هكذا فهمت الإسلام*

هكذا فهمت الإسلام*
محمد قاسم (ابن الجزيرة)
نعاقب الإنسان في فكره وفي سلوكه، أم نعاقب الفكر المجرد (من دون إنسان) …؟
أم نعاقب (السلوك المتصور-الخيالي)؟
بلا شك كل إنسان يعلم أن الكون تعمره كائنات مختلفة (حيوان-نبات-جماد…) وعلى رأسه الكائن البشري الذي يعمر الكون من خلال كونه عاقلا حرا ومسؤولا.
من هنا فالخطأ في الكون مسؤولية الكائن الإنساني أساسا.
صحيح أن هناك قوى طبيعية لا تزال خارج سيطرته (عواصف-أعاصير-تحديات في البحر وفي الأرض وفي السماء … عولج كثير منها من خلال تطور التقنية على يد الإنسان. والصحيح أيضا أن للإنسان التأثير سلبا أو إيجابا. فعندما يحسن الإنسان اختيار موقع مدينته مثلا؛ يجنبه ذلك كثيرا من تأثيرات القوى الطبيعية الخارجة عن السيطرة. وعندما يصرف جهدا في اكتشاف أسرار الطبيعة، فإنه يبتكر وسائل لمعالجة مشاكلها. وعندما ينشر الوعي عبر التعليم – والأهم عبر تربية مدروسة وفق قيم متعارف عليها فإن ذلك يجنب بني البشر كثيرا من النظرة المتوجسة أو العدائية أو المتوترة غيرها.
إذا هناك مساحة كبيرة من حرية الحركة والعمل لدى الإنسان؛ لتعامل صحيح مع هذا الواقع (الطبيعة) بكل مكوناته الإيجابية والسلبية وفق ما يعود على البشر بالسلم والأمن وعلاقات مرنة متطورة. وبالتالي فإن مسؤولية الإنسان كبيرة في الحياة. وهذا ما تشير إليه الآية القرآنية (كل أولئك كان عنه مسؤولا). وبالطبع هناك الكثير من الآيات الدالة على مسؤولية الإنسان عن ((الأمانة)) ((وحملها الإنسان وكان ظلوما جهولا)).
هذا الفهم يبنى على الدور التوجيهي والإرشادي للآيات، لا على حكم وتفويض كما يطبع ذلك النفس لدى بعض المفسرين(أغلبهم). فمثلا: إن تفسير هذه الآية والآيات مثلها، هو في وصف كون الإنسان غير كامل، وبالتالي عاجز أحيانا في وعي مصلحته لجهله ، و هذا لا يعني أن إمكانية التطور غير موجودة لديه، ولا أن تجاوز الحالة ممكنة لديه.
الإنسان كائن قابل للتغير(للتطور) في كل اتجاه-شرا أو خيرا، علما أو جهلا، سلما أو حربا… الخ-وهذه الإمكانية تفتح له أبواب التطور إذا امتلك مفاتيحه(أسراره). وتحسب أنك جرم صغير=وفيك انطوى العالم الأكبر
هذا قول منسوب إلى أفضل من يمثل الإسلام فهما، استدلالا، وعلما فيه، وعملا به، وهو: الخليفة الرابع: علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه.
وفي هذا البيت معنى يشير إلى أن الإنسان (طاقة كبرى أكثر مما يظن).
وقد أيد تطور العلم هذا. إذ اخترق الإنسان بعلمه، أجواف البحار، وأعماق الأرض، وطبقات السحب والأفلاك (بل إن الإنسان لم يشغل من طاقة دماغه سوى10-6 %. كما يجزم به العلماء المختصون. أي أن أكثر 90% من طاقة الدماغ لديه لم تستخدم بعد.
يقول سبحانه وتعالى: ((ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)) لا أعتقد أن التقويم الحسن هنا يختص فقط بالشكل أو الجسم. بل إنه-كما أفهم-تقويم يشمل كل ما لدى الإنسان من مكونات، وطاقات. نستشف منها دوما، المرونة، والقدرة على التغيير نحو الحسن، إذا اتبعت سنن الطبيعة، وفهمت أسرار التوجيه الإلهي (فالرسول الذي يمثله على الأرض ليس سوى بشير ونذير. ((وما أرسلناك إلا بشيرا ونذيرا)) و((إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)). نوع من النفي لقدرة الإنسان في التأثير من طرف واحد، بل ينبغي أن يكون التأثير من الطرفين، (الرسول “من الله” والمرسل إليه “البشر”). ولا يملك الرسول حسابا خارجا عن سنن الكون الطبيعية في العلاقات البشرية – سلما أو حربا- لذا فإن فهم الأمور (على طريقة سلب الإرادة البشرية، أو الحكم على الإنسان – دوما- بالقصور، وجعله في ظرف مسلوب الفهم واتخاذ اختياره إلا عبر وسطاء مثله ، ربما يفوقونه علما ولكنهم لا يفوقونه حقا بشريا مشتركا(إرادة –وعي-اختيار ..الخ)هذا الفهم هو فهم مختزل (فهم يصادر حق الآخرين المماثلين له). وهذا لا يعني البتة أنه كامل، ولا يحتاج للأخذ باليد بل يعني أن خاصية التغير والتطور عبر أسلوب مرن هو حق لا يمكن سلبه (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وأما الحساب فهو عند الله. لا يستطيع كائن بشري –أيا كان –تقرير المصير الإنساني عند الله، سوى الإشارة إلى معايير يحكم بها فعل الإنسان.وحتى المعايير نفسها غير دقيقة لوجود الظاهر والباطن في حياة الإنسان.فإن استطاع تحديد المعايير للسلوك الظاهري فأين له ذلك في السلوك الباطني-إذا جاز التعبير-إن معرفة سرائر القلوب هو الله وحده. وهو وحده يحكم الحكم الصحيح على مصير الكائن البشري، إن كان من أهل الجنة أو من أهل النار. وقصة الصحابي الذي قتل كافرا بعد الشهادة معروفة عندما قال إنه فعل ذلك تقية من الموت، فقال الرسول(ص)أو كنت في سره؟ (او قلبه؟). ولم يرسل الله احدا وكيلا له –كما يتصرف البعض-ليمارس هذه الوكالة بتفويض إلهي، على الأقل في الشريعة الإسلامية. (إن أنا إلا بشر مثلكم يوحى إلي). ونحن نعلم جميعا بان الوحي انتهى باعتبار أن محمدا هو آخر الأنبياء (خاتم الرسل).
وما قول الرسول (العلماء ورثة الأنبياء) سوى إشعارهم بمسؤوليتهم تجاه إرشاد المجتمع في حدود ما حدد الله (وما أرسلناك إلا بشيرا ونذيرا) أي عمل نظري لا يتعدى إلى إهانة الناس، أو مصادرة حقوقهم في التفكير، واتخاذ القرار. وتحديد مصيرهم بأنفسهم مع ملاحظة أن بشيرا يسبق نذيرا في الموقع ضمن الآية.
الحرية أساس صحة الاعتقاد، ولكل امرئ ما نوى، الإسلام يعتمد الظاهر لا التأويلات الذاتية واعتبارها أحكاما أو قرارات… الخ. (الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) حديث شريف.
يمكننا – بحسب تصوري أو فهمي-أن نعتبر الحياة دائرتان (أو شقان) إحداهما كبيرة، والثانية أصغر وضمن الأولى، بما يشبه في المنطق، الجنس والنوع (دائرة الحياة الدنيوية ضمن دائرة الحياة الأخروية).
الحياة الآخرة هي جنس. والحياة الدنيا هي نوع (جزء من الجنس).ولكل حياة منهما قوانينها، ولكنها مرتبطة بشكل أو بآخر مع قوانين الحياة الأخرى. نوع من التكامل بين قوانين النوعين من الحياة (الدنيا والآخرة). فمثلا إذا فهمنا بان ما ورد من توجيهات وتعليمات وأوامر في الدنيا فهي من الله، والغاية منها أن يستوعبها الإنسان بحسب طبيعته الإنسانية، ويؤمن بها بعد وعي لها، ويطبقها وفق ما يفهم-وبحسب قدراته. (ولا يحق لأحد أن يفرض فهمه على الآخرين لتطبيقه مهما كان) ما دامت اللغة التي ينطق البشر بها هي معيار الفهم في الحصيلة وهو ما يسمى ب(النص). وربما أمكن تفسير فهم ما سبق بالخاتمة التي كان العلماء القدماء من المسلمين يختمون بها شروحهم وتفسيراتهم. وهو ((والله أعلم بمراده)).
انظر جميع ما كتبه القدماء فستجده مختوما بهذه العبارة أو مثلها. وهي دلالة قاطعة على اعتراف بأنه(العالم) إنما يعكس فهمه الخاص، ولا يفرضه على الغير مادام هو نفسه يقر بأنه قد لا يوفق إلى المراد من الله. ويهرب من مسؤولية إدعاء ذلك. فالفهم هنا-إذا -نسبي وليس مطلقا، ولا يدعي أحد ذلك صراحة، وإن كان البعض يطبقها واقعيا بدوافع نفسية، قد تكون غرورا بالعلم. وقد تكون مصلحة. وقد يكون شعورا بالحق. ولكنه يبقى شعورا نفسيا لا يرقى إلى مرتبة ال يقين0(حالة ذاتية في الفهم). مع الاحترام الشديد للمقدرة العلمية والمعرفية التي يتمتع بها بعض العلماء الأجلاء، والذين يظلون صوى نهتدي بها إلى حد بعيد كورثة للأنبياء في الفهم والشرح والتفسير…!
هكذا فهمت الإسلام…!
فهمته دينا أنزله الله على عباده بفهم مرن. يحتوي القدرات المتفاوتة للبشر. ويؤجل حسابهم إلى يوم الآخرة. حيث قوانينها الخاص أيضا، والحكم فيها هو الله وحده.
أي أن كل ما يوجد في الإسلام كدين منذ العقيدة وحتى العبادات والمعاملات تخضع لهذا المعنى. وفي الدنيا المعيار هو العقل، وقوانين العقل باعتباره أداة فهم مشترك بين البشر جميعا، يتفقون على أحكامه بتوفر المستوى العلمي، الذي يجعل الفهم كافيا لأسسه، وضوابطه. وهي ما يحصل بالدراسة والتحصيل، وهي المساحة التي يتحرك فيها الإنسان.بوعي يخضع للمقاييس المنطقية المشتركة بين البشر جميعا. فكما يقول أحد الحكماء ربما كان المرحوم الدكتور أنطون مقدسي: على صعيد العقل يلتقي البشر.
ولا ينفي هذا دور القوى النفسية المؤازرة بهذا الشكل أو ذاك.ولكن العقل يبقى العنصر المحوري والحيوي في قضايا الفهم والاستيعاب وما يتعلق بها.
هكذا –على الأقل –أفهم إنا هذه القضية وليعذرني الله إن أخطأت (فالمجتهد مصيبا له أجران والمجتهد مخطئا له اجر واحد) معنى حديث للرسول صلى الله عليه وسلم.

هكذا فهمت الإسلام 2 /2
محمد قاسم
لم يدر بخلدي أنني سأكتب حلقة أخرى تحت هذا العنوان (هكذا فهمت الإسلام) على الرغم من أن المشروع في ذهني قديم وجديد وهو كتابة مجموعة أبحاث ومقالات ودراسات تحت هذا العنوان تصلح لتكون مادة لكتاب تحت العنوان نفسه يوما ما.
ولعل قراء موقع ثروة، أو بعضهم –على الأقل يعلمون أنني نشرت مقالا بهذا العنوان في موقع ثروة-سوريا إلى أين. وكان محور المقال هو أن لا احد يوجد وكيلا لله على الأرض، وإنما هم علماء ومرشدون وموجهون ..الخ- جزاهم الله خيرا عن العباد ما داموا ملتزمين بما انزله الله- وبالتالي فلا يحق لأحد أن ينصِّب نفسه –تحت أية ذريعة-حاكما من قبل الله، ينفذ أوامره كما يزعم البعض، مستثمرين قوله صلى الله عليه وسلم: ((العلماء ورثة الأنبياء)) ومن ثم أنتج هذا النمط من التفكير –أو الذريعة- سلوكا إرهابيا أقلق راحة الأبرياء..!!
ولعل قولا جميلا للعالم محمد سعيد النورسي-أعجوبة القرن العشرين-بحسب الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي-وهو كردي من كردستان تركيا، والملقب بين الكرد بـ ((ملايي مشور)). ويعني العالم المشهور. لعل قوله يفيد للتعبير عن هذا المعنى، إذ قال لتلاميذه:
((يجب أن تعلموا أنني مجرد دلال أنادي على بضاعة القرآن ومعجزاته الموجودة بين يدي الإنسان في كل عصر. إن من اكبر الخطأ اتخاذي مظهرا، أو قائدا لعمل هذه الرسالة، إن شخصي معرض دائما للتهم والنقد والهجوم والإيذاء، وفي ذلك ما يضعف من قيمة رسالة النور نفسها عندما تقرن بي على أنني الموجد لها، والمبدع لحقيقتها. لا تربطوا بين رسالة النور بشخصي الفاني لئلا تضروها بذلك، ولكن اربطوها بمنبعها الأصيل، فهو بعيد عن أي تناول)). [i]
لنقارن بين رؤية هذا العبقري شديد الإيمان وقوي العقيدة، يضحي بحياته وراحته وما يمكن أن يحصل عليه من ملذات الدنيا في أعظم صورها، ويحبذ السجون والمعاناة في سبيل دعوته. ويواجه طاغ عات ربما هو من أعتى الطغاة، وهو كمال أتاتورك الذي قوّض صرح الخلافة العثمانية الإسلامية لحساب نظام سماه علمانيا لا يزال استبداده فيه متمثلا في موقف الجيش التركي من كل تطور خلاف ما رسمه في دستوره الذي يسعى النظام الحاكم الآن-حزب العدالة والتنمية برئاسة طيب رجب أردوغان، رئيس الوزراء الحالي ورئيس حزب عبد الله غول –رئيس تركيا الجديد-أن يعدل فيه بما يتناسب مع تطور العصر وحرية المعتقد -انظر كتاب من الفكر والقلب-
وبين هؤلاء الذين نصّبوا من أنفسهم وكلاء للرب يحكمون البشر بفتاوى يستغلونها لاستقطاب المغررين بهم إلى ساحات لا تتوافق مع ما انزله الله في شيء سوى استغلال المعاني التي تنطوي عليها بعض الآيات التي تفسر وفق الهوى-معاذ الله-وهم يزجون الناس في النيران الملتهبة فيما هم يتنعمون بحياة رغيدة في بلاد المهاجر أو تلك التي تحكمها أنظمة ذات مصلحة في مثل هذا التفكير والعمل، فيلجؤون إليها لحماية أنفسهم من لظى النيران الذي يدفعون الناس إليها…! في حلف مكتوب أو غير مكتوب مع هذه الأنظمة يتبادلون المنافع على حساب دماء الأبرياء وحياتهم ومعيشتهم…الخ.
ونحن نعلم ان الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتقدم جيوشه عندما يقاتل، فيما هؤلاء يختبئون في الأقبية وفي المنافي ويدفعون الآخرين إلى الهلاك المحتوم تحت عناوين مختلفة يحسنون صياغتها وزرعها في نفوس وأذهان البسطاء من الناس-وقود الظالمين دوما في شرقنا المنكوب. !!.
ولقد وجدت-بعد عرض ما سبق-أن محورا آخر ينبغي أن يُبحث للإضاءة عليه، بسب الإشكالية التي يفرزها في ذهنية الكثيرين من الأبرياء أيضا، لأن غير الأبرياء –ولا نقول الخبثاء-يعرفون ما يفعلونه عامدين متعمدين، ولهم أهدافهم التي من اجلها يفعلونه.
هذا المحور هو: حصر الدين الكوني (العالمي) في بوتقة أو إطار قومي محدود. بحجج فيها فذلكة لا منطقية، وبدوافع مختلفة، ظاهرها: الحرص القومي، ومرماها المصلحة السياسية-الذاتية-وربما أشياء أخرى أيضا.
فمن المعلوم إن الدين الإسلامي سماوي-وفق عقيدة المؤمنين به – نزل من عند الله، وكان الواسطة، ملاك –جبريل- ينقل الوحي إلى كائن بشري، هو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم،والذي كانت أمه تأكل القديد -كما يقول عن نفسه- عندما هابه احد الأعراب فقال له: (هوّن عليك يا أخي،إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد(اللحم المجفف).
وقد وردت آيات كثيرة حول الخاصة البشرية للرسول ومنها قوله تعالى ((إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي)).
أما ما نريد قوله في هذا المقال فهو أن الدين السماوي الكوني أشمل من أن يكون خاصة لقوم معين، أو جماعة معينة-كما يحاول البعض من القوميين العروبيين، ومنهم، ميشيل عفلق ومدرسته، أن يصوروه على اعتبار التميز العربي كقبيلة -أو شعب-قد أهّلها لتحمل المسؤولية المميزة لهم عن غيرهم، فهم إذا، الأفضل بين الناس عبر ليّ عنق الآية الكريمة ((كنتم خير امة أخرجت للناس.)) وتجييرها كتفسير لاعتبار الأمة هنا هي الأمة العربية –وهذه لعبة خطرة وخبيثة أيضا – وقد أنتجت أيديولوجيا سادت بين الاتجاه العروبي المتشدد-أو المتطرف-ضمن سياق القومية العربية-بخصائصها الطبيعية كما هي عند كل قومية على وجه الأرض-وتكرست –للأسف-كثقافة مطواعة لهم في التلاعب بالحقائق وبالناس أيضا.
ويلاحظ أن أغلب حملة هذه النظريات إنما هم: إما من عرب غير مسلمين، ومنهم ميشيل عفلق هذا وصحبه، وإما من طوائف وأقليات دينية…تسلقت هذا الاتجاه لأغراض سياسية تحت ستار ديني -وهنا الخطر على تشويه الدين بخاصته النقية (كما انزله الله) والقومية بخاصتها النقية (كما خلقها الله) معا، أي أنهم يضربون عصفورين بحجر واحد –كما يقال عادة-…!
هؤلاء يمكن تسميتهم-او وصفهم بالساسة المعممين-
ولقد لحظت ما قد يؤدي إلى إشكالية مثلها عند السيد حسن نصر الله عندما خاطب قومه-الشيعة-((يا أكرم الناس، ويا أفضل الناس، يا أحسن الناس ..)) [ii]
إنها عبارات توحي بتعال لا ينسجم مع الروح الإسلامية التي يعبر عنها قول محمد صلى الله عليه وسلم ((الناس سواسية كأسنان المشط)).
لقد استغربت من هذا الوصف الذي قد يبرر في عالم السياسة-بغض النظر عن مصداقيته-لهدف سياسي، ولكن كيف يبرر في عالم الدين، ومن عالم دين-وإن كان سياسيا-…؟
فعلماء الدين الإسلامي جميعا يعرفون قبل غيرهم بان ((لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على اسود، إلا بالتقوى)). وليس التقوى فقط هو الدفاع عن النفس تجاه عدو غير مسلم، بل التقوى –كما افهمه-هو سلوك جامع في بني البشر –المسلمين-يبدأ بالإيمان الذي يبني مرتكزا نفسيا عميقا لإسلام يجمع بين الأرض والسماء في صلة وثيقة قوامها تعامل مع الناس على قاعدة: ((…إن لم يكن أخا لك في الدين فهو نظير لك في الخلق)) أو كما قال-حديث شريف
وعلماء الدين جميعا، يعلمون أنه: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) وهذا الحديث الشريف ذاته يريد أن يقول: لا يحق لأحد أن يحكم على الناس حكما قطعيا، لأنه ليس مطلعا على نواياهم ولا يمكنه ذلك. لذا فقد اعتمدت الشريعة، الظاهر فقط، في الحكم، فيما تكل الباطن إلى الله سبحانه وتعالى.
والسؤال: فكيف سمح السيد حسن نصر الله لنفسه بهذا التوصيف المتعالي باسم الدين–مع كل التقدير لخصائصه القيادية في بني قومه- ؟!
وبالعودة إلى القوميين (العروبيين) فقد فلسفوا-لتبرير مواقفهم-بعبارات إنشائية أدبية لا صلة لها بالمنطق والمعقولية كما ورد في: كتاب علم الاجتماع العربي(السياسة) ط1983/ 1984 دمشق/سوريا:
((أما القومية العربية فهي بريئة من كل شائبة عنصرية، إنها تقوم على أساس من التجانس الفكري لا التجانس العرقي أو الدموي.)).
لقد كان حريا بهم، القول: إن الأمة الإسلامية هي التي يجمع بين أفرادها عقيدة الإسلام وفكره، وينسحب ذلك على كل القوميات والأجناس والأعراق ((كلكم لآدم وآدم خلق من تراب)) …! ما أعظم هذا التعبير دلالة على سواسية الناس واقعا ودينيا. !! وإن كلمة التراب هنا، لعظيم الدلالة على هذا المعنى. !!
بالتأمل في مضمون ما ورد في كتاب علم الاجتماع السياسي هذا، يبدو بوضوح لا لبس فيه محاولته وسعيهم، أن يزاوجوا بين الخاصة الإسلامية والخاصة القومية؛ بأسلوب مغالط، لا يخلو من تلاعب منهجي بالحقائق، لخدمة أيديولوجية لا تثبت أمام الواقع، ولا تؤيدها الشواهد الإسلامية، بدءا من مضمون القرآن الكريم، ومرورا بشروح وتفاسير الرسول له،عبر السنة الشريفة، وانتهاء بفهم الصحابة المفسرين للدين الإسلامي…فها هو ذا عمر بن الخطاب يقول: ((نحن قوم أعزنا الله بالإسلام)) وليس العكس، مع مراعاة أن العرب –باعتبارهم أول حملة للدعوة الإسلامية كان لهم فضل السبق في بداية نشره، ولكن السبق لا يعطي حقا أبديا ما لم يكن مقترنا بحمل الأمانة باستمرار أبدي مواز، ووفق المعايير التي نزل بها الإسلام، وطلب العمل بموجبها في التعامل والتفاعل-وهذا ما لم يحدث منذ سُيّس الإسلام لمصالح الزعماء –وهم هنا العرب ماضيا-العرب والموالي…- وحاضرا-اضطهاد غير العروبيين ..-.
وها هو الرسول نفسه يقول لصحابي-عيّر صحابيا آخر بسواده-ربما كان بلالا -:( (إنك امرؤ فيك جاهلية)). فلا يقر قرار لهذا الصحابي حتى يستعفي الصحابي المعيّر من موقفه هذا واضعا خده على الأرض، طالبا منه بان يطأه تكفيرا له عن تطاوله أو تعاليه.
ويقول عمر بن الخطاب-الخليفة الثاني لرسول الله-قولته المشهورة والمعبرة، والتي أصبحت البند الأول في ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وهي: ((متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا. ؟!)).
هذا الاتجاه-أو التيار العروبي-كأنما يملك قرار تشكيل المعاني كما يشاء. وبالتالي فما يقوله فهو صحيح! في الحقيقة هذا منطق فيه غرابة …!
يعرف السيد سيد قطب معنى الأمة-في كتابه هذا الدين-بالقول:
((والأمة هي المجموعة من الناس تربط بينها آصرة العقيدة وهي جنسيتها …والآصرة فكرة تعمر القلب والعقل، وتصور يفسر الوجود والحياة، ويرتبط بالله.
وقال الله للمؤمنين في كل أرض وفي كل جيل، من كل جنس ولون، ومن كل فريق وقبيل، على مدار القرون، من لدن نوح عليه السلام، إلى محمد عليه الصلاة والسلام. وإلى آخر الزمان:
((إن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاعبدون)) -الأنبياء 92-
وإنما أوردت هذا الموقف، لأنه صادر عن موقف إسلامي –بغض النظر عن واقعه السياسي-
كما أن سياق الآية (وأنا ربكم) يشير إلى خطل تفسير الأمة بأنها الأمة العربية في هذا الخطاب. فهل الله فقط رب العرب؟ ((إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)).
وهل العرب-أو العروبيون-وحدهم، المكلفون بالعبادة؟!.
وهل هؤلاء العروبيون بالذات، فعلا يلتزمون بعبادة الله بمقتضى هذه الآية؟
ألم يتبنوا عقيدة ماركس في الفكر والسياسة-تحت تسميات مختلفة منها الاشتراكية. – وحظروا الكتب الدينية الإسلامية من –حتى مكتبات المدارس-في حين كانت كتب الماركسية تملأ المكتبات والمنازل قبل أن ترمى أغلبها بعد حركة البيريسترويكا التي قام بها الزعيم السوفييتي غورباتشيوف؟! [iii]
ونحن لا نعني -بهذه المحاولة-التقليل من شأن العرب. فهم قومية –امة-كغيرهم من البشر لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، في سياق الصيرورة الحياتية على مستوى الكون منذ بدء الخليقة وحتى نهايتها، ولهم مساهمتهم في تطور الحياة وخاصة في سياق كونهم من حملة الرسالة الإسلامية الأولى، وقادوا سياسيا الدولة الإسلامية قرونا عبر الخلافة الأموية والعباسية.
ولكننا نحاول تصحيح مغالطات نسجتها أدمغة أرادت مصادرة كل المفاهيم؛ لتسخيرها لمصالح سياسية، وإن اضطرها ذلك إلى التضحية بقيم أصيلة، وتعاليم نبيلة ومستديمة. !!
فمثل هذا النمط من الناس رهنوا أنفسهم-أو ارتهنوا-لفلسفة الملذات الجسدية على حساب متعة الروح النقية والراقية والبانية أيضا. وألبسوا ارتهانهم هذا ثوبا فكريا براقا يستهوي أفئدة المبتدئين والقاصرين-علما ووعيا وإرادة… وشعورا بالمسؤولية تجاه عمارة الكون، والتي هي مسؤولية بشرية عامة ودائمة كما تقول الآية الكريمة ((إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا)).
أو كما يقول الرسول: ((كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته…)). [iv]
ليس الإنسان –كائنا من كان-معفى من مسؤوليته تجاه الحياة –منطقا ودينا-
لا يحق لإنسان –كائنا من كان-أن يشرع مبادئ استنادا إلى مشاعره الخاصة –الذاتية-أو مصالحه الخاصة الذاتية-مهما كانت-فتميز بين هذا الفرد او ذاك، بين هذه القومية أو تلك. ما لم تكن هناك معايير متفق عليها منسجمة مع طبيعة التكوين البشري الأساسي والطبيعي.
لذا فإن الإضاءة على المفاهيم والقواعد والسلوكيات كانت مهمة في عاتق الإنسان بما ملك من وعي حمّله الأمانة-المسؤولية-
والفارق الوحيد –كما هو معلوم للجميع-بين الحيوان والإنسان. أن الأخير مسؤول بحكم كونه عاقلا، يفهم، يتدبر، يحلل، يقرر، ويستطيع التنفيذ، واعيا لما ينفذ.وأساس التفاضل بين إنسان وآخر أو بين قوم وآخر-على الأقل في منظور الإسلام-هو ما استطاعه هذا الإنسان-أو القوم-أن يتقن فيه التزاما وهدفا. -وهو المقصودة بالتقوى في إيجاز-طبعا عندما يكون ممتلكا لحرية قراره –أي مريدا-وهذه الخاصة هي التي تميز الفعل البشري عن الفعل الحيواني-الحرية -!
تلك الخاصة-الحرية-التي يجهد البشر -منذ فجر التاريخ-لكي يحوزوها في أحسن صورها .. ولكن هؤلاء القوم الذين حرموا –بشكل أو بآخر –الحرية في كينونتهم-كما يبدو-يريدون أن يحرموا الآخرين منها ليتساووا معا تحت تأثير رغبة نفسية-نتيجة شعور بمستوىً هم فيه-هي الشعور بالتكافؤ او التساوي مع الآخرين –على ما يبدو.
…………………
هوامش
[i] -د.محمد سعيد رمضان البوطي-من الفكر والقلب (فصول من النقد في العلوم والاجتماع والآداب) -طبعة خاصة –مكتبة الفارابي-دمشق-ص 265
[ii] -في إحدى خطاباته إلى جمهوره –ربما في ذكرى الشهيد موسى الصدر في البقاع
[iii] م. س. غورباتشيوف –بحسب كتابة اسمه على غلاف كتابه –هو الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي، ورئيس الاتحاد السوفييتي قبيل انهياره، ومتهم بمساهمته في هذا الانهيار من قبل بعض الأحزاب الشيوعية. فعندما تبنى مفهوم البيريسترويكا، واصدر كتابا بهذا الاسم عام 1988 وأعيد طبعه عدة مرات، عرض فيه رؤيته للبيريسترويكا، والتي تعني ((بيريسترويكا هي الكلمة الروسية التي تطوف اليوم العالم اجمع، حتى دخلت قواميس اللغات.وهذه اللفظة تعني حرفيا إعادة البناء.غير أن هذا المعنى ليس كاملا، إذ أن البيريسترويكا….لا تعني فقط إعادة بناء،بل عملية تجديد أيضا متعددة الجوانب والأهداف…..المترجم)).من هامش ص 6 من الكتاب.
[iv] -لم نوثق الأحاديث والآيات لشهرتها
……………………………………………………………………………………………….

المزيد من المقالات