مظاهر غائبة لم تكن سوى إرادة تغييب فحسب

مظاهر غائبة لم تكن سوى إرادة تغييب فحسب
الخميس 05 نيسان 2012
محمد قاسم ” ابن الجزيرة ”
خلال الثورة السورية مرت سوريا بمخاض أنتج مظاهر كانت غائبة لا مبرر لغيابها سوى إرادة تغييب فحسب؛ من نظام أراد أن يكون المقرر عن الشعب كل شيء تحت تأثير أيديولوجيته الخاصة، وهم البقاء في الحكم على حساب كل الاعتبارات، فكانت النتيجة ما نشهده اليوم من قتل وتمزق النسيج الوطني ودمار المنازل والاقتصاد والقيم… إلى مدى بعيد.

من أبسط البديهيات أن كل إنسان في هذي الحياة له حق التعبير عن ذاته بالخصائص التي وجد عليها مذ خلق –كفرد وكجماعة –أيا كانت-
هذا هو منطق الحياة…
لكن منطق النظم المستبدة أن يكونوا في مواقع تتشبه فيها بالآلهة. وترى في الآخرين عبيدا يركعون ويسجدون ويسبحون بحمدها، وينفذون لهم إرادات كثيرا ما تكون مجرد رغبات لا معنى لها في سياق التراكم البنائي للحياة والكون عموما.
بغض النظر عن النتائج التي أفرزتها الدراسات والأبحاث والتجارب والمبادئ العامة في الشرائع والاتفاقات البشرية وغيرها…حول حقيقة أن البشر سواء، ويلخص المعنى قول الرسول محمد (ص) :
“كلكم لآدم وآدم خلق من تراب”.
لأن التساوي والتكافؤ هنا، عنوان ولادة الأبناء من أب واحد، وهذا الأب ذاته ليس سوى مكوّن ترابي لا قيمة سامية فيه إلا بالأفعال الحميدة، والتي توصف ب”التقوى” في أدبيات الإسلام.
ما سوى ذلك هو انتماءات عرقية –لا يد للمرء فيها-،
وانتماءات دينية- بتفرعاته المختلفة- يعتبر المرء مسؤولا عنها نظريا، ولكنها تكتسب طبيعة اجتماعية تكاد توازي العرقية…خاصة في المجتمعات التي تنعدم الحرية فيها.
وانتماءات يفترض أنها طوعية كالأحزاب والجمعيات ومختلف الأنشطة الجماعية لغايات مختلفة…ومن المؤسف أنها تتحول في المجتمعات المتخلفة إلى انتماءات تكون أكثر تطرفا وتشددا من الانتماءات الطبيعية -والمتخلفة في الغالب في ظروف تطور اجتماعي كبير.-كالعرقية مثلا-.
لم ذلك؟
ببساطة التركيبة الثنائية بين الجسم-المادي- والروح أو النفس –المعنوي- تفترض نشاطا يفجر الطاقات الكامنة من جهة، ويوازن بينها من جهة أخرى؛ أخذا في الاعتبار أن يسود الجانب المعنوي في التركيبة البشرية والجزء الفاعل فيه تمييزا ووعيا وهو العقل.ودون إلغاء القوى التلقائية والمعينة–كما تفعل بعض النظريات ذات الطبيعة الروحية المبالغة-.
تتفتح الحياة في مختلف نواحيها لصالح البشرية بقدر ما يستطيع البشر كشف وفهم أسرارها، واستثمار نتائج الكشف هذا ايجابيا.
ماذا يحصل؟
في الحالات الأغلب تتغلب القوى العمياء؛ الأقرب إلى ما فيها من شهوات ومتع مادية خاصة..وهذا يضعف –إن لم يعطل- القوى المميزة في الإنسان، بل ويجعلها خادمة مبدعة في ميدان الشهوات والمتع واللذائذ…
إنها مشروعة في سياقها الطبيعي..لكنها تصبح شاذة ومؤذية عندما تصبح خارج سياقها الطبيعي…وربما تمادى في الأذى إلى مدى لا يمكن تقبلها من الوعي المقرون بالأخلاق.
ولعل أسوأ الشهوات وأكثرها إيذاء للبشرية؛ شهوة الحكم…فهي ليست شهوة فردية تنتهي عند ممارسة ما؛ لتحقيق بعض المتعة ، كالعلاقات الخارجة عن الشرعية بين الذكر والأنثى مثلا.. أو تجاوز بعضهم في سرقة مال أو أشياء من هذا القبيل…
شهوة الحكم تصل إلى حد التعامل مع القتل والسرقة والظلم وكل الموبقات …في أشكال متزايدة كلما تطلبت حاجة البقاء ذلك. ومن ذلك ما نراه من تشبث الحكام بالسلطات على جماجم أبناء جلدتها، وربما اقرب الناس إليها فيما ينتج عن ما يسمى في علم النفس “متلازمة الغرور” والتي تتماهى النفس فيها مع الكرسي، وتتعالى على الشعوب من ناحية أخرى.
هذه المقدمة تداعت في خاطري وأنا أحاول الكتابة عن مظاهر كانت غائبة في الحياة السورية الشعبية طوال عقود بسبب القمع والاستبداد،ولكنها تمارس ذاتها منذ اندلاع الثورة السورية…وتجري في الواقع الاجتماعي بشهية بالغة لم تؤذ –حتى الآن- أحدا ..
احتفالات قومية كوردية في نوروز وفي مختلف المناسبات الأخرى تحت رفيف علم كان حلما أن يروه مرسوما على دفاترهم أو معلقا في بيوتهم…
احتفال الآشوريين بعيدهم مع إعلان رموزهم..ومشاركة مختلف التكوينات الكوردية والعربية -إسلامية غير إسلامية-…تجمعات سياسية وقوى شبابية..الخ..
الجميع يلقون الكلمات، ويصفقون لبعضهم بعضا؛ شعورا منهم بحق الجميع أن يعيش خصائصه وخصوصيته كشعب…!
فقط لأن التجربة جديدة يفترض أن يسارع المعنيون إلى تنظيم علاقات بعضهم بالبعض سياسيا؛ بطريقة حوارية ديمقراطية، تنبئ عن وعي راق، وشعور بحق التشارك وفقا لقواعد كثيرة منها:
– الاعتبار للقيم الاجتماعية التاريخية..
– وعي نتائج سعي البشر إلى تحديدات لمفاهيم تصلح أساسا للبناء عليها..
– ما يمكن إبداعه بحسب ظروف كل منطقة ومرحلة …وكل ما يخص التاريخ يبقى مادة للبحث من المختصين بروح باحثة، لا سياسية متشنجة وطامعة.
أهنئ الشعب السوري على ولادة أفكار جديدة لعلها ستكون أساس عهد جديد تتعايش فيه القوميات والطوائف والأديان ومختلف التنوعات والتكوينات تحت أي مسمى كان.
كما أنبه إلى أن الطمع والمكبوتات النفسية أو التصورات التي ربينا عليها في قراءة التاريخ لا ينبغي أن يكون سببا لانتكاسة تصبح مادة ينتفع منها عادة، بعض السياسيين وغير السياسيين –كبعض المنتفعين من مواقع ومنافع دينية- ويستثمرون معطياتها، ويمددون أزماتها لتلائم ما يشتهون.. وهم في ذلك خبراء وضليعون.!
الخصوصية الفردية في سياق مختلف الأنشطة الجماعية والاجتماعية…وممارسة الحرية الفردية بوعي مسؤول من عناصر مهمة لتلافي الاحتمالات السيئة.
…………………………………………………………………………………………………………………………………
منقول عن موقع ولاتي مه
http://www.welateme.net/erebi/modules.php?name=News&file=article&sid=12332#.XkWlNjLXLIU

المزيد من المقالات