سيطرة الثقافة السياسية ومؤداها

سيطرة الثقافة السياسية ومؤداها
التاريخ: الخميس 22 نيسان 2010

محمد قاسم

تبدو سيطرة النهج السياسي في إدارة الثقافة –أو في سْير الثقافة عموما- مشكلة كأنها مستعصية على الحل ..خاصة في المجتمعات المتخلفة.
صحيح إن المشكلة مزمنة وقديمة،ولكنها تلمس طريقها إلى الحل باستمرار –على المستوى الحياتي العام واليومي- كلما تقدم النظام السياسي في المجتمع، وانعكس نظاما اجتماعيا في مستوى أفقي وعمودي..وفي تفاعل عملي ومنتج.أو استحال الأداء في النظام السياسي إلى ممارسة لثقافة تتمدد باستمرار في الحياة الاجتماعية وتتعمق.
و يبدو أن الوسيلة الوحيدة لذلك هو، الدور المتنامي للثقافة بإرادة حيوية من المجتمع؛ وبشقيه- الحاكم والمحكومون-.
في النهاية كلاهما-الحاكم والمحكومون- أبناء وطن واحد،ويفترض أن مشاعر وطنية تسكن روح كلا الطرفين،كما أن ورثة الحاكم والمحكومين ينبغي أن يتعايشوا مستقبلا –وقد لا يكون الحاكم حينها حاكما..وربما أصبح المحكوم –حينها- حاكما..(أجارهم الله من روح الثأر .!).
فلا بد-إذا- من تنمية سيكولوجية شعبية؛ توفر حشدا شعبيا يسند هذا الاتجاه؛ وهي: سيكولوجية العمل من اجل التطور- مع الاستعداد للتضحية أيضا- كثقافة تترسخ دوما في المجتمع-.
وهنا لعله من المهم، التفريق بين أمرين ؛لفهم أعمق وأشمل.
فالمعلوم أن البشر كلهم ذووا قوة باطنية(معنوية) –بغض النظر عن كيفية تشكيلها، وهل هي فطرية أم اجتماعية.
المهم أنها قوة متوجهة نحو فعل الخير في العموم [i]-وتتضمن شعورا بالذنب في حال المخالفة – مرة أخرى بغض النظر عن وتيرة قوتها الايجابية قوة أو ضعفا-إلا أنها تبقى قوة مشتركة بين البشر-وفق هذا الاتجاه في الفهم، ويمكن اعتبارها من المشتركات بينهم..
هذه القوة هي: ما يسمى بالضمير في الثقافة الشعبية والعلمية أيضا.[ii]
هذه القوة- قوة الضمير- وهي الحاكمة على الفعل، والشاهدة لتنفيذه..!
وتأتي الصعوبة في البحث في الإنسان من هذه النقطة بالذات؛وهي أن الإنسان هو نفسه الباحث وهو نفسه موضوع البحث..فهذا الازدواج المتداخل يجعل من البحث مهمة حساسة جدا.
من ناحية أخرى،إن هذه القوة-قوة الضمير- تقوى وتضعف بفعل مؤثرات تربوية واجتماعية عموما..
فقد يكون في مرحلة ما؛ شديد الحساسية، تظل تقرع بالشعور بالذنب كلما أذنبنا- ذنبا صغيرا أم كبيرا..فلا تدعنا نرتاح حتى نصحح مسارنا الخاطئ،أو نتجاهلها فنتجه نحو صراع داخلي قد يؤثر سلبا على شخصيتنا من الناحية النفسية-أو لنقل الصحة النفسية..
وقد تكون هذه القوة –قوة الضمير – في مستوى، يسمى “انعدام الضمير” أو درجات تقترب من ذلك. ويمثل علماء النفس والفلاسفة لذلك، بتأسف قاطع طريق على إفلات ضحيته..!
فالشعور هنا سلبي، لأنه شعور الآسف على عدم تحقيق الجريمة،لا شعورا بالأسف لأنه أجرم.
لذا فالأفضل أن نؤمن بان هناك قوة خيّرة تسكن كل شخص في العموم-حتى وإن كانت جزئية-..وما علينا سوى البحث عن مكمنها فيه، لإثارة الروح فيها،وتنشيط الحيوية فيها،قبل أن نتعامل مع أي ظاهرة بشرية. ومنها السياسة..
ولا بد من التنويه-بالمناسبة- إلى أن هناك سيكولوجية شرقية تعشش فيها العنف بعمق تاريخي .. وتعزز هذا العنف السيكولوجي، في مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار الغربي، عبر سلوك انقلابي أصبح ثقافة مؤد لجة على يد “الثورويين” القوميين، والذين استقوا من بعض أفكار الفلسفة الماركسية عناصر تخدم اتجاههم هذا..
فمثلا لا يزال تعريف حزب البعث بأنها:حركة انقلابية ثورية..الخ. فهنا أصبح السلوك الانقلابي الميداني ممنهجا –أيديولوجيا- كثقافة تراكمية؛ تضاف إلى الأصل العنفي –ألغزوي-إذا جاز التعبير- لدى العرب منذ القبلية البدائية ” مسابقة داحس والغبراء” وآثارها” و ” الناقة في حكاية الزير سالم” ..
والأمر نفسه في ثقافات المجتمعات المتكونة على أسس عشائرية وقبلية ..ونسبة الأمية فيها تفوق الـ 50% في كل الحالات-كما كانت سائدة بشكل مطلق تقريبا في تلك العهود..
وعلى الرغم من تنامي التعليم وئيدا في هذه المجتمعات..إلا انه تعليم سطحي أفقيا في المجتمع ..و لا يرقى ليكون التعليم المتعمق الذي يؤثر في تكوين ثقافي يدخل في نسيج بنية النفس لدى المتعلم،وينعكس سلوكا حضاريا في السياق الاجتماعي بمراتبه المختلفة.
ينتج عن الحالة تعلم، أو ما يمكن تسميته –تجاوزا- ثقافة- تغيّب التفكير التأملي، لحساب التفكير السطحي- وربما الغوغائي- بربطها بأيديولوجيات سياسية مشبعة بالمشاعر، واللعب بالعواطف؛عبر مفاهيم تدغدغ، كالقومية، والوطنية، والديانة بفهم خاص. وتضاف الى ذلك حقنات من الخوف الذي يحيط بحياتهم، عبر أساليب مختلفة تتولاها أجهزة مدعومة بالمال والصلاحيات؛ أقلها عدم مسؤوليتهم القانونية عما يمارسون من وسائل القمع والتنكيل والتعذيب..حتى نمت ثقافة عنفيه في سلوكياتهم، وتبلورت الى ما يشبه حالة تلذذ بالتعذيب.!
لا تنحصر فقط في جهاز محدد،بل تمتد الى مشاعر الحكام.. عندما يخيّل لهم أن المعذّبين من الطامعين بالحكم، واحتمال تأثيرهم على زعزعة أركان السلطة لديهم-وهو ما لا يمكن تقبله منهم أبدا…[iii]
ومع أن الكثير من المعارضات تطالب بالتغيير سلما، وبوسائل سياسية سلمية.لكن الأنظمة التي جاءت عبر الانقلابات تتوجس خيفة من أي تنامٍ لأي حركة تدعو الى التغيير،لاسيما وقد استمرأت الحكم..!
و من المؤسف أن هذه المعارضات أصبحت تقلدها في ذلك-خاصة ،الشخصيات الإدارية في هذه الأحزاب المعارضة ..لذا فالمحظور موجود بالنسبة لها أيضا بأن تتحول هي أيضا الى حكومات مستبدة إذا تولت الحكم –تحليل سيكولوجي لواقعها-
لذا فالتوجه الى تكوين ثقافة سلمية، والتقليل من الممارسات العنفية من الشعوب أيضا شيء مطلوب..وهذا يذكرنا بمبدأ اللاعنف لدى غاندي والذي واجه به المستعمر الأقوى في حينه-بريطانيا..بل إننا لا نرى في منهج الإسلام المحمدي عنفا إلا في حالات الدفاع عن النفس كما يؤكد الباحثون والمؤرخون المنصفون[iv].
المشكلة الأهم، والمثمرة سلبا في مجرى السياسة،هي أن السياسة مؤسسة على حالة نفسية من تراكمات تربوية اجتماعية متخلفة؛ “مبناها” روح التزعم بأي طريقة كانت..
وبالتالي غلبة رد الفعل في التفكير واختيار القرار ..الخ، وحواشيه؛مما يجعل النشاط يدور حول محور واحد؛ بنيته الأساسية نفسية،وحواشيه حب الظهور ،والشهرة، والتسلط عبر مفهوم الزعامة؛ بأفق قبلي بدائي، وثوب عصري شكلاني..تقليدا للأمم الأكثر تقدما في المظهر،بل وتفوّق عليها في ذلك..[v]
يبدو جليا من نمط الزي،فخامة المسكن ، البذخ في المناسبات المختلفة، وتسمية البعزقة كرما إرضاء لذات تسعى للتفوّق، وتطويع الناس نفسيا عبر أية ظاهرة يمكن إتباعها..[vi]
وكمثل متواضع على ذلك..في بعض القبائل-أو العشائر- لا يقبل زعماؤها الطعام ما لم يكن فوق السفرة رأس الذبيحة-الغنم- وقد اضطر بعضهم لإرضاء أربعين منهم حضروا مناسبة عنده..أن يشتري من السوق عددا من الرؤوس ليضعها على سفرة كل زعيم قبلي.. تجنبا لخسارة كبيرة بذبح أربعين ذبيحة ..”فتأمل يا رعاك الله” [vii]
إن الخلفية النفسية لهذا السلوك يدل على المدى الذي ينزلق إليه الفكر من السطحية، والسلوك من التفاهة.
وقد يحصل شيء من هذا –في شكل آخر-لدى سياسيي المجتمعات المتخلفة،والذين يتخذون شكلا عصريا –في المظهر- ولكنه يبقى ذات السلوك النفسي القبلي..سلوك كل رأس ذبيحة على سفرة الزعيم ..فلا نستغرب مثلا من سياسيين مختلفين حول الزعامة يحاولون أن يضفوا مفاهيم مزيفة وكاذبة يكرسونها –على قضايا وطنية وشعبية لا صلة لها بها؛ ليستدرجوا الناس الى فخاخهم الهشة والتي تبدد–في النهاية- مصلحة الوطن والشعب معا..وعلى المدى البعيد مصلحته أيضا،لأنه يصبح رهينة لثقافة معينة يؤسر من خلالها من النظم القوية التي تسخّر ذلك، من اجل مصلحتها.لا يمنعها أي شيء كما حصل لـ”صدام” مثلا..وكما يحصل في كل بلدان العالم الثالث، حيث يصبح الزعيم مستجديا لدول تظل تسايرها مادامت مصالحها تتطلب ذلك، ولكنها بسهولة تتنصل منه عندما تنتهي مصالحها معه، كما حصل لشاه إيران-شرطي الخليج-كما كان يسمى حينئذ..وصاحب أقوى جيش في المنطقة..فقد مات بعد تنقل بين عدد من البلدان تستضيفه فترة محدودة ثم تطلب منه الرحيل حتى استقر في ضيافة رئيس مصر السابق “أنور السادات” والذي برر ضيافته برد جميل للشاه على بلده.
والأمر ذاته يحصل في كل البلدان المتخلفة والتي لا تستطيع الوقوف في وجه الأقوياء، لاسيما تلك التي غير متصالحة مع شعوبها، ومرة أخرى كما حصل في العراق. إذ سقطت بغداد خلال أقل من أسبوع، بعد أن أنهك النظام في خيمة صفوان، وفرض عليه مناطق تحظر الطيران الحربي فوقها داخل العراق نفسه-دون الدخول في سجالات لا تغني.. فالواقع هو سيد الموقف لا البكاء على الأطلال كما اعتاد الكثيرون في ثقافة مهزومة..!.
———-

[i] -يقول جان جاك روسو وكل الذين يقولون بعصمة الضمير : “الضمير صوت سماوي خالد”
[ii] – من الناحية الفلسفية هناك اختلاف حول ما إذا كان الإنسان خيّر فطرة أم فيه شر…ولكن ما يستقر في النفوس في الاتجاه العام هو على الأقل القابلية لتبني الخير كنتيجة تربية دينية وأخلاقية…وهو تفسير يحتاج بحثا –على كل حال.
[iii] – هذا اليوم كان الرئيس المخلوع في قرغيستان-وهو نموذج جيد لهؤلاء الحكام- يصرح عن استعداده لدفع البلاد الى حمام دم إذا تطلب الأمر ولا يتخلى عن منصبه.
[iv] – في معركة بدر كان الاتجاه نحو استرداد أموال المسلمين التي تركوها في مكة عند هجرتهم،ولم يكونوا متجهين نحو القتال والعنف، لكن قريش هالها أن يتطلع المسلمون الى خطوة مثل ذلك فأرادوا كسر شوكتهم وكانت معركة بدر الكبرى.
[v] – من المعروف تاريخيا أن احد ملوك انكلنرة –ربما جورج الخامس- تخلى عن الملك من اجل امرأة أحبها ..إنه خيار فردي يحترم الذات،وقد فعلت سيسيليا زوج الرئيس الفرنسي ساركوزي ذلك إذ تركته بعد أن نجح في الانتخابات وأصبح رئيسا وهي السيدة الأولى،وكانت قد أعانته في مختلف مراحل الانتخابات التي نجح فيها.
[vi] – والمحنة هي في أن هؤلاء الذين يستهينون بشعوبهم ومواطنيهم تحت تأثير العنجهية هذه هم الذين يركعون في خنوع-غالبا –للغرباء الذين تمثلهم القوى المتنفذة في المستوى العالمي..فيضطرون الى المداهنة والزيف في الشعارات ودعم ثقافة مختلفة عن مصلحة الشعوب والأوطان معا.
[vii] – عبارة كان يكررها مقدم برامج في التلفزيون السوري قبل الفضائيات اسمه الدكتور توفيق البجيرمي. ربما البرنامج كان باسم”عجائب وغرائب”
……………………………………………………………………………………………………………………………………………..
منشور في موقع ولاتي مه
http://www.welateme.net/erebi/modules.php?name=News&file=print&sid=6984

المزيد من المقالات