجتمع الحديث المعقد،والمعطيات المختلفة في تشكيله ، ودور الحرية والديمقراطية في تشكيل مجتمعات متقدمة غلب فيها الميل الى الرفاهية، واحتضان مفهوم المادة كأساس في الحياة، أنتج قِيماً -تقلّ في نسيجها؛ قيم روحية ومعنوية؛ تعين على علاقات أفضل إنسانيا.
بل إن القوة غلبت في التفاعل البشري..!
هذه الظاهرة التي تمارسها المجتمعات المتخلفة أيضا، عبر أنظمتها –سلطاتها الانقلابية –والتي تمارس الحكم كأمر واقع مفروض على مجتمعاتها.
لذا فإن تشكيل القيم فيها يتم عبر ممارسة الضغط والإكراه فيها، ولا حاجة للإشارة الى مدى تشوه هذه القيم.
واستنتجنا أن الدين-السماوي على الأقل- واحد أساسا ، وهذا أصل.
فالأصل في الدين هو الاعتقاد بوجود خالق واحد للكون ومدبر له ،يتوصل المرء الى ذلك بإيمان فيه من القبول بالتفسير الغيبي الكثير،ودون أن يُتجاهل دور العقل.
و الاختلافات-عادة- هي في الفروع، وتسمى هذه الفروع ، الشرائع:
شريعة موسى- شريعة المسيح- شريعة محمد..
و تجهد الشرائع-فروع الدين-إذا جاز التعبير؛ لتكون في حالة يمكن التوفيق بينها-وهي نسبية- وبين الأصل-وهو مطلق-.
وبناء على ذلك ترتبط الأرض بالسماء-أو يصبح الكون كله منظومة متكاملة، يسعى الفرد فيها الى التواصل مع الخالق بما أتيح له من معطيات آمن بها، وتقبلها، ويمارسها..!
فيتكامل البعد المادي-الجسدي- مع البعد المعنوي-الروحي- في الإنسان مع المنظومة الكونية،فيصبح للحياة البشرية موقع، ومعنى، في سياق ذلك.
وهذا يفسر ارتباط البشر –منذ بدء الخليقة- بآلهة في تجليات مختلفة..ثم سيادة الإيمان باله واحد .
وأشرنا الى القوة في حياة المجتمعات بأنواعها،ودورها في التأثير على تكوين ثقافة تخص المجتمع-أي مجتمع- بتفاوت في المساحة والاستخدام. وضربنا لذلك مثلا، الحركة الاستعمارية الغربية في الشرق..ونتائجها التي صاغتها ثقافة سياسية تجاهلت الكثير من القيم الدينية والأخلاقية..والإنسانية عموما.
ومن المؤسف أن هذه الثقافة أصبحت ركيزة أساسية في منظومة القيم الاجتماعية –شرقا وغربا ،في الدول القوية، وفي الدول الضعيفة –أو شبه الدول- الضعيفة، في المجتمعات المتقدمة، وفي المجتمعات المتخلفة…
لذا فإننا نرى أن الدين-الأصل-والفروع-الشرائع- أصبحت عاملا تابعا للسياسة بدلا من أن تكون عاملا يدير الأنشطة الاجتماعية –بما فيها السياسة-.
ومن أشكال التبعية هذه حركات الاستشراق والتبشير..والتي قام بها الغرب الاستعماري في مختلف مناطق العالم،لكنه ركز على المنطقة الإسلامية خاصة.ويقوم بها بعض المبشرين المسيحيين –حاليا-في الشرق، ويتجهون في عملية التبشير الى :
فئة الشباب في مطلع العمر-المراهقين- وطبقة الفقراء- والشرائح المترددة في حياتها –مهما كان السبب-.
هكذا تفعل القوى التي تدرك أنها فاقدة لشرعيتها، فتعمل مفاعيلها في الظروف الغائمة –أو الصيد في الماء العكر-كما يقال .
في المجتمعات الغربية كان من المفترض أن تتغلب الفلسفة العلمانية-إذا جاز التعبير – وكما هو حاصل في الممارسة السياسية ، أن تتغلب على جميع أنشطة وسلوك الغرب..لكن الواقع أن الدين بقي وسيلة فعالة ومؤثرة في استخدامات الغرب السياسية، الى درجة مبالغ فيها من تسخيره للمصالح السياسية..! وهذا حاصل في الشرق أيضا..ومن المؤسف في الدول الاسلامية –ومها العربية-بشكل لا تخطئه العين.!
وهذا يؤدي-بل أدى- مع مرور الزمن؛ الى نوع من الانفصال بين الإنسان والاعتقاد الديني الفطري-أو العفوي- واعتناق فلسفة تحتوي التدين المصطنع –إذا صح التعبير- لصالح الحاجات المباشرة وغير المباشرة للإنسان، وفي إطار المنظومات المادية المهيمنة في المجتمع؛ عبر شركات ومؤسسات مختلفة؛ أساسها المال.. والرفاهية.. والسلطة-النفوذ- بأشكال مختلفة.وكذا بعض الإدارات السياسية،كما في إدارة بوش الابن في أمريكا مثلا…
هنا يجدر بنا أن نتوقف قليلا..ونتأمل ما يجري..
هل الثقافة –وضمنها المعتقدات والممارسات الدينية- هي منهل أنشطة الإنسان، أم أنها أصبحت أداة تسخرها السياسة في فعاليتها المتجلية في تحقيق المصلحة –وقد لا تكون مصلحة مشروعة،بل الأغلب أنها غير مشروعة..!
ولعل الأخطر في هذا الاستخدام هو استخدام الدين-الأصل- في حياة الناس وسيلة سياسية لتحقيق مصالح..
قد يجري هذا في كل زمان وكل مكان.
ولكن لا يكون ذلك على امتداد مساحة ثقافة تهيمن فعليا في حياة المجتمع كله…وإنما قد يتم عبر الإدارة السياسية –حزبيا أو سلطة فعلية ..أي تلامس مساحة محدودة من المجتمع ،وبنوع من التأثير الخارج عنه،لا من انبثاق داخلي له.
وكما أسلفنا فقد كان التبشير الغربي بالديانة المسيحية قناعا لأعمال استخباراتية –تحقق منها الكثير- وأنتج سلوكا خطيرا انعكس على تفاعل العمق البشري مع القيم الأصيلة والنبيلة للدين-الأصل-..
لقد خالط ذلك المال والنفوذ ..والهوى ..فجرد الدعوة –التبشيرية- من مضمونها الديني الأصل، وأحالها الى دعوة تبشيرية ذات مضمون سياسي واجتماعي واقتصادي…؛ غلبت المصالح المباشرة فيها، وكذلك الأهواء، والغرائز..فلم يعد هناك دين سماوي-أصل- يستمد نبضه من خالق لكل الكون غربيا في مرحلة الاستعمار.- ويشتمل هذا الدين على مبادئ وقيم عامة. –في هذه الحالة- ومن ثم ينبغي على الجميع –المؤمنين به- أن يمارسوها؛ لتحقيق الغاية منها، وهي:
تكامل عبادة الله والتعامل الأخلاقي السليم مع البشر. سعيا لتحقيق المبتغى وهو السعادة المأمولة دنيا وآخرة.
(مفهوم السعادة..الرضا الداخلي والانسجام مع النفس فيما يعتقد المرء ويسلك عندما ينشرح صدره لما يقوم به من سلوك يعتقده صحيحا،ويستند الى إيمان عميق، يستمد منه السلام والطمأنينة).
وان كان تحديد ذلك فيه اختلاف كثير ..من الناحية التفسيرية-الفلسفية-
وبدلا من ذلك أصبح هناك مطامع من فئة –جماعة- أيا كانت..تجهد لبلوغ هذه المطامع، مسخرة كل ما يمكن من اجل ذلك،ضاربة بالقيم والمبادئ المشتركة، والمفترضة، عرض الحائط، ومبتكرة قيما ومبادئ متأثرة بالحالة الذاتية لمبتكريها، ومن ثم وفق المصالح المبتغاة.
ويبدو أن حركة تبشيرية جديدة بدأت تنشط في مختلف المناطق المسلمة ،ومنها –كما يبدو- الجزيرة السورية أيضا.وربما المقصود هنا المجتمع الكوردي تحديدا.لإيجاد خلخلة في جسم المجتمع –إضافة الى الضربات التي يتلقاها من جهات أخرى لتحقيق هذا الغرض ..ضرب بنية المجتمع لتفكيكه وخلخلة قيمه ومبادئه..ومن ثم يسهل صيده ونهشه في كل جانب..
هناك حركة تستغل حاجة الناس وفقرهم الذي دفعوا إليه عبر مجموعة ممارسات هادفة لذلك..فيوزع القائمون بالحركة التبشيرية، الطعام الخام كالطحين والأرز والسكر …أو يدعون الشباب- من الجنسين- الى حفلات فيها استرضاء لغرائزهم. فضلا عن الدروس التي تلقى هنا أو هناك..هذا ما يتداوله البعض..وأسمع مثلها في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي.
تراودني تساؤلات…
لو أن هذه الحركات التبشيرية اهتمت بأعضاء شريعتها –وقد قلنا ان الدين واحد في الأصل- وحاولت إصلاح ما اختل لديهم ألم يكن أجدى؟!
إنهم ينشطون –في هذه الحالة- في مساحات طبيعية بالنسبة إليهم، ولا يعترض احد على ذلك..ولا يستدعي سلوكها الى التساؤل..
أما أن يتجهوا الى النخر في كيان مجتمع آخر –كالمجتمع الإسلامي..فما هو الجدوى الديني له-اللهم إلا إذا كان الهدف –كما قلنا –هو خلخلة هذا المجتمع –أو الجماعة- أو ذاك.. بدوافع سياسية؟!
والسؤال الآخر :ما مصادر تمويل هؤلاء المبشرين؟!
إن عملية التمويل بحد ذاتها سؤال كبير..!
ان ممارسة عملية التبشير بهذه الطريقة الممنهجة تؤدي الى نوع من الخلخلة في بنية المجتمع –المتخلف – ومن إثارة مشكلات لا نعلم ما يمكن ان ينتج منها في الواقع .وهذا يختلف عن حالات فردية توفرت لديها القناعة بهذا الدين او ذاك..فالمعروف –مثلا –أن بعض الأفراد المسيحيون تجاوزوا تعاليم الكنيسة فتزودجوا اكثر من امرأة في وقت واحد لكنهم لم يؤثروا على نسيج الايمان المسيحي..! وهناك الكثير من المسلمين والمسيحيين واليهود ،لا يلتزمون بأساسيات العقيدة في اديانهم-او شرائعهم- لكنهم يعيشون ضمن نسيج المجتمع ككل،فلا يشلون ما يستدعي الاهتمام او الاستنكار أو غير ذلك..
المسألة في منهجية تتغلغل في نسيج المجتمع فتفرق بين الأبوين وابنائهما وبين ابن القبيلة والقبيلة وكذا المجتمع بشكل عام.
والمعروف إن قدماء المبشرين-الأنبياء والدعاة ..لم يكونوا يتبعون هذا الأسلوب..بل قد يعينوا الذين دخلوا دينهم بقناعة فردية خاصة دون مؤثرات دنيوية ..بعد الإيمان به تثبيتا لهم. أما أن يرشوهم بالمال، ويغروهم بحفلات مختلطة بين الشباب-الرجال والنساء..فلا أجد فيه من الدين شيئا..!
فالحركة التبشيرية –إذا- هي حركة تبشير تخفي نوايا سيئة في كل الأحوال. لأن النوايا الحسنة –في مثل هذه الحالات- لا تحتاج الى إخفاء..
نحن نعلم أن طبيعة التدين تفرض السطوع في كل شيء فيها –أساس الدعوة ، مبادئ الدين-قيم الدين..وهي عموما ترتكز الى أخلاق مفترضة..فأين الأخلاق في سلوك يُمارس في الخفاء-أو بتحايل-، ويعتمد الى الرشا والإغراء..؟!
وأخيرا كل ما يجري في المجتمع مسؤولية الجميع- سلطة وشعبا –كل من زاويته، وعلى قدر ما يستطيع.!
.فأين الجميع؟!
…………………………………………………………………………………………………
[i] – كلمة المجتمع مشتق من لفظ الجمع والجماعة..لكن باشتراط العوامل المعقدة التي ذكرناها فيختلف عن الجماعة والجمع أو ما شابه..

[ii] – أي دون محاولة إذابتها في الكل أو إبادة أصحابها –كما كانت متبعة في بعض الأيديولوجيات السياسية ولا زالت..وإنما إيجاد الطريقة التي يمكن بها أن نوفق بين الخصوصيات و عمومية الدولة –الفيديرالية مثلا..كما في أمريكا وعدد من دول أوروبا ..بل وفي الهند الدولة الأكبر سكانا وتتمتع بنظام ديمقراطي في الشرق.

[iii] – ارتأينا أن نسميها شبه دولة لأن شكلياتها تشابه شكل الدولة ظاهريا،من حكومة ودوائر ومؤسسات..الخ.لكنها تعمل بأقل طاقات الدولة لما فيها من الفساد ومصادرة الحريات ،وممارسة الأسلوب الاستبدادي في إدارة شؤون مواطنيها فضلا عن التفرد بالحكم.
……………………………………………………………………………………………………………………………
منقول عن موقع راطة أدباء الشام
http://www.odabasham.net/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A9/43727-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D9%8A%D8%A9

المزيد من المقالات