تسييسُ الثقافة، ومخاطرها..!!

تسييسُ الثقافة، ومخاطرها..!!
السبت 26 شباط 2011
محمد قاسم ” ابن الجزيرة ”

معظم الذين يبحثون في العلاقة بين السياسة والثقافة، يدركون أن الثقافة حالة عامة، والسياسة حالة خاصة..!
فالثقافة -كتعريف عام- هي: كل متكامل، يشمل حياة المجتمع، وحركته، وأنشطته، وتجليات ذلك في تعبيرات مختلفة، كالمستوى العلمي، والفني، والديني، والصناعي، والعادات، والتقاليد.. والفولكلور والمعتقدات … الخ. وتداعيات ونتائج ذلك كله في حياة المجتمع .. كالبناء، والإنشاءات ، وطبيعة العلاقات، والأزياء… وغير ذلك. وهو ما يعرف بـمفهوم : ثقافة؛ بتغليب البعد النظري، ومفهوم حضارة؛ بتغليب البعد المادي العمراني والفني، ومفهوم تراث؛ عندما تكون مادته، الثقافة في تاريخ الأمة.

فالمفاهيم الثلاثة- إذا – ذات معنى عام مشترك، ومعنى يخص كلا منها – كما أبنّا-.
فإذا قبلنا مفهوم الثقافة بهذا المعنى ككل؛ كان كل نشاط بشري -ومنه السياسة- من ضمن الحالة الثقافية لشعب ما، في مرحلة تاريخية معينة..
لم هذه المقدمة؟!
ببساطة ، لأن خلطا – كما يبدو- قد حصل – بحكم الواقع، أو الأمر الواقع- حول معنى ودوْر كل من مفهومي السياسة والثقافة في حياة المجتمعات..!
وإذا كان الغربيون قد تجاوزوا هذه الحالة -نظريا على الأقل؛ فإننا في الشرق الأوسط ، والعرب والكورد منه – لا نزال نخلط بين دور كل من الثقافة والسياسة -وبتعسف غالبا، ونتيجة إشكالية ذهنية -أحيانا أخرى-.
إن طول العهد ببقاء أنظمة حكم –أو إدارات حزبية- مهما كانت صيغتها- في المجتمعات الشرقية عموما، والمجتمع العربي خاصة…ولّد حالة ثقافية تغلغلت في النفس..وكوّنت ما يمكن تسميته بـ: ( ذهنية-سيكولوجية” ثقافة”). وبخصائص حائرة، وأحيانا منحرفة، وجائرة.. ومنها: تكريس ذهنية أيديولوجية ذات ميكانيكة متعثرة؛ فهما، واستيعابا، ومن ثم تفاعلا.. .
هنا لا بد من لفت الانتباه الى مفهوم “روح الأمة”–بحسب الفيلسوف الألماني الشهير:هيغل.
دون الدخول في فقه المصطلح، الآن، فنتساءل عن العلاقة بين مفاهيم مثل: الأمة. والشعب. والمجتمع..الخ.
لأن مفهوم الأمة–بشكل عام، وكما أفهم- يمثل هذه المعاني كلها في عمومية الدلالة؛ مع مراعاة بعض خصوصيات لكل منها، ولا تؤثر هذه الخصوصيات على مسرى بحثنا هذا..وهو:
مفهوم: العلاقة بين الثقافة والسياسة..والتصور المفترض لكل من الثقافة والسياسة ..وحالة التفاعل بينهما.
ولكي لا يبقى الخلط مشوّشا هنا، لا بد من التذكير بمفهوم المجتمع ..-باعتباره: الشعب أو الأمة بالمعنى الذي يخص كل واحد منهما-.وهو-بالتالي- الحامل لمفهومي “الثقافة” و “السياسة ” وحيوية التفاعل في مختلف الأنشطة فيه (ودون أن ننسى أن الثقافة حالة عامة اجتماعيا، والسياسة حالة خاصة اجتماعيا، ضمن الحالة الثقافية للمجتمع ككل (الشعب-الأمة…).مع معرفة أن مفهوم المجتمع ليس –دوما – ذا دلالة سياسية – أي دولة-.
المجتمع بثقافته – كحالة عامة – يمثل ما يشبه البحر بكل ما فيه من عوالم مختلفة، والسياسة تمثل – بتجاوز – إدارة ما في البحر من عوالم؛ بعمليات الكشف عما فيها- بعون أساسي من الثقافة – وحسن إدارتها، في أسلوب استثمار يوازن بين مصالح الجميع ومنه:
تنظيم العلاقات بين العناصر المختلفة في تفاعل ايجابي يخدم الجميع..!
وهنا تكمن حقيقة وعدالة وقيمة… السياسة؛ وفق المعايير المفترضة في الثقافة السياسية العلمية-إذا جاز التعبير.
وكلما ارتقت الثقافة ( الوعي والمدنية في التفكير والسلوك) كانت العلاقات أكثر تنظيما، وأكثر ملائمة لنمط حياتي أفضل- سلما.. واطمئنانا.. ورفاهية .. وإنتاجا. .الخ-.
إن الأنا والآخر يتكاملان – افتراضا- ضمن صيغة مرنة، بين الأنا -الخاصة- والتي تمتلك حرية تُعينها على المبادرات الفردية المتجاوزة لقيود تفرضها المجتمعات –الأعم- بحكم العادات والتقاليد، وهي ذات طبيعة سكونية، تخدم المجتمع في جانب الاستقرار..ولكنها تعيق التحرر والإبداع؛ إذا زادت فعاليتها عن المفترض، فتعيد تكرار سلوك الأفراد كنسخ مستنسخة عن بعضها..وهذا هو الغالب في المجتمعات المتخلفة –والعربية منها للأسف.. فيتحكّم الماضي دوما بالحاضر..؟.
هذا يحيلنا الى بعض تأمّل في العلاقة بين النظري والعملي في السلوك الإنساني..
فالنظري هو: التعبير اللفظي عن المفاهيم مهما كانت: كلمات.. رموز.. إشارات.. الخ. والأفكار –المعاني- في ترابط؛ يسميه المنطق –القضايا والأحكام..وفي اللغة تسمى : الجمل والتراكيب.وفي العلوم الأخرى تسميات توائمها …
وهي، تشكل منظومة في نصوص -شفاها أو كتابة- وقد تسمى خطبا، أو مواعظ، أو مقالات، أو موضوعات، أو أية عبارة تدل على مثلها…!
فإذا حاولنا فهم ذلك بوضوح، نجده ليس سوى نوع من تمثّل الواقع- أو انعكاس الواقع في مفاهيم تُعبّر عن هذا الواقع- وفقا لما تقتضيه الحال، ليحصل تواصل في
كل ما في الطبيعة –الواقع- من موجودات مادية..كالتضاريس، والكائنات الحية والجامدة. عناصر المناخ..والبيئة عموما..هي: خارج الذات الإنسانية، وتسمى موضوع،ومنه “الموضوعية” كتوصيف قيمي.
كيف ننقل مشاهداتنا عنها للآخرين ؟
كيف نجعل احدهم يعرف شكل موجودات الطبيعة في مكان ما، من جهة، وما يجري فيها من جهة أخرى..؟!
إن النظري؛ ومتضمناته من الكلمات –المفاهيم، والقضايا، والأحكام، وما يرافقها من استخدامات في منهج البحث عن طريق الاستنتاج، والاستقراء، والتحليل والتركيب …هو الذي يعيننا على ذلك..
فهو- أي النظري – مجموعة أدوات التعبير التي نلجأ إليها؛ للتعبير، ونقل الأفكار، والشرح، والتوصيف..الخ.
ولكن هل يكون النظري أمينا جدا في عملية النقل هذه، دائما..؟!
ألا يوجد احتمال أن لا يحسن البعض – بل الكثير جدا من الناس- وعي المفاهيم في ترابطاتها –كمعاني- وحيويتها –وهو ما يميزها في النقص في التعبير عن النشاط الإنساني للبشر – والبشر هم فقط الكائنات العاقلة والحرة – على أساس تميزهم بالعقل والشعور والقدرة الإرادية..!
والحالة مختلفة عند الجماد والحيوانات، غير العاقلة، ومن ثم غير الحرة..لأنها تخضع لآليات غريزية، أو قوانين موضوعية تتكرر فيها العلاقات ذاتها ضمن الظروف ذاتها..على الأغلب..بل دائما في الجماد ..!
هنا يأتي دور العملي-التطبيقي- عبر سلوك تجريبي نتحقق فيه من صحة الأحكام النظرية – أي التعبير عنها-..!
فلو قال احدهم:
يجري في مكان كذا قتال بين مجموعتين ” أ ” و “ب” و”أ” هي الباغية..!
حصلنا هنا على توصيف نظري –صورة لحالة – لحدث – لحكم …فهل نكتفي بهذا؟!
أم يفترض بنا أن نتحقق من صحة ذلك..بالمشاهدة والتحري والتحكيم.؟
وذلك عبر المشاهدة-الملاحظة- -القراءة- السماع…ومن ثم القيام بعملية الاستقراء، والاستنتاج، والتحليل والتركيب…الخ. لنصل الى حال توافق بين النظري والواقع .. بين الصورة والواقع. وان توافقهما يعنى أن التوصيف حقيقة. أو حقيقي.
وفي هذه الحالة، ألا نلاحظ أن: العلاقة بين النظري والعملي هي عملية تكامل. للوصول الى حقيقة الأمر .؟!
هذا المنهج في البحث.. هل هو متبع دائما..؟
وفي حالة اتباعه، ألا يحتمل إن نحاول الخروج من ضوابط المنطق عندما تكون لنا مصلحة في ذلك..؟
وهل كل الذين يحاولون إطلاق الأحكام -توصيفا أو تحكيما ..الخ. يلتزمون بضوابط المنطق – وعيا أو قصدا أو تجاهلا…؟
هنا هو المنفذ الذي يدخل منه المغالطون، ولديهم براعة في المغالطة غالبا، ليبقوا على المظهر المنطقي للمجريات، ولكنهم يغيّرون في مجرى مضامينها لما فيه مصالحهم..وقد تسمى الحالة “فهلوة” في المنطوق الشعبي المتداول..
ومن المؤسف أن أهم من يفعل ذلك هم السياسيون، خاصة أولئك الذين هم في سدة الحكم، ويشكلون النظام الحاكم –هنا وهناك..يستثمرون الموقع –على الأغلب –بطريقة مختلفة عن المفترض.في المجتمعات المتخلفة –والعربية منها..!!!
وتصبح الممارسة ،عن وعي: حالة نظرية ثقافية –أيديولوجيا- مشوّهة للحقائق ومخالفة –غالبا –للواقع- مما يكرّس (ذهنية-سيكولوجية “ثقافة”).
يشوّه هذا التكريس، الدورَ الطبيعي، والمفترض للثقافة.
وبدلا من أن تكون الثقافة هي الحاضن للأنشطة البشرية كلها –والسياسة منها – تصبح السياسة في موقع إدارة الثقافة وفق عقليات مهيمنة بالقوة ، ومسكونة بالمصلحة الخاصة..
وهنا تكمن المأساة..!!
فهؤلاء الساسة الذين يُفترض بهم أن يكونوا رعاة أممهم، وقيمها، وتطويرها… نراهم يحرصون –غالبا – على بقاء أممهم- شعوبهم-مجتمعاتهم… في مستوى من العجز ليتاح لهؤلاء الساسة ،التحكم بها بسهولة ومهما كان الثمن .!!!
ولقد سرت العدوى هذه –للأسف –الى الأحزاب غير الحاكمة أيضا –أو تلك التي تسمى معارضة في هذه الأمم…..لأن الحالة تصبح ثقافة اجتماعية عامة مع الزمن. في غياب ممارسة الحريات التي يمكنها تصحيح الأمر على مستوى الثقافة –على الأقل.
…………………………………………………………………………………………………………………………..
منشور في موقع ولاتي مه بتصرف

http://www.welateme.net/cand/modules.php?name=News&file=article&sid=3388#.XkaJkjLXLIU

المزيد من المقالات