القتل الحاقد

القتل الحاقد
ابن الجزيرة
Saturday 14-10 -2006
هكذا يمكن وصف كل حالات القتل التي لا تراعى فيه الأسس الأخلاقية، والتي تعتبر الإنسان مكرما لا يجوز في حقه ما يحط من هذه الكرامة.. ولعل هذا هو السبب في إيجاد المحاكم والقوانين واتمرار بذل الجهود لتحسينها بما يوافق على خدمة الكرامة الإنسانية..
وبالعودة إلى الكتب الدينية جميعا -وبلا استثناء- فإننا لا نرى سوى تعابير الرحمة، واحترام الأموات.. وكل ما يخالف ذلك فهو مما تفرزه مكنونات النفس.. والتي فقدت خصائص الإنسانية الأصيلة في ذاتها.. وحتى القتل الذي يحصل في ميادين المعارك.. فإنها تكون وفق ضرورات الحرب عند النبلاء، ولكنها تصبح حالة تشف عند الذين يحملون في نفوسهم حقدا ..!

أما الذين يحملون في نفوسهم همة الرجال.. فلا يتجاوزون في أي فعل، ما يحتاجه الأمر.وفي أي موقع. من هنا قيل عن البعض من هؤلاء “نبلاء” وعن بعض هؤلاء “جهلاء” أو “شاذون” أو “منحرفون”..الخ.
في شرع الإسلام مثلا.. يُسمح بذبح الحيوان لأكل لحمه، ولكن من شروط الذبح أن تُراعى فيه الرحمة، كأن يُحد الموس، وأن لا يَرى الحيوان الموس قبل المباشرة بالذبح، وأن يكون الذابح ماهرا، و..الخ
ومن جهة أخرى فإن قتل الإنسان غير مسموح إلا في حالات خاصة.. تندرج جميعا تحت عنوان الدفاع عن النفس.. كفرد، أو جماعة، أو وطن، أو عِرض، أو مال… إلخ
من قتل نفسا واحدة بدون حق فكأنما قتل الناس جميعا، وإن دمار الكعبة- أقدس مكان على الأرض عند المسلمين- سبعين مرة أهون من أن تراق دم بغير حق. هذه هي أدبيات المسلمين(أو الإسلام بصورة ادق).
ويأتي الفيلسوف “كانت” ليقول : لو أن سعادة البشرية مرهونة بقتل طفل بريء لما جاز قتله.
وفي الإنجيل من ضربك على خدك الأيمن،فأدر له الأيسر(ويفتخر المسيحيون في احوال عديدة بأنهم دين سماحة)..
فما هو السر – إذا- في هذا القتل الحاقد لدى البعض؟
لنأخذ أمثلة مما يجري في العراق مثلا:
“وجدت جثث مقطوعة الرأس، وعليها آثار التعذيب” فجر انتحاري(( أو فدائي، أو غير ذلك من أوصاف)) نفسه في شارع مكتظ بالعمال، بالمتسوقين-وهم من فئات مختلفة- فأدى إلى مقتل 20 شخصا وجرح العشرات…الخ. ” انفجرت عبوة ناسفة بسيارة راح ضحيتها جميع من كان فيها..” انفجرت سيارة أو عدد من السيارات في لحظة ذروة ذهاب الأطفال إلى المدرسة.. فقتل منهم العشرات، وجرح المئات…الخ”
هذه أمثلة قليلة من أمثلة كثيرة تتحدث عنها وسائل الإعلام المختلفة، ويتناول البعض هذه الأنباء وكأنها نوع من البطولة الخارقة.. سواء ورد ذلك على لسان بعض المذيعين، أو على لسان بعض المفكرين أوالمحللين “الاستراتيجيين”…الخ.
ترى لما هذا التعطش إلى رؤية الدماء النازفة، والجثث والأشلاء..؟! هل هو حقا شعور بأن أصحابها على حق؟ لماذا هذه الظاهرة تنتشر أكثر بين العروبيين من غيرهم ممن لهم المطالب ذاتها ؟! هل فعلا يبيح الإسلام مثل هذه السلوكيات الشاذة؟ نحن لم نقرأ عن زمن رسول الله شيئا من هذا..
لنقرأ وصية أبي بكر الصديق لأسامة بن زيد رضي الله عنهما (( لا تخونوا.. ولا تغدروا.. ولا تمثلوا.. ولا تقتلوا طفلا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة. ولا تذبحوا شاة، ولا بقرة، ولا بعيرا إلا لمأكله)).
ولنحلل هذه الوصية باختصار:
– لا تخونوا( بعد وعد أو عهد)
– ولا تغدروا بعد اتفاق
– ولا تمثلوا(بعد مقتل)
– ولا تقتلوا طفلا( لا يقاتل، أو قد يقاتل كرها عنه)
– ولا شيخا كبيرا(لا يستطيع مقاتلة، ولا يقاتل فعلا)
– ولا امرأة(فالمرأة قاصر عن القتال، لظروف مختلفة منها: الحمل، والولادة، والالتزام بالبيت ..الخ)
– ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه(فالخضرة إحياء للحياة.. وزاد للمسافرين في أيام السلم والحرب وفيء..)
– ولا تقطعوا شجرة مثمرة(فالثمرة زاد للرائح والغادي،مصدر حياة للناس)
– ولا تذبحوا شاة أو بقرة أو بعيرا إلا لمأكلة(ضمن الضرورة).
فأين من الإسلام أصحاب القتل الحاقد ..؟!
وما الذي يبرر لهؤلاء ما يفعلون إذا ربطنا الأمر بالإسلام ..؟!
بتقديري، فإن هؤلاء الذين يفعلون ما يفعلون هم أصحاب سيكولوجية تسخر بعض مفاهيم الإسلام لأيديولوجيتهم(التكفيريون، الصداميون المؤدلجون؛ الحاقدون باسم الإسلام والإسلام لا يتقبل حقدا ، دليلنا في ذلك :
– سلوك الرسول مع الناس وهو معروف لكل مطلع ومن أمثلته:
فتح مكة وقوله لقريش: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم
قال: اذهبوا فانتم الطلقاء.
وقول أبي أبكر السالف، يمثل أخلاق الإسلام..حربا..فكيف به سلما..!
إذا إنها سيكولوجية قبلية.. توفر مصدراً لهذه الحالات.. ولكن تحت اسم الإسلام…
استقطابا لمشاعر العامة وما أكثرهم مع النسبة العالية من الأمية..!
تمويها لسلوك الجريمة لديهم.. بربطها بدين يتأثر الملايين به..وقد لا يحسنون التفريق بين الصدق والكذب في حالة تتيح الخلط بين المفاهيم..!
ibneljezire@maktoob.com
…………………………………………………………………………
منقول عن موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=3489

المزيد من المقالات