أسباب أزمة الحركة الكردية في سوريا

أسباب أزمة الحركة الكردية في سوريا
محمد قاسم (ابن الجزيرة)
مقدمة لا بد منها:
كما هو واضح في التمهيد للبحث، فإن هذا البحث يعود إلى ما قبل عشر سنوات، وقد أوضحت فيه ظروف كتابته،وظروف نشره في موقع عامودة في ـا 8/2/2005.
عندما عدت إلى أرشيف عامودة وراجعت البحث، وجدته لا يزال يحتفظ بالكثير من الأفكار التي يستحسن أن يطلع عليها القراء بمناسبة مرور خمسين عاما على تأسيس الحزب الكردي الأول. مع العلم أن بعض الأفكار فيها –ربما وجدت حلولا – ونحن نقدر للأحزاب تلك الخطوات المفيدة، ونتمنى المزيد منها. إننا نتمنى أن يكون لهذا البحث دورا ما –كبيرا أو صغيرا-في المساهمة في إغناء ثقافي تنويري، هو الهدف الأساسي من كتابته-وإن كانت كتابته قد جاءت بناء على طلب.. كما أسلفنا..!
ولقد أبقيت البحث كما هو، مع تصحيح بعض الأخطاء المطبعية، أو توضيح بعض الأفكار غير الواضحة، لاختصار.. أو سوء تعبير..-خاصة أنه البحث الأول من نوعه بالنسبة إلي.وربما أضفت بعض الأفكار أو التوضيحات التي وجدتها ضرورية كالهوامش
لا ندّعي أننا مصيبون في جميع أفكارنا وتحليلاتنا، ولكننا نزعم أننا بذلنا ما في استطاعتنا من جهد لنكون في موضع الصواب “إذا اجتهد القاضي وأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد” كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم.
نأمل من الحزبيين أن يتأكدوا من أن دوافعنا نبيلة، فإن وجدوا في البحث ما قد يرونه خطأ أو تجاوزا، نتمنى عليهم إرشادنا إليه مشكورين.
كما أن تناول مشكلة حزبية كردية لا يعني تجاوزا لمعنى الوطنية إذا كان مفهوم الوطن هو أنه للجميع، وبغض النظر عن العرق والدين والمذهب –وهو معترف به في شرعة الأمم المتحدة وجميع المواثيق الدولية-. فنحن نحاول إلقاء الضوء على قضية شعب يعاني من إشكالات يفترض أن تعالج بالطرق السياسية المعروفة، لينتفى كل ما يؤدي إلى فرقة وتعصب واستبداد …وهو مطلب يقول به الجميع سلطة ومعارضة ومختلف شرائح المجتمع.
بل هو المنظومة الفكرية القيمية التي يسعى كل مجتمع سليم إلى توفيرها في حياة أبنائه.
وإذا وجد ما يعتبر اختلافا في الرأي أو الرؤية السياسية فالسبيل الوحيد الصحيح لذلك هو حوار في جو حر وديمقراطي للوصول إلى النتائج المفيدة، وهذه تجربة الغرب أوروبا وأمريكا وكندا…-بين أيدينا، إضافة إلى عدد من الدول الديمقراطية في كل أنحاء العالم (الهند أكبر دولة ديمقراطية في الشرق –كما توصف-ماليزيا التي تنحى رئيس وزرائها (مهاتير محمد) طواعية كخطوة تأسيسية لنظام ديمقراطي (سوار الذهب) وتسليمه الحكم إلى حكومة منتخبة ديمقراطيا في السودان، ومشروع الديمقراطية في موريتانيا… الخ.
من حسن الحظ أن الاطلاع على التجارب البشرية في العالم أصبح طوع البنان بفضل التطور التقني الهائل (الفضائيات …الاتصالات بأنواعها المختلفة ومنها الكمبيوتر عبر خدماته المختلفة والعجيبة، والموبايل، والمواصلات المختلفة السريعة والمريحة ..) وما على المرء سوى بعض اهتمام مبرمج(منظم) لتكوين ثقافة ووعي يؤهل لتفاعل فعال، شريطة وجود شخصية مؤهلة لهذا التفاعل (أي ضرورة الاهتمام ببناء الشخصية كأساس للتفاعل الخلاق مع الأحوال المختلفة والتطورات المستمرة-وهو ما تعاني منه الشعوب المتخلفة وللأسف.
البحث :
أسباب أزمة الحركة الكردية في سوريا
محمد قاسم (ابن الجزيرة)
تمهيد:
في أحد أيام شتاء العام /1997/ تلقيت مكالمة من أحد الأصدقاء؛ يدعوني فيها إلى أمسية ثقافية كردية؛ يرعاها أحد الأحزاب الكردية السورية, وكان جمع من المهتمين بالشأن الثقافي الكردي يتواجد هناك. ودار النقاش فيها حول قضايا سياسية من منظور ثقافي, فتمخض عن فكرة-باقتراح من السكرتير المشرف- مؤداها:تأسيس لجنة ثقافية تتولى رعاية المسائل الثقافية، وتدعو الأطراف الحزبية إلى حضورها لتبادل الآراء حولها.ولم ينس أن يجهد لاستبقاء الدعوة إلى أحزاب التحالف فقط،على الرغم من إصراري على ضرورة مشاركة كل الأحزاب باعتباره نشاطا ثقافيا لا سياسيا حزبيا،ولكن رغبته لقيت سكوتا عن معارضتها من قبل الآخرين مما اضطرنا إلى القبول بها على مضض. وهكذا كان..(ويبدو أنه اقترح ذلك للتحرر من مأزق إدارة مثقفين بدأوا يحاورون بروحية مستقلة إلى حد ما، وربما متجاوزة –أحيانا -لما كان يطيق تقبله من الأفكار والرؤى والوسائل النقدية أيضا).
وبعد بعض زمن.. دعيت إلى كتابة بحث تحت عنوان:( أسباب أزمة الحركة السياسية الكردية في سوريا) خلال شهر من تاريخ توجيه الدعوة. فكانت النتيجة,كتابة البحث التالي، والذي أرسلته إلى الجهة المذكورة على أمل أن يُقرأ في جمع من المثقفين والسياسيين الكرد- وكنت ولا أزال أتمنى أن يدعى غير الكرد إلى الأنشطة الثقافية الكردية بقصد التفاعل الثقافي إيجابيا بين الجميع-
وذلك لإبداء الملاحظات حول مضمون البحث في جو تفاعلي يهدف إلى التطور الثقافي كرديا مع انعكاساته الإيجابية. ولكن البحث لم يقرأ حتى هذه اللحظة.
ومن حسن الحظ أنني كنت قد احتفظت بصورة عنه، فأعدت صياغته بعد حوالي أربع سنوات( 2001)م، وأرسلته إلى أكثر من مجلة كردية (حزبية) ولكنها لم تنشره ولا ادري السبب.فأرسلته إلى موقع عامودة الالكتروني والذي نشره مشكورا في التاريخ المذكور أعلاه 8/2/2005م. ولأنني وقعت في بعض تقصير-أثناء إعداد البحث- فقد ابتدأت البحث بعنوانين هما:

آ- اعتذارات:
1- لأن لغة البحث ليست باللغة الكردية.. لافتقادي إلى الكفاية في التعبير الدقيق فيها..
2- لأنني تأخرت قليلاً.. والتأخر مخالفة للموعد – وبغض النظر عن الأسباب-
3- إذا جاءت اللغة مفتقرة إلى صيغة دبلوماسية مرجوة. فالمهم هو وضوح الطرح. وطبيعة الصيغة – إذا تجاوزنا الحساسية – لا تقلل من قيمة الحقيقة, ولا ترفع من شان الباطل في واقع الأمر.. أو حقيقته.
ب- توضيحات:
1- اعتمدت- بالدرجة الأولى أسلوب التحليل النفسي في هذا البحث باعتباره الأكثر أهمية – برأيي- في التأثير على الأزمة واستمرارها (دور التكوين النفسي للشخصية الكردية في وجود الأزمة).
2- وكمحاولة للتحرر من المؤثرات المختلفة, فضلت الاعتماد على مخزون الذاكرة عن تجاربي مع الحركة، ومعرفتي بها, إضافة إلى خلاصة التفاعل مع الواقع الحي (المعاش) فيها(لم أرجع إلى وثائق مكتوبة إلا قليلا).
3- لم أشأ تحديد الأسماء والأحداث, انسجاما مع الأسلوب, وتجنباً للإطالة, والوقوع في إشكالية (الاختلاف حول الحدث التاريخي).
4- فضلت التعامل مع الصيغ العامة – فالكرد مثلاً، كلمة عامة(تعني الكرد في كل مكان) وتتخصص في السياق(الكرد في سوريا،الكرد في العراق…الخ).
5- الحركة –كمفهوم- أينما وردت، يقصد بها الحركة الحزبية الكردية (السياسية) وتتخصص أيضاً في السياق(الحركة الحزبية في سوريا…).
ملاحظة (1):
لأن أسلوب التبليغ كان: ظرفاً مفتوحاً عبر أناس لا صلة لهم بمثل هذا العمل. فقد سجلت على جانب من ورقة؛ العبارة التالية – أوردها للتاريخ وللانتباه أيضاً-.
((كنت أفضل صيغة أكثر دقة في تبليغ التكليف, كإغلاق الظرف مثلاً)).
ملاحظة (2):
آ- أضيفت بعض تعديلات جعلت المقال يجمع بين أفكار قديمة وحالات حديثة في الحركة, كما هو واضح في الخاتمة خاصة.
ب- لم أهتم بالتوثيق بقصد تسليط الضوء على المعالجة بدل الانشغال بالمراجع.
البحث
توطئة:
بخلاف ما جرت عليه العادة, فقد ارتأيت أن أبدأ الحديث عن الكرد منطلقا من الواقع الراهن لهم، ودون سرد تقليدي (كلاسيكي) لتاريخ الكرد السياسي ومراحله. فأحاول : 1- وصف هذا الواقع باختصار. 2-تحليل معطياته بقصد الوصول إلى استكشاف طبيعة الأزمة السياسية في أداء الأحزاب. 3- التدرج نحو الماضي لاستقراء الأسباب: (أسباب أزمة الحركة الكردية في سوريا). وهي،أي الأزمة، – كما أرى- تندرج تحت عنوانين رئيسين:
1- الأسباب (أو العوامل) الموضوعية.
2- الأسباب (أو العوامل) الذاتية.
وهذه الأسباب جميعا، تتبادل التأثير على بعضها البعض. من هنا نبدأ:
أولاً: وصف الحالة (الوضع) الراهنة للكرد:

1- الكرد شعب (أمة)1 كبير العدد (35-40) مليون نسمة أو ربما أكثر.., يعيش على أرضه التاريخية . . والمقسمة, بموجب اتفاقية سايكس بيكو -1916م-بين عدة حاكميات (دول) لم تعترف هذه الحاكميات – حتى الآن-:
– لا بحق هذا الشعب القومي. ولا الوطني ولا الإنساني حتى..!
– ولا بواقع تاريخية سكنه على أرضه، وتقسيم هذا الأرض،وما يتعلق بذلك من استحقاقات مختلفة ..!!.(ما عدا العراق الذي لا تزال الاتجاهات فيه غير متبلورة نحو الشكل المستقر للموقف من حقوق الكرد في العراق).
(هذه الحاكميات هي (تركيا-فارس-العراق-سوريا…)وإن اختلفت النسبة والظروف فيما بينها).
2- الكرد شعب(أمة) يعاني من الحرمان من أبسط حقوقه ضمن هذه الحاكميات، كانسان له حقه القومي ومستلزماته،وله حقه الوطني ومستلزماته..
3-الكرد شعب(امة) يتعرض لعمليات التذويب (الصهر) باتفاق جميع (الأنظمة الحاكمة) وكذلك يتعرض للتشريد.. والإبادة.. وتكريس التخلف.. بدرجات متفاوتة من الشدة في الممارسة، وبحسب الظروف والأحوال في كل واحدة من هذه الأنظمة الحاكمة.
4- تسري الأحكام العرفية (حالة الطوارئ) غالبا في كل المناطق (الأقاليم) التي يسكنها الكرد، ويعيش فيها،أو معظمها،-أو ما يشبه حالة الطوارئ كقوانين استثنائية. فمثلا في سوريا عندما يصدر قرار ما، ينتهي بعبارة (ما عدا الجزيرة) إذا كان هذا القرار يمكن أن يفيد منه الشعب الكردي فيها-. وهذا الأمر يحرمهم من حماية القانون – الضعيف أصلاً من حيث الممارسة في هذه الحاكميات- وتطلق هذه الأنظمة، يد الأجهزة الاستخبارية – ومهما تنوعت مسمياتها- في مناطق سكنى الكرد, للإساءة إليهم، واستلاب شخصية الإنسان الكردي الطبيعية ، وبالوسائل التي لا يقرها،لا قانون محلي -ما لم يكن استثنائيا..- ولا قانون دولي.. ولا شريعة دينية.. ولا أحكام أخلاقية..
5- كنتيجة للتقسيم, ولعوامل مختلفة – انعكست جميعا في سلوك الكرد- ارتبكت العلاقة بين أطراف الحركة السياسية (الحزبية)(2) في كل منطقة (إقليم كردي)(3) ولم تتحدد – بعد- طبيعة التعامل فيما بينها ضمن إطار نضالي يجعل جهودها متكاملة, ومن ثم مؤثرة، كما أن الارتباك طال العلاقة بين الأطراف (الأحزاب) داخل الحركة السياسية (الحزبية) – كعامل سلبي- في كل منطقة (إقليم) أيضاً، إلا أن المرجح هو أن الارتباك الداخلي(المحلي)(4)، هو الأمر الأساسي في كل ما عداه(5). .
6- تتجلى(تظهر) منعكسات ما سبق، في حالة من التخلف العام: علمياً (ثقافياً) واجتماعياً واقتصادياً..الخ. تجلياتها الأظهر، تبدو في الحالة السياسية (الحزبية): حيث العدد الكبير المتكاثر للأحزاب – المتصارعة- مساهمة بذلك في تفتيت وبعثرة (الإطار العام المشترك) أو ما يمكن تسميته (بالمرجعية القومية الكردية)أو أية تسمية أخرى-المجلس العام الوطني الكردي-أو المجلس العام القومي الكردي-أو المجلس العام السياسي الكردي..أو غير ذلك..).
ومساهمة كذلك في غموض تحديد الأهداف الرئيسية- واقعياً- وخاصة من ناحية غياب (رؤية متوازنة بين الأهداف – كـمبدأ- وبين إمكانات التعبير النضالي عن هذه الأهداف (نظرياً وعملياً)). بمعنى: سوء صياغة الأفكار وتنسيقها من ناحية ،وسوء التطبيق العملي لها من ناحية أخرى. (توصيف عام للحركة السياسية الكردية). والحركة السياسية (الحزبية) في سوريا لا تشذ عن هذا التوصيف, مع الاعتبار دوما لخصوصيات الظروف (الواقع) والإمكانات في كل حالة.
ففي سوريا مثلا،حركة سياسية كردية (أحزاب) تعكس كثيراً من خصائص التخلف العام للكرد, في المستوى الذاتي و في المستوى الموضوعي لها.
ومن خصائص التخلف فيها:
أ‌- العدد الكبير للأحزاب: قياساً إلى:
1- عدد السكان الكرد (حوالي الثلاثة ملايين نسمة).
2-وحدة طبيعة المطلب (الحقوق الثقافية والاجتماعية والسياسية..) وسوء ترجمته ميدانيا.
ب‌- الأطروحات النظرية :(شعارات, مطالب…الخ) تتقارب – إن لم تكن متطابقة- لدى الجميع. لكنها شديدة الاختلاف في التفسير -بالدرجة الأولى- وبالتجلي العملي فيها (أي في الممارسة) في الدرجة الثانية.(6) [أو ربما كان الموقف من الممارسة(التطبيق العملي للمبادئ) يعكس بظلاله على صيغ التفسير].
أو أن عدم تحديد الموقف بوضوح من النظام يسبب بروز حالة إشكالية على صعيد تحديد البرامج والمناهج الحزبية الكردية،ومن ثم إيجاد حالة اختلافية باستمرار حول المبادئ والمواقف والسلوكيات..!)
جـ‌- العدد الكبير للقياديين- بسبب العدد الكبير للأحزاب -.
هؤلاء القياديون الذين وُجِدوا كنتيجة لحالات انقسام (انشقاق) متتالية في الحزب الأول (البارتي) الذي تأسس في 14 حزيران 1957 (7). وكانت الأسباب والدوافع فيها- دوما- صراعاً على المكانة والنفوذ أساساً… مما بدد الطاقة السياسية الكردية في مختلف تجلياتها: الفكرية (التنظيرية) والعملية. ولا يعني ذلك إغفال تأثيرات العوامل الموضوعية… مع ملاحظة أن هذه الأحزاب جميعا هي ناتج حالات انشقاق عن حزب واحد(الحزب الديمقراطي الكردستاني(البارتي ).(8) ثانياً: تحليل وتشخيص:
ولاستمرار بقاء القيادي الأول – أساساً- ومن يرتبط به في الحزب, فان العمل السياسي (الحزبي) يظل مرتهناً بظروف هذه الشخصية، وسويتها(مستوى وعيه ومصداقيته…) هذه السوية التي غالباً ما – إن لم نقل دائماً- اختارت أسلوبا -في قيادة الحزب- يضمن بقاءه في موقعه.. ويضمن استمراره فيه أيضا (9), واتبع كل السبل- المشروعة وغير المشروعة- للمساهمة في البقاء في موقعه والاستمرارية فيه. فتحولت صيغة العلاقة الحزبية – كتربية حزبية- إلى حالة نفسية (عاطفية.. مصلحيه.. “بمعنى ما”) تظهر هذه الحالة معتمدة – عادة- في العلاقات العشائرية.. أو العلاقات التي تربط المريدين بشيوخهم.. وذلك بدلاً عن صيغة علاقات،يفترض أن تبنى على أساس من الوعي المشترك والمتبادل.. وعلى أساس النقد الهادف.. بشعور عال بالمسؤولية والاستعداد للتضحية، وغير ذلك،من الأمور التي يفترضها العمل السياسي (النضالي!)…. وبالتالي إمكانية التداول في المهمات والمسؤوليات ضمن معنى الديمقراطية التي ينادي بها كل السياسيين(الحزبيون) في أدبياتهم وفي أحاديثهم ومناقشاتهم وحواراتهم..!.
(وهنا مكمن الخطورة وهو عدم التطابق بين ما يقال (شعارات..أفكار مختلفة..وبين ما يراد تطبيقه(ممارسته)في الواقع-نوع من ازدواجية الشخصية السياسية.وإن هذا النهج لا يتوافق مع فكرة ان” السياسة هي فن الممكن” فهذه الفكرة تعني تقدير الظروف والإمكانيات والتدرج في المطالبات على قاعدة “خذ وطالب” أما أن تكون الشخصية مزدوجة فمعناه: الجمع بين نقيضين أو الفصل بين قرينين لخشية في نفسه،أو عدم استعداد للتضحية..).
وعلى الرغم من محاولة البعض فلسفة بقاء (القيادي الحزبي الأول) بدواعي؛ يحاولون تبريرها، فإنها ليست سوى ضحك على الذقون،وليست سوى ممارسة فجة لزرع تبعية ممجوجة على الأغلب لهذا القيادي أو ذاك(وإنني أفضل تسمية الإداري بدلا من القيادي في هذه الحالات،لأن القيادة حالة متميزة من حيث الخصوبة الفكرية،وسرعة البداهة وروح الإبداع و الرجولة القادرة على اتخذ القرارات الحاسمة…إضافة إلى خصائص أخرى لا بد من توفرها-أشرنا إلى بعضها في سياق البحث- حتى يحسن قيادة السفينة إلى بر الأمان –كما يقال-.
وإذا كان الشعب-أي شعب- عاجزا عن إنتاج بعض من يمكنهم استلام المركز، وقيادة المجتمع.. فلا بارك الله فيه..فهو شعب-في هذه الحالة- غير جدير بالتحرر إذاً، وعقيم أيضا. ثم ماذا سيكون مصير الأمة بعد وفاة هؤلاء إذاً… ؟!.
هل عمر الشعوب وحياتها يجب أن يرهن لعمر قيادي –مهما كان-؟!
تحضرني حكاية الصحابي القائد خالد ابن الوليد الذي عزله الخليفة عمر ابن الخطاب وهو في أوج انتصاره،فاستجاب طائعا كما أن القائد الجديد(الصحابي أبو عبيدة الجراح) كان قد كتم خبر تكليفه بالقيادة حتى انجلت المعركة..(هل يعيش قياديوا أحزابنا هذه الروحية المخلصة والجريئة؟.أحدهما يرجئ الخبر مراعاة لوضع الحرب الحرجة، والآخر يتنازل بسهولة لمرؤوسه طائعا في لحظة انتشاء بالنصر ..؟!
كما أن طول البقاء في المركز بالنسبة للحالة الكردية لم ينتج سوى تخلف.. وتشتت.. إلى أكثر من عشرة أحزاب..! وهذا وحده دليل على الخطأ في طول بقاء قيادات حولت أحزابها إلى ما يشبه جماعات(عشائر) متطاحنة،وربّت أعضاء أحزابها على التبعية المقيتة، وشوهت تربيتهم اجتماعيا، ويكاد هؤلاء أن يكونوا مرتبكين في العلاقات الاجتماعية أيضا، نتيجة تربية على الموقف الخاص من الغير..!.فالعضو الحزبي-غالبا-إما أن يرى فيك،تابعا يجب أن تخضع له؛ أو يجب عليك أنت أن تحسن إخضاعه لتبعيتك اجتماعيا أو حزبيا..!
لا يوجد في ذهنيته-غالبا- معنى التكافؤ والتكامل.

ثالثاً: طبيعة الأزمة:
وكنتيجة للمعطيات التي سبق أن قدمناها ضمن تحليلنا؛فقد سادت علاقات نفسية عاطفية – داخل الحزب- هذه العلاقات النفسية (العاطفية) داخل الحزب؛ ممزوجة بارتكاسات أنانية.. نفعية.. واجتماعية (واقعة أو متوهمة). تتعالى هذه العلاقات على النقد, ولا يحسن أصحابها ممارسة النقد الذاتي, مما أفقد هذه العلاقات؛ (الخاصة التنظيمية”الحزبية”) الواعية والمتجددة، ومن ثم فقدت الحالة الحزبية حيويتها النضالية الجادة.. أو كادت..!.
انعكس هذا الأمر(فقدان الأداء الحزبي لحيويته النضالية الجادة..!) انعكس حالة ركود روتيني، أو فوضى (غوغائية)، هزلت فيها المعايير النضالية في الاختيارات.. وعلى مختلف المستويات(اختيار العضو الحزبي المناسب،اختيار الأفكار النضالية الجادة, اختيار المواقف المنسجمة مع روح النضال الجاد…الخ). وحلت , معايير معتمدة من الشخصية الأولى(أو المتنفذة)(10) في الحزب ،نظريا.. وعمليا .. بتطويع الموجود لما تريده هذه الشخصية من نمط في التفكير والممارسة. عوضا عما يفترض من المعايير النضالية الواضحة(المبادئ..!) التي ينبغي الانضباط بها،والتي صيغت –غالبا-بشكل يراعي الموقف السلطوي أكثر مما ينبغي وعلى حساب مبادئ القضية القومية بدواعي مختلفة أهمها ادعاء العقلانية والحكمة وما أشبه .وعلى الرغم من أن مثل هذه الخطوة مطلوبة ولكن المبالغة فيها تعني حالة تقصير عن معنى الأداء النضالي (الجاد) –إذا لم تعني المساومة-.لأن المبادئ هي التي توحي بالطرق النضالية اللازمة وليس العكس(استراتيجيا) وما تبقى فهي تقديرات تعلو وتنخفض، تشتد وترتخي بحسب الظروف والإمكانيات.وحالة المناخ السياسي بشكل عام(تكتيكات) ومن ثم إن الحكمة والتعقل ليس ملكا لحد لكي يفرضه على الآخرين،وإنما هي نبراس ينبغي ان يهتدى به بقدرته على توفير القبول المدروس له.. فماذا كانت الحصيلة؟
كانت فقدانا للفعالية النضالية المؤثرة في الحالات التالية: (11)
1- في داخل الحزب, بفقدان العضو الحزبي عناصر القوة في شخصيته (الوعي والاستقلالية …الخ) وهي الخصائص اللازمة للنضال, (وتشترك في هذا مع حالة الأحزاب كلها في المنطقة العربية).
2- مع الكرد خارج الحزب(الجماهير الوطنية المستقلة), بإيجاد أساليب التبعية في العلاقات الحزبية وفي العلاقات مع الجماهير، و تغليب المصلحة الحزبية الضيقة معها.
3- مع السلطات – المتخاصَم معها افتراضا- وذلك لعدم توفير أسس التكافؤ الضرورية للحوار بينها وبين هذه السلطات ،وعدم توفر عوامل للضغط على السلطات ،وذلك بسبب واقع قوة السلطة،وواقع ضعف الحركة السياسية الكردية (الحزبية) كنتيجة لما ذكر سابقا..
(ومن المعلوم أن قوة الحركة هي في كونها صاحبة حق أولا، ومن ثم إتباع الوسائل النضالية الفاعلة في ظروف كهذه ثانيا). فهل تحقق هذا في واقع الأحزاب الكردية حاضرا؟.وإذا استثنينا انتفاضة آذار 2007-مع ما رافقها من بعض تجاوزات كنتيجة طبيعية لمثل هذه الأحوال،بدليل أنه في الفترة نفسها حصل شيء شبيه في لبنان أحرقت فيه بناية من ست طوابق عائدة إلى وزارة شؤون العمل..ورغم ذلك فقد تولت الحكومة رعاية الجرحى والتعويض عن القتلى و المتضررين،بخلاف ما حصل في سوريا حيث سيق الآلاف إلى سجون التعذيب وقتل أكثر من ثلاثين ،ولوحق المواطنون –وهم قصر غالبا –للحكم عليهم بمقادير من أموال تفوق الخيال.
وكم كان موقف الأحزاب متخلفا عن هذا الحدث الضاغط والذي أنتج لأول مرة اعترافا من أعلى مستويات السلطة بما معناه (الكرد شعب يشكل جزءا تاريخيا من النسيج السوري) وهو ما لم تكن السلطات تعترف به سابقا، حتى كلاميا،ولا يزال هذا الاعتراف مجرد اعتراف كلامي لم يجد ترجمة له على الأرض.
بمعنى أن ما حققته هذه الانتفاضة لم يحققه النضال الحزبي على مدى خمسين عاما من العمل السياسي المهادن.ولا نقصد بنقد المهادنة،الطلب إلى القيام بالثورات، وإنما نقصد إشباع العمل السياسي بمتطلباته النضالية المؤثرة.
وكنتيجة لسياسة المهادنة المفرطة فقد استغلت السلطات ذلك واستطاعت التغلغل في ثنايا حياة الشعب الكردي، مما ساهم على تفتيته بتنسيب الكثيرين إلى حزب البعث،وربط الكثيرين بأجهزة أمنية -ربما كان منهم بعض الحزبين في مواقع متقدمة أيضا..- فضلا عن تشجيع قيم التفتت عبر تعزيز النمط العشائري ضمن المجتمع الكردي والذي كان قد تجاوزه في صدر نضاله السياسي،وبدايات تشكيل الحزب الكردي الأول..
انبثق عن هذه الحالة- في العلاقة مع الجماهير- معنى، يكاد يتجسد في شعار مؤداه: كن حزبيا أو لا شان لك بالسياسة..! يتبناه الحزبيون (الأحزاب) حسب مستوياتهم. وبذلك خلطوا بين (الحزبية) كتنظيم سياسي وبين مفهوم ومعنى (السياسة) كحالة فكرية ثقافية نظرية،وانعكاساتها الاجتماعية والإدارية العملية…
وهذا بالضبط ما تفعله الأنظمة المستأثرة بالحكم مع مواطنيها؛ بإيجاد الوسائل المختلفة لعزلهم عن النشاط السياسي- ما لم يكن في خدمتها- وبإبعاد المتنورين عن الفعل الثقافي السياسي. وبذلك تتشابه الأحزاب الكردية مع السلطة في علاقتها مع الجماهير الوطنية المستقلة..!(ولقد فعل صوابا، السيد د.عبد الحكيم بشار “سكرتير الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا-البارتي) بإجراء مقارنة بين الأداء البعثي للسياسة، والأداء لدى الأحزاب الكردية لها في مقال نشر في الشبكة العنكبوتية -الانترنت)(12)
هذا الحال، أوجد تمحورا حول الذات داخل كل حزب, أفقد ه، مرونة الاتصال الفاعل مع الأحزاب الأخرى من جهة, وافتقدت الحركة السياسية (الحزبية) برمتها, الأرضية الصالحة للالتحام الفاعل مع الجماهير من جهة أخرى.( وبدلا من تقدير الحركة لمستوى الجماهير المتعثر، والتي تقودها-افتراضا- أصبحت الجماهير هي التي تسعى لتقدير ظروف التشرذم وضعف الفعالية لدى الحركة ..! وتسعى للملمة التشتت عندها..وهذا أمر يدعو إلى الألم في أحسن الأحوال..!. والمشكلة هي في أن هذه الأحزاب –وبدلا من الشعور بالرضا من محاولة مشاركة المستقلين في معالجة هذا الوضع الذي يشتكون منه جميعا؛فإنها تكتب وتذيع أحاديث وكتابات تهاجم هذه المسعى وربما تتندر بها أيضا…!
والنتيجة العامة هي:
تمخض عن العوامل المذكورة سابقا, نوع من ضعف الفعالية – قصدا أو بدون قصد- انعكس هذا الضعف (أو نتج عن هذا الضعف) حالة من انفصام أو ازدواجية السلوك في العمل السياسي (الحزبي) وخاصة لدى بعض القياديين – وهي الحالة الغالبة مع الأسف- يتجلى ذلك في:
تفاوت واضح بين الخطاب السياسي النظري (مطبوعات مختلفة, مناقشات…الخ) وبين الممارسة العملية (تحويل النظري إلى تطبيق عملي).
يوحي ذلك وكأن هناك قبول واع لهذا الدور.. لإرضاء جميع الأطراف: ( الحزبيين, الجماهير, السلطة) ما دامت الجماهير لا تنال شيئا، والسلطة لا تخسر شيئا, في حين يعتاد الحزبيون واقعهم هذا (موقف اللاموقف).
وبدلا من أن تكون القيادة السياسية (الحزبية) وعبر مجموع الأحزاب (الحركة):
تربية نضالية للجماهير( توعية لتفهم الهدف، اكتساب المهارة في الأداء الحزبي (السياسي) الجاد والمخلص، تجاوز مظاهر الضعف في الشخصية (أنانية.. خوف.. وغيرهما…)….الخ. بدلا من ذلك، يكاد يتحول الأداء القيادي (في الحركة أو لدى بعض أحزابها على الأقل) إلى نوع من تفريغ العمل النضالي من محتواه؛ وطبعا بشكل نسبي ولكن النواقص هي الغالبة وهذا هو الجانب المخيف..!.
أ- تغييب الجدية، (أي تطابق النية والقول والعمل) في الممارسة السياسية,(
أو روح النضال بخصائصها المثالية(الجادة). ب- إدارة للجماهير تبدو وكأنها تهدف إلى تقبلها للواقع (نوع من التدجين). (13)
جـ- بذل الجهد للحفاظ على الصيغة القائمة للحالة الحزبية, (والتي تمارس بأسلوب اقرب إلى العشائرية أو ما يماثلها في أسلوب الارتباط النفسي بين أعضاء الحزب الواحد بعضهم بعضا ،وبينهم وبين القيادات الحزبية- كالاستسلام التصوفي). ومن آثارها استلاب شخصية المقود (حزبيا وجماهيريا)-عبر ذلك- لصالح محورية شخصية القيادي الأول (سكرتير..سكرتير عام.. أمين عام.. رئيس..الخ).مع الاعتبار لوجود بعض الفروقات كنتيجة لاختلاف الشخصيات عن بعضها في التكوين النفسي والأخلاقي..
ويمكن تلخيص كل ما سبق عن حالة الحركة في الأسطر التالية: وهي أنها (أي الحركة):
(( حالة حزبية متمحورة حول ذاتها, منعزلة عن جماهيرها بدرجة مؤلمة, فقدت القدرة على معالجة مشاكلها بذاتها (التشرذم, تصادم العمل, العجز عن توحيد الموقف والخطاب والعمل الميداني…الخ), لتجاوز الواقع الراهن لها.. فرَّخت رؤية مشوشة, وأنتجت علاقات مرتبكة… انعكست الحالة هذه، نوعا من الاستلاب
13 (في مناقشة بين جمع من المثقفين برعاية أحد الأحزاب الكردية في التسعينات،طرح سؤال:هل القيادات الحزبية الكردية مخترقة..؟ فأجاب احد المثقفين قائلا: نحن لا نريد أن نصدق شيئا من هذا ولكن يبدو ان البعض قد قرأ سياسة السلطات تجاه الكرد فاستوحى من ذلك سقفا وضعه لسلوكه الحزبي لا يتخطاه) وكأن هذا التفسير يقترب من واقع الأداء الحزبي في جوانب مهمة منه.أي الالتزام بما وضعته السلطة من سقوف بدلا من الالتزام بما وضعه الحزب من مبادئ مراعيا الوضع العام داخليا وخارجيا،بحيث تصبح المبادئ هي الأساس الثابت، ومراعاة الظروف هي الحالة المساعدة (التكتيكية).فتعلو السقوف وتنخفض بحسب الظروف حينئذ.
في الشخصية الكردية عموما، وفي ميادين الحياة المختلفة (السياسية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية… الخ)) فلماذا؟
نحاول الإجابة على السؤال بالتالي:

رابعاً: ما هي الأسباب؟
برأيي – والرأي هو خلاصة إطلاع وتجربة وتفاعل بشكل عام- فان مرد هذه الحالة المؤلمة في الواقع السياسي الكردي(الحزبي) إلى زمرتين من الأسباب:

1- الأسباب (العوامل) الموضوعية، وهي نوعان بدورها:

آ- الأسباب (العوامل) الخارجة عن إمكانيات الكرد, وطاقتهم, والتي حددت الإطار العام – بشكل ما- لتحركهم (مثلا التقسيم بين عدة دول…).
ب-الأسباب (العوامل) المتداخلة بدرجة ما – صغيرة أو كبيرة- مع الأسباب (العوامل) الذاتية, ويمكن للكرد – إذا أحسنوا التصرف- التأثير فيها (مثلا: الانقسامات الحزبية…)

2- الأسباب (العوامل) الذاتية:
ونعني بها، تلك الأسباب(العوامل)المتعلقة بمجموعة الخصائص النفسية، والتربوية، والاجتماعية…الخ. وبالمعنى الواسع لهذه الخصائص.
وبالطبع, فان العلاقة الجدلية بين النوعين من الأسباب (الموضوعية والذاتية) وبين التفرعات داخل كل نوع (زمرة)منها، هي حقيقة مسلمة بها كمبدأ عام, ولكن يظهر الاختلاف عندما يتعلق الأمر بتحديد العلاقة الجدلية هذه وتفصيلها. وفي هذه الحالة (تحديد العلاقة الجدلية) يبرز دور الأسلوب العلمي (المنطقي) كأسلوب(منهج) إضافة إلى: الثقافة والخبرة… والتي ترتكز جميعا إلى سمات في الشخصية (ذكاء, خيال, سعة الأفق (تخيّل).. وغيرها) هذه جميعا تكوَّن ما يعرف – عادة- بالشخصية المبدعة، وهذه (الشخصية المبدعة) تكون متخصصة –عادة- في مجال إبداعها, والمجال -هنا – هو السياسة, (ثقافة وممارسة). فهل تحقق ذلك لدى قادة الحركة السياسية الكردية (الحزبية)؟.
هل التزم القادة الحزبيون بالأسلوب العلمي(المنطقي) كأسلوب(منهج) في التفكير والعمل؟
وهل توفر لديهم الثقافة والخبرة المرتكزة إلى سمات في شخصيتهم(الذكاء،خيال،سعة الأفق(تخيّل)..وغيرها إضافة إلى العزم والحزم والمرونة والاستعداد للتضحية –مهما كانت- في سبيل القضية-كما يقال-؟
وهل تميزوا بالحالة الإبداعية في أدائهم لمناشطهم السياسية (الحزبية) بقيادة متميزة منتجة ساعدت على وحدة شعبهم،وتطوير مستواهم السياسي كما تقتضيه المراحل التي قادوا فيها شعبهم…؟!. هذه الأسئلة وغيرها تظل تطرح نفسها وتنتظر إجابة عنها بأسلوب واضح وصادق..لا أسلوب ملتبس يتلاعب بعواطف الجماهير البسيطة في واقع حياتها عموما، والحياة السياسية خصوصا..! [وبالمناسبة فان مصطلحي (الذاتي والموضوعي) من مفرزات تطور الصروح العلمية, والانفصال المتدرج للعلوم عن الفلسفة (حاضنة العلوم في المراحل ما قبل القرن السادس عشر الميلادي حتى كانت تسمى بأم العلوم) ولعل فرنسيس باكون الإنكليزي هو الذي تمت على يديه الخطوة المتبلورة في هذا الجانب (جانب تطبيق المعرفة على الواقع أو التوافق بين أحكام العقل والواقع) وان كان السابقون عليه وخاصة بعض علماء المسلمين (ابن الهيثم, جابر بن حيان… وغيرهما) قد انتبهوا إلى هذه الناحية, وبرزت بشكل واضح في تفكيرهم عبر كتاباتهم..]

لم إقحام هذه المعلومات
لأنني اعتقد أن بعض السبب في الأزمة السياسية عموما والأزمة السياسية الكردية خصوصا؛ له صلة بدقة التعبير (صحة الدلالة) أي بـ (المصطلح) لان تحديد وتاطير المفاهيم المتأثرة بالحالة النفسية للإنسان بدرجة ما – ومهما كانت- وتخليصها بالقدر الممكن من هذا التأثير, يوصلنا إلى مقولة فلسفية واضحة وصادقة أيضا وهي:
((على صعيد العقل يلتقي البشر)) وان هذا الإجراء المنطقي (والعلمي) ضرورة يفرضها وجوب الفهم الواحد للمعنى نفسه,وبنفس الدرجة – إذا تساوت المقدرة- وان عدم الفهم الواحد للمصطلح أو الكلمة وما يرتبط بها – برأيي- من الأسباب المؤثرة سلبا في: قصور الحركة في تحديد الرؤية السياسية و وضوحها..
أي هيمنة الاختلاف على دلالات المفاهيم.. ومن ثم المواقف..والعمل..
(من حسن الحظ أن بعض الأحزاب الكردية أو معظمها قد اتفقت مؤخرا(في الربع الأول من العام 2007) على ما يسمى ب(الرؤية المشتركة) وهو البرنامج النظري الموحد لعمل الأحزاب الكردية في سوريا.وهذه خطوة مهمة- إذا صح الالتزام بها – في طريق إزالة عدد من المعيقات النظرية أمام التقارب في الخطوات اللاحقة.. والعملية، كتأسيس (مرجعية) كثر الحديث عنها،ولم تتوفر بعد فرصة تأسيسها وفق تصور متكامل يعوض عن الأخطاء والاهمالات السابقة).

تحديد مصطلح (نموذج):
كل مصطلح ينبغي أن يتحدد لتحقيق الفهم والتصور المشترك،ونحاول ذلك في أحد المصطلحات المستخدمة وهي مصطلح:”الذات”: الذات الكردية – وكأية ذات بشرية- لها مستويان:
1- الذات كشخص(فرد). وكل ما هو خارج عنها فهو موضوع بالنسبة إليها (بشرا أو مادة, أو كائنات مختلفة…).
2- الذات كشعب (أو أمة) تذوب فيها الذوات الشخصية الكردية الأخرى-الفردية-, فتبدو الأمة(الشعب) كذات واحدة, تجاه كل ما هو خارج عنها من أمم بشرية أو حيوانية أو نباتية, وكذلك كل ما هو عديم الحياة من العوالم (الأرض, الأفلاك, وما فيها وعليها أو حولها…).
3- الذات كإنسان(مفهوم). تذوب فيها البشرية منذ آدم وحتى يوم القيامة, مقابل الواقع (الموضوع).
إذن: الأسباب الذاتية تعني: ما نُعتبر- نحن- ككرد مسؤولين عن وجودها أساسا، ودون إغفال عملية التفاعل(الجدلية) بينها(الأسباب الذاتية) وبين(الأسباب الموضوعية). وهذه الأخيرة آتية (أو مفروضة) من خارجنا. سواء أصدرت عن بشر (كالتدخل الاستعماري, والمسلك السلبي لحكام المناطق الكردية..) أو كانت موجودة طبيعيا (كحاجز جبلي أو مائي مثلا…).
باعتقادي فان تحديد مسؤوليتي(ومسؤولية أي إنسان فرد) كنهج, هو ما يجب فعله أولا, وقبل البحث في مسؤولية الآخرين- بعد وعي الظروف طبعا- ولذا فإنني أفضل البحث في الأسباب الذاتية- والتي يعتبر الكرد مسؤولون عنها- والتركيز عليها فهما وتشريحا وتحديدا…, ثم أشير- وبنوع من العجالة- إلى أهم الأسباب ( الموضوعية) بسبب العلاقة الجدلية القائمة بين النوعين، فأحاول فهمها (الأسباب الموضوعية) ومن ثم اتخاذ الموقف تجاهها.
وإنني إذ أفعل ذلك،فللتأكيد على أهمية دور الأسباب( العوامل) الذاتية…
وعلى أنها الساحة الأساسية لعملنا ونضالنا كشعب كردي, وتقع علينا مسؤولية إنضاجها وتأطيرها واستخدامها, بقصد جر الأسباب (العوامل) الموضوعية, بشكل عام, إلى مصبِّ حقوقنا السياسية (مصالحنا وما يلحق بها…) ولأننا لا نملك التأثير فيها إلا من هذه الناحية، باعتبارها الحامل لكل نشاط…
ولعله من المفيد الإشارة إلى ممارسة تضليلية يلجأ البعض إليها عندما يخلطون متعمدين بين (الحزب) وبين (الحركة السياسية). فهم عندما يريدون إبراز دور أحزابهم يحاولون استخدام مصطلح “الحركة السياسية” ليسدوا أمام الملاحظ أو الناقد، السبل للقيام بدورهم،ولكنهم عندما يجدون ما يعتقدون انه إنجاز، أو حركة إعلامية مفيدة لهم، يركزون في ذلك على دور أحزابهم،وهي مغالطة محسوبة وليس عفوا..مما يشير بوضوح إلى الدور المقصود في بعض الأداءات السيئة نضاليا بدوافع مصلحيه ضيقة (حزبية أو شخصية..).
إنهم يشبهون ذلك التيار العروبي القوموي الذين يخلطون عن عمد بين الإسلام (الدين الأممي الإنساني) وبين العروبة (القوموية الضيقة) وينتقلون بحسب ما يرونه مصلحة بين استخدام مصطلح (العربي الإسلامي) أو مصطلح(العربي القومي) مسخرين فهلوتهم في انتحال ما هو إسلامي – إذا أعجبهم- لينسبوه إلى العروبة – بما فيها الأشخاص والأقوام- وما لا يعجبهم من الإسلام ،إما يفلسفونه بطريقة أو أخرى للتنصل منه أو ينسبونه إلى ..الأقوام غير العربية في الإسلام كالفرس المجوس مثلا، أو الاستعمار يتكيفون في تصوير نظرية المؤامرة الاستعمارية بطريقة مدهشة يساعدهم في ذلك لغة ذات طبيعة أدبية تخيلية في تراثها الطويل.
(وكما يرى الجميع فإن الظروف الموضوعية في هذه المرحلة ” أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين” تعتبر في أفضل حالاتها بالنسبة للمصالح الكردية منذ زمن طويل ممتد،وما على الكرد إلا أن يحسنوا قراءتها ويحسنوا استثمارها أيضا.ولكن السؤال:هل القيادات الحالية والتي استمر البعض منها في مركزه أكثر من أربعين عاما،متشربا بثقافة خاصة من مرحلة خاصة –إذا أحسنا النية بهم-هل يتمتعون بالأهلية السياسية في فهم معطيات المرحلة الحالية والتفاعل إيجابيا معها وبأفق استراتيجي وجرأة تتطلبها الظروف أحيانا وإن ذهب الأمر به-أحيانا-إلى نوع من التضحية؟.هذا ما فعله مانديلا(جنوب أفريقيا)..وما فعله غاندي(الهند) و إبراهيم لنكولن(أمريكا) وتشي غيفار(التشيلي) في كوبا ولكن كاسترو صادر جهوده لينفث في السيكار الفاخر –كقائد اشتراكي –يسعى لخدمة الكادحين.وقد اتخذ من عداوة أمريكا سياسة استراجية له للإبقاء على هيمنته على السلطة بهذه الحجة ،ويعيش في أرقى مستويات الحياة مع المحيطين به على حساب شعب يعاني منذ عشرات السنين الفقر والجوع ويغامر شبابه بحياتهم في سبيل الحصول على هجرة إلى دول أخرى طلبا للحرية والعيش الكريم. وهذا هو ديدن أصحاب الأيديولوجيات التي أثمرت أشد حالات الاستبداد في العصر الحديث.
وسنحاول تشخيص أسباب أزمة الحركة الكردية في العوامل التالية:
أولا)- التخلف العام للكرد. ويتجلى هذا التخلف في:
1- تكوين نفسي يتميز به الكردي- وشعوب الشرق عامة- ومن مظاهره: تغليب النفسي (العاطفي- المزاجي…) على العقلي ( المنطقي). تتقاطع هذه الصفة – وهي إنسانية عامة بدرجة ما أيضا- مع نتائج حالات موضوعية (أثر الطبيعة في تكوين العشائرية, أثر الحكام في تشجيع البعد السلبي في العشائرية..) ولكن – وكما سلف القول- فإننا نتحمل المسؤولية في نهاية المطاف, ويقع علينا- كأمة(شعب) كردية-عبء المعالجة…
وبالوقوف على التاريخ الكردي نكتشف في هذا الشعب(الأمة) طاقات كامنة؛ يمكن أن تتحول إلى قدرة علمية فاعلة؛ تعين على تجاوز المعيقات ( الموضوعية) إلى درجة مفيدة. فإذاً، نحن بحاجة –دوما- إلى أن نحسن تفجير الطاقات الكامنة هذه, وبأسلوب مدروس، لتعود علينا النتائج بما يفيد. وفي هذه النقطة يكمن السبب الثاني (أو ربما يكون هو الأول ) وهو:
ثانيا)- الجهل المعرفي (قديما بشكل خاص):
فعلى الرغم من الحالات العلمية الفذة, والتي ترعرعت في بيئة المجتمع الكردي تاريخيا. فقد ظلت تلك الحالات ذات طابع فردي (مثلا..أحمدي خاني-ملايي جزيري-ملا محمودي بايزيدي-فقي تيران..الخ).وكثير من هذه الحالات كانت مستثمرة في اتجاهات قلما خدمت القضية القومية-سياسيا- للكرد(محمد كرد علي،معروف الرصافي.. مجموعة علماء متدينين…). وإنني لا أقلل من قيمتها كإرث تاريخي(كردي إسلامي..), وإنما فقط لأشخص الواقع المعرفي كما كان.. أو كما هو.. من جهة. وللتأكيد على دور التكوين النفسي الكردي في حياتهم من جهة أخرى.
مرة أخرى أقول: للجهل علاقة بمؤثرات موضوعية في سياق جدلية العلاقة بين (الذاتي والموضوعي). ولكني أعود للتذكير بأنني منذ الخطوة الأولى في محاولة تشخيص الأسباب, أكدت على أن ساحة العمل لدينا-كشعب كردي(أمة) دوما هي التأثير في الأسباب (العوامل) الذاتية أساسا, ومن ثم فنحن لا نملك التأثير في الأسباب (العوامل) الموضوعية إلا انطلاقا من الأسباب(العوامل) الذاتية…!
ومن المؤسف أن الطابع الثقافي الغالب بين الكثير من الحزبيين هو طابع (سياحي) كما سماه محرر مجلة الحوار في أحد أعدادها. وهي ثقافة قال عنها الكرد في مأثوراتهم ما يوضح دورها وأثرها (( nîv textora can bi derd dan,nîv mela dîn berdan)) وترجمته:الطبيب النصف(في مقدرته الطبية) سبب المرض للجسد (أو الروح) فكلمة جان تستخدم بمعنى الجسد وبمعنى الروح أيضا-وهو الغالب- بحسب السياق، والعالم النصف(في مقدرته العلمية) أهدر الدين وأفسده.
هذه هي الحقيقة فإن المثقف النصف(في مقدرته الثقافية )قد يكون من أسباب المشاكل على كل صعيد،والسياسة أحد هذه الأصعدة،وربما أخطرها باعتبارها الموقع القيادي في حياة الشعوب.ونعني بالمثقف هنا الحزبي المثقف والمثقف غير الحزبي.
ثالثا)- تخلف صيغ العلاقات الاجتماعية. و تجليات هذا التخلف هي:
1ً- الحالة العشائرية المستندة إلى روابط كلاسيكية نفسية لم تعد تتلاءم مع ما يفترض من التطور الاجتماعي نحو علاقات أوسع، وأكثر معقولية (القومية مثلا) وضرورة أن تكون القومية أيضا منفتحة, خاصة وأن مفهوم العولمة يزداد حضورا في حياة الشعوب سواء رضيت بها أم لم ترضى..! .ومما يؤسف له أن صيغة العمل السياسي للأحزاب الكردية قد ساهمت ،بشكل أو بآخر،في إحياء الروح العشائرية في تناسق –ربما غير مقصود،وربما مقصود أيضا في بعض الحالات-مع هوى وإجراءات السلطات ..والمعروف تاريخيا أن هوى رؤساء العشائر والأغوات ومن لف لفهم هو مصالحهم التي تتقاطع مع مصالح السلطات أبدا –ما عدا حالات محدودة قد تلعب القيم الأخلاقية دورا في حياتهم. أو يتميزون بخصوصية تكوين شخصيتهم.
2ً- سيادة روح الاستسلام بتأثيرات تربوية صوفية،أو عشائرية(اجتماعية) فضلا عن طبيعة التربية السيكولوجية الاجتماعية عموما.(يقول احد المشايخ”محمد أمين الكردي ” في كتابه”تنوير القلوب”:
(( ومنها أن لا يعترض عليه( أي المريد على الشيخ) فيما فعله،ولو كان ظاهره حراما، ولا يقول لم فعلت كذا،لأن من قال لشيخه لمَ؟ لا يفلح أبدا. فقد تصدر من الشيخ صورة مذمومة في الظاهر وهي محمودة في الباطن….) ص559 .
ومن مثل هذه التوجيهات، الكثير.. والتي توجه المريد إلى عطالة العقل لديه.وعلى الرغم من أن طبيعة التصوف من حيث هدفه هو: تطهير القلوب والسمو الروحاني، إلا أن المنهج المعتمد كان وسيلة فعالة في تعطيل القدرة العقلية الفاعلة فيه، وتربية روح الاستسلام السلبية.ومعروف مساحة التصوف في حياة الكرد تاريخيا.
وفي كلتا الحالتين(العشائرية والحالة التصوفية) لم تكن العلاقة – دوما- مثالية بين طرفي العلاقة (العشيرة ورئيسها، والمريدون و شيوخهم) مما أورث ارتباكا في طبيعة العلاقة الطبيعية بينهم.في نمو الشخصية الفاعلة فكريا والمتوازنة نفسيا والحرة (فكريا ونفسيا..). والذي يهمنا -هنا – هذا الموروث السلبي في تكوين واستمرار” علاقة التبعية”، والتي تكاد تكون سمة للكردي (ضمن دائرة شعوب شرقية أخرى) فهو يبحث عن أول من يتحمل عنه المسؤولية ليستسلم إليه اتكالا، أكثر منه قبولا واعيا محسوبا، وإذا كان التطور الاجتماعي بشكل عام ،وانتشار المعرفة (التعلم) ومنعكساتها في الحياة، قد ساعدت على تقليص دور كل من رئيس العشيرة والشيخ في رفد علاقة التبعية بالنمو والانتعاش, فقد حلت الشخصية الأولى(أو بعض القياديين المتنفذين) في الحزب الكردي مكانها- بدرجة واضحة-.. في المستوى النفسي على الأقل.
وأصبح ما يصدر عنه من قول أو فعل (توجيهات, تعليمات, و قرارات…) يتخذ صفة تقرب من القداسة (الصوفية) أو التبعية الاجتماعية (العشائرية). وهذا يتنافى مع طبيعة العلاقة السياسة التي تبنى أساسا، على وعي الظروف ..وعي طبيعة العلاقة المفترضة..فالعلاقة السياسية؛علاقة طوعية، وواعية افتراضا بخلاف العلاقة العشائرية والدينية حيث أن الأولى طبيعية(علاقة دم..) والثانية علاقة أساسها المعتقد الغيبي.. (الإيمان النفسي أساسا). وكلتاهما تتأثران بالحالة النفسية أكثر من العقل.
ولابد من التذكير بأثر التعدد المفرط (الانشقاقات) في تعزيز هذا المنحى. وإن كان يشكل هذا المنحى نفسه (العلاقة السكونية بين الأعلى والأدنى دينيا أو عشائريا ومن ثم حزبيا) سببا في هذا التعدد إلى جانب أسباب أخرى..!.
أوجدت هذه الحالة في المجتمع الكردي –وغيره أيضا-مناخا, انحرفت فيه مسيرة العلاقة في الحزب؛ من الحالة الواعية لها (افتراضا) إلى مستوى التبعية للشخصية الأولى(أو بعض الشخصيات الإدارية في الحزب), والارتباط النفسي العاطفي و ألمصلحي مع باقي أفراد الحزب (نموذج جديد للعشائرية). إننا – هنا – لا ننسى أهمية دور العاطفة في تقوية اللحمة بين أفراد حزب ما(أو أية جماعة) ولكن بشرط أن يبقى العقل النشط-كنتيجة لوعي كاف- هو المهيمن في توجيهها، (ووفق مقتضى المصلحة القومية العليا “الهدف العام المشترك” والتي كان تأسيس الحزب الكردي الأول ، أساسا لتحقيقها.. و وفقا لقيم أخلاقية (اجتماعية) واضحة المعالم، وآلية تربوية ضامنة). كما أننا نعلم بأن مركزية القائد تلعب – في ظروف خاصة- دورا ايجابيا، إذا كانت فلسفته وسلوكه وطبيعة صلته بالجماهير واضحة, وموضع تقدير طوعي (غاندي مثلا في تاريخ الهند، أبراهام لنكولن في تاريخ أمريكا وإلى درجة واضحة الخالدان قاضي محمد ،ومصطفى البارزاني..في تاريخ الكرد).
رابعا)- ظروف تكوين (تأسيس) الحزب الكردي الأول(يمكن الاستعانة بكتاب صفحات من تاريخ حركة التحرر الوطني الكردي في سوريا-محمد ملا أحمد وغيره من المقالات والدراسات).
في ظروف غير ناضجة ذاتيا، و ربما غير ملائمة – بمعنى ما- موضوعيا (تاريخيا) تأسس الحزب الكردي الأول في سوريا، ولم يكن قد مضى على استقلال سوريا سوى عقد من الزمن أو أكثر قليلا، واثر سلسلة انقلابات عسكرية(حالة سياسية غير مستقرة ) في حين كانت الدول الاستعمارية تهندس لوضعية سياسية اقتصادية تهيئ لبقاء المنطقة مرتبطة بها على مدى زمني طويل…!
وكان الجهل –حينها – متفشيا في المجتمع الكردي(والسوري عموما), ناهيك عن العلاقات المتخلفة اجتماعيا(إقطاعية ودينية متزمتة…الخ) والتي لم يتحرر الكرد –بعد- منها ..!
واستجابة لانتعاش الوعي القومي في الأوساط الاجتماعية الغنية, والثقافية التي انبثقت عنها؛ تداعى بعض أبناء الكرد من الأوساط المذكورة (أغا, شيخ, بك, مثقف…الخ) لإنشاء حزب قومي كردي. ورغم كل التقدير لهم، فقد كانوا ينتمون إلى تلك الأوساط, والتي يمكن وصف الفهم للعلاقات فيها، بـ(الفهم السكوني). فالشخصية الاجتماعية ذات المركز العشائري، أو الديني.. ينبغي أن تقود سياسيا, – وبغض النظر عن مدى مناسبته- ذلك لأن طبيعة القيادة في الحالة الحزبية تختلف عن طبيعة الإدارة ( أو القيادة) في الحالات الاجتماعية التقليدية، لأن الحالة الحزبية (السياسية) المرتكزة إلى مفهوم القومية, أكثر تطورا وعمومية -كما هو مفترض-.(وإذا عدنا إلى أسماء المؤسسين يظهر لنا هذا الأمر جليا كما أن استقراء الحالة في حزب خويبون قبلهم يؤكد هذا التشخيص). نتج عن ذلك حالة قيادية أخفقت – إلى حد بعيد- في استيعاب الظروف بنوعيها (الموضوعية و الذاتية) وعلى المستويات المحلية والإقليمية والدولية أيضا نسبيا.)بدليل رفع ((شعار تحرير وتوحيد كردستان)) ولم يكن هذا الشعار ملائما لقدرتهم التنظيمية وظروف نضالهم الممكنة حينذاك –على الأقل-.
فنشأت- كنتيجة لهذا الخطأ في التنظير والتنظيم- حالة حزبية هشة تنظيميا، محورها: الإثارة العاطفية، والارتباط النفسي التقليدي (التابعي) لصالح الطبقات والشرائح السائدة (إقطاع, رموز دينية “الشيخ خاصة” برجوازية تجارية-إن صح القول- …الخ) ولم تحسن هذه القيادات – بالطبع- أن تبلور نظرية (أو أيديولوجيا) مستلهمة -أو مستمدة – من دراسة كافية للواقع الكردي، في مختلف نواحيه, وفي علاقته مع المحيط, خاصة وأنها بحكم تربيتها تفتقد الحس الاستقلالي و مستلزماته.
لذا فقد تتالت الانتكاسات في مسيرة النضال السياسي (الحزبي) على شكل خلافات، ثم انشقاقات (صراع على النفوذ) تبدأ خلافات شخصية لا تلبث أن تلبس زيا فكريا لا يخلو من اصطناع – مستوردا على الأغلب – وكان أكثرها بريقا – في الستينات خاصة بالنسبة للأكراد-, الأيدلوجية الماركسية. فبرز سبب جديد وهو:
خامسا)- النقل الحرفي لأيديولوجيات مستوردة وغير مستوعبة بكفاية.
عندما لجأ هؤلاء القادة الحزبيون أو بعض منهم إلى استيراد الأيديولوجيا الماركسية،لم يكونوا مهيئين لاستيعابها على طبيعتها،ولم يستطيعوا نقلا صحيحا لها إلى جماهيرهم (أفراد الحزب و الشعب عموما) فضلا عن عدم القدرة على ملاءمتها لظروف شعبهم في كل النواحي. لذا فقد سطحت الأفكار الماركسية، والتي هي -في الأصل – تحتاج إلى وعي خاص بها، وإعادة صياغتها، لتناسب البيئة الكردية الإسلامية بطابعها العشائري.. (الاجتماعي).
و هنا تبلورت حالة جديدة 🙁 تحوّلٌ في أسلوب التفكير والممارسة الحزبيين، من صيغ عفوية (ارتجالية) إلى محاولة الأدلجة بأدوات تعاني من نقص في كفاية الفهم، والنقل، واستعداد القبول أيضا). فنتجت إساءة على مستويين على الأقل:
آً- دعم مفهوم قدسية القائد (أو الشخصية الأولى في الحزب). وهذا استمرار لما هو موجود أصلا, ولكن في هذه المرة, بقوة أيدلوجية (علمية) تقليدا لتراث الماركسية في هذا الشأن.
بً- إيجاد رؤية سياسية مشوشة، ومرتبكة ..منعكسها خطير (نقل سيء من الحالة الخام إلى الحالة المؤدلجة) من تجليات ذلك:
1- صراع داخلي شديد ؛كنتيجة للتصادم بين الفكر المستورد (شرقي أو غربي) وبين الموروث الديني (الإسلامي خاصة) على مدى أربعة عشر قرنا, والمنعكس في شعور الكرد ولا شعورهم (الفردي والجماعي) وفي سلوكيا تهم.. وعاداتهم.. وتقاليدهم الاجتماعية …الخ. مع القابلية للتأقلم مع مستلزمات التطور العصري دينيا –كما نلاحظ هذه الأيام- إضافة إلى المؤثرات العشائرية الاجتماعية…
2- تفاعل ناقص بين الكرد – والشرقيين عموما- وبين هذه النظريات (الأيديولوجيات) المستوردة, وغير المدروسة بكفاية توفر إمكانية ملاءمتها للواقع الكردي المعاش. (والتجربة ذاتها تتكرر الآن في محاولة pkk من جهة( بعد اعتقال زعيمه أوجلان،يبدو أن اتجاها جديدا أكثر سياسية يأخذ موقعه لديه)،ومحاولة الأحزاب الدينية من جهة أخرى.
كما لا يقل خطورة من هذه الناحية محاولات بعض المثقفين والحزبيين –بتأثيرات مختلفة – عزل الكرد عن تراثهم الإسلامي-التاريخي- دفعة واحدة، وبدوافع نفسية غير منطقية..منها الحساسية من الأنظمة الإسلامية الظالمة لها في الحكم. تركيا،فارس،العرب خاصة…،بل لعل هذه الخطوة الآن تمثل الخطوة الأكثر خطورة لكونها جديدة بالنسبة للخطوات السابقة وشاغلة للفكر الكردي ..!). ولتعزيز هذا الرأي دعونا نستحضر قولا للسيد الدكتور(طيب تيزيني) المفكر المعروف ، والمدرس في جامعة دمشق، قاله في محاضرة ألقاها في المركز الثقافي في القامشلي منذ سنوات:
إن تطبيق العالم الثالث للفلسفة (الأيديولوجية) الماركسية أشبه بعمل قاطع طريق يوناني اسمه (بروكوست) كان يقيس ضحاياه بسرير لديه، فمن كان قصيرا مُطّ, ومن كان طويلا قُصّت أطرافه، وفي كلتا الحالتين كانت النتيجة إعدام الضحية.
الكرد شعب مسلم تاريخيا:

وبهذه المناسبة أرى لزاما التذكير بان الكرد شعب مسلم في غالبية نفوسه, طوال أربعة عشر قرنا من تاريخه, ويستحيل الفصل بينه وبين نتائج وضعه التاريخي هذا. وكل محاولة في اتجاه مخالف ستكون – برأيي- تعسفا لا تحمد عقباه.. على صعيد تجانسه، وانسجامه (وحدته القومية), ولا أقصد (طبعا) عودة إلى فهم قديم للدين, يلغي الشعور بالانتماء القومي, وإنما فقط لأدلل على إن إغفال هذا الجانب وإقحام صيغ غريبة عنه من التفكير والسلوك(الماركسية مثلا..)؛ كان سببا للارتباك – ولا يزال-. ويوجِد إشكالية تنتظر المعالجة… وذلك لتصحيح المسار واقعيا, وتجنب الجهد الضائع، والتناقض المؤذي, الذي انعكس حالة اجتماعية وسياسية غير متوازنة تجلت في:
(تحطيم تعسفي لمجموعة قوانين اجتماعية سائدة, وقبل التمهيد الكافي لذلك بإنضاج الظروف اللازمة. فبرز الشباب (قليلوا الخبرة). ومن الطبقة الكادحة (عمال وفلاحون) يعانون من ضعف التعلم والتفاعل). برزوا كقوة تحاول قيادة المجتمع في ظرف رؤية غير واضحة الأسس والمعالم (مستوردة) بالنسبة لهذه الطبقة على الأقل… أو الاتجاه نحو القيم الرأسمالية دون تمحيص)مما ساهم في ظهور الشخصية القيادية-أو الإدارية- التي بدت وكأنها كاريزمية استأثرت بنفوس البسطاء والأميين وأنصاف الأميين والشريحة ذات المظهر الثقافي –حاملة شهادات- والخالية من انعكاس الثقافة في تكوين شخصياتهم واقعيا..الخ.وهنا لابد من الإشارة إلى الدور السلبي للبعض في احتضان هذه النظرية اليسارية ،للتغطية على الدور الانشقاقي الذي ساهم فيه، وتبرير ذلك أيديولوجيا(السيد صلاح بدر الدين وبعض رفاقه).
ومع أنني أرى في الفكر اليساري ما هو جدير بالدراسة والصياغة ليلائم واقعنا الاجتماعي السياسي… الكردي.إلا أن ذلك لا يعني أن مسار الفكر اليساري في السياسة الكردية كان موفقا،سواء في كردستان العراق أو تركيا أو سوريا ..الخ.
كما أن التعامل الواقعي مع فكرة العلمانية التي تتجه إليها بعض القوى الحزبية ،يحتاج إلى وقفة متأنية لتحليل مفهوم العلمانية ومواءمته للظروف الفكرية والنفسية والتربوية للمجتمع الكردي لئلا تقع هذه القوى الحزبية والثقافية.. في الخطأ ذاته عندما تعاملت مع مفهوم الماركسية كمنهج فكر وعمل. ولا زال الشعب الكردي كله يدفع فاتورة الخطأ ذاك.
• فماذا كانت الحصيلة..؟
• كانت الحصيلة:
(ِصِدامٌ مع الموجود اجتماعيا( مع الواقع) من مستورَد بأيد من داخل المجتمع). فأصبحت العلاقة النضالية صراعا داخليا, يفتت ويشتت المجتمع الكردي وقواه… ويفرز نماذج أخرى من التفتيت والتشتيت, مدعمة بمنظومات فكرية مصطنعة (مستوردة) وغير واضحة المعالم , خلفت ساحة اجتماعية ملأى بالانقسامات (الانشقاقات) سياسيا واجتماعيا وحتى فكريا (فرديا). هذه الظروف شكلت خير مناخ؛ تقاطعت فيه هذه الحالة مع مناخ ثقافي سلطوي استبدادي (أيديولوجي) مما وفر الإمكانية للسلطات -بما ملكت من وعي و قدرات … وغيرها- لتسخير هذه الأفكار لمصلحتها.
وعندما انهارت المنظومة الماركسية, وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي… نشأ فراغ مؤلم, لا يزال الفكر الكردي- كغيره- يتخبط في متاهاته. فبرز سبب آخر هو نتيجة أيضا وهو :
سادسا)- ارتباك الشخصية الكردية عموما, وغموض الرؤية لديها, إضافة إلى أن ضعف الثقة بالنفس ينعكس ضعف ثقة بالآخرين من الكرد خاصة. فقد ساهمت تحولات سلبية في حياة الكرد- حاصلة وقائمة – مثلا: انهيار الثورة الكردية في العراق عام 1975 والصراع الدموي بين PDK و YNK و PKK(في الثمانينات من القرن العشرين), والتعدد المفرط في الأحزاب (الانشقاقات)…الخ. ساهمت هذه التحولات السلبية في تكوين مناخ؛ استبيحت فيه الشخصية الكردية, وأصبحت كالكرة – بلا حول- يتقاذفها السياسيون-كردا وغير كرد- بل وسهل حتى الاختراق إلى كيانها من جهات تساهم في استلابها وتسخيرها أيضا(أمن السلطات خاصة), وأصبحت هذه الشخصية الكردية- في حالات كثيرة- متهيئة لقبول قيم غريبة وضارة أيضا-للأسف- خلاصتها (ضعف القيم الروحية لصالح المنفعة الرخيصة قياسا إلى قيمة الشخصية الفردية، والشخصية الاجتماعية (القومية-الإنسانية)وقيمها الإيجابية عموما!.).
لذا لا نجد غرابة في تطلع أفراد إلى مواقع, لا تتوفر لديهم القدرة والكفاءة على إشغالها, أو في تشبث البعض بمواقع وصلوا خطأ إليها, وتنصب الجهود على كيفية تأمين ارتباط الجمهور الحزبي بهم, وكذلك الجمهور الوطني, وبأية وسيلة كانت, ودون مراعاة للنتائج السلبية التي يخلفها مثل هذا المسعى (الأناني). خاصة وأن هذا الجهد يخدم -في النتيجة – أهداف حكام الشعب الكردي،والمتمثلة في الإبقاء على حالة التخلف الكردي عموما، وكل ما يلحق به، وفي غياب مؤسسات المجتمع الأهلي (المدني) والتي يمكن أن تؤدي وظائف اجتماعية، وبمناسبة الحديث عن مؤسسات المجتمع الأهلي والمدني فإن الأحزاب الكردية في سوريا خاصة؛ تكاد تتوازى مع السلطة ذاتها في تعويق قيام مثل هذه التكوينات المجتمعية الضرورية في النظم الديمقراطية، وتسعى إلى تشكيل أشكال مسخة منها تخضع لهيمنتها، أشبه تماما بما في المادة الثامنة في الدستور الذي صاغه حزب البعث في سوريا والذي مضمونه (حزب البعث يقود الدولة والمجتمع..) لا غيا بذلك كل نشاط حر من المجتمع، وجميع مؤسسات المجتمع المدني والأهلي..ونتائجه واضحة كما يعلم الجميع.وكمثال ميداني الموقف السلبي لبعض الأحزاب الكردية في سوريا من محاولة تشكيل لجنة اجتماعية بهدف الاهتمام بالحياة الاجتماعية ومشاكلها المحتملة كأحداث ديرك المؤسفة بين بعض شباب الكرد وبعض شباب السريان وكان نتيجتها مقتل شاب كردي كاد ان يتحول إلى مواجهة لولا تسارع الجميع على تداركها،ومثل هذه المشاكل مرشحة دائما للحدوث.
فلماذا- إذاً تصر الأحزاب الكردية أن تخوض غمار تجربة أثبت الواقع فشلها ،والأحزاب ذاتها تؤكد ذلك دائما..؟!.
أن هذه العوامل جميعا وما يتصل بها.. مهدت لحالة ربما كانت قريبة من المأسوية أن لم نقل مأسوية فعلا-من الناحية السياسية على الأقل-. حيث تهيأت الفرصة لاختراقات مختلفة للحزبية, سواء في صورة شخصيات لا تتوفر فيها مستلزمات العمل النضالي, وبخاصة القيم النضالية.. أو حتى شخصيات واضحة الذبول الأخلاقي، وربما الارتباط بالشبهات المختلفة…!
فكيف يتم اتخاذ موقف (أو قرار) جاد في بيئة (مناخ) لا تضمن حفاظه.. ولا حفظ أصحابه، في جو من السرية تتطلبها الضرورة أحيانا (غياب الثقة). إن النتيجة العامة هي – و كما سلف القول- فقدان الفعالية الحزبية.. والعجز عن مواكبة الأحداث المتلاحقة سواء في التشخيص أو في اتخاذ الموقف والقرار. ومن ثم سادت حالة من اللاجدية في العمل الحزبي..!
فكيف يثمر هذا العمل الحزبي في ظروف كهذه؟!.
وكفكرة (أو اقتراح) ترتبط بهذه الحالة؛ فإن مسألة سرية العمل الحزبي أو علنيته تطرح نفسها وبقوة.. فإما سرية لازمة.. أو علنية ينبغي أن تقتحم.. ويكيف العمل الحزبي مع الحالة؛ بأهدافه.. ووسائله.. وما تستلزمه.. [إن الحركة السياسية – وكما هو المفترض – قائدة للمجتمع.
ونحن – كمجتمع كردي، بمختلف شرائحه وطبقاته- نسلِم قيادَنا إليها, وفي ممارسات لا نعلم – دوما- طبيعتها ولا نتائجها.. فمن حقنا على الحركة – إذاً- أن نتوخى وجود مجموعة خصائص في هذه الحركة ،لتوفر لنا الثقة بها – كشعب أو مجتمع أو جماهير (وطنية وحزبية)]. ومن هذه الخصائص التي ينبغي أن يتحلى بها الحزبي(في الحركة)، والحزبي القيادي خاصة: (الوعي الكافي.. الإخلاص للقضية القومية والوطنية.. الشعور العالي بالمسؤولية, وتحمل نتائجها بشجاعة نبيلة،القدرة على الاعتراف بالخطأ والعودة عنه..والجرأة النبيلة في اتخاذ القرار على أساس المصلحة القومية لا الشخصية او الحزبية الضيقة .. إضافة إلى تربية الذات /الكادر/ القيادية خاصة؛ تربية نضالية تتجلى في: التواضع مع الجماهير, الدأب في العمل والتعلم والاكتساب .. النزاهة.. الأمانة.. الخ. ويمكن قياس ذلك كله بمعيار المبادئ المعلنة المتفق عليها (الشعارات، الأفكار…) عبر إنجازات ملموسة ميدانيا ويمكن تشخيصها فعلا..! ومن ثم التطبيق العملي لهذه المبادئ، بل ينبغي أن يصبح هذا المعيار مقياسا لتطور الفرد الحزبي ضمن تنظيمه أيضا.مثلا كأن لا يرتقي أحد إلا إذا أدى عملا ملفتا في خدمة الشعب،أو لا يسمح لشخص ان يكون في موقع قيادي ما لم يتقن لغته القومية،ولا يرتقي عضو من هيئة إلى أخرى إلا بشروط كتلك..الخ باختصار:
القائد قدوة لمن يقودهم. فإذا لم يستطع تحقيق هذا المعنى في نفسه، ويكتسب بذلك ثقة الآخرين به- كفاءة – على مستوى المسؤولية، تترجم نتائج ملموسة في الواقع. إذا لم يستطع القائد ذلك.. فليتق الله في شعبه وأبناء أمته).
وإن هذه المواصفات تظهِر بوضوح, ضرورة التفاعل بين الحزبي وغير الحزبي، وبروح أخوية حميمة.. واعية لقدراتها، ومدركةً لعناصر الاشتراك في المصلحة بين الجميع، فضلا عما يفترضه الخلق المتين..!!
فهل توفرت هذه الخصائص- دوما- في حالة الحركة السياسية الكردية (الحزبية) وخاصة في السنوات الأخيرة؟

هل يعني هذا رفضا للحالة الحزبية؟
هل كل المنتمين إلى الأحزاب يقصرون.. وبالتالي هل جميع النتائج سيئة؟
بالطبع.. لا..!
وما سبق لا يعني التقليل من شأن الحركة السياسية،كضرورة نضالية.

• ففي تجربة الحركة السياسية الكردية عموما، وفي سوريا خصوصا, كثير من الغنى بالمعاني.. والمواقف.. والاستحقاقات.. ويمكن الإشارة إلى بعض منها بإيجاز..
1- تجربة الحركة السياسية الكردية، كانت ضرورة_ولا تزال_ بل هي الآن أشد ضرورة. وإذا كنت قد أشرت إلى جانب سلبي في ظروف ولادتها؛ فليس المقصد هو التقليل من قيمة الجهد والمبادرة, وإنما أشرت فقط إلى المناخ السائد حينذاك. والذي بقي تأثيره ممتدا لحالة لا تزال موجودة واقعيا..
2- حققت الحركة السياسية في الفترة الأولى نتائج تسجل لها: مثلا:
نشر الوعي القومي.. لفت الانتباه إلى قيمة الثقافة القومية (لغة, فلكلور, تاريخ… الخ).. وقدمت خدمات في هذا المنحى.. لفت الانتباه إلى وجود قضية سياسية لشعب كبير منسي (أو متناسى) في الداخل والخارج…وهو الشعب الكردي..
3- تحمّل- دوما- عدد ليس بالهين ماضيا وحاضرا, من منتسبي الحركة مشاق في صور عديدة: سجن.. نفي.. تشريد.. تعذيب.. فقر.. وموت أيضا. وكنتيجة لنضالاتهم، وصمودهم.
ليست الايجابيات – إذا- غائبة عن الذهن. ولا يمكن تجاهل ما كان في الحركة السياسية الكردية من قيمة كبيرة, ومعنى لا يزال كبيرا..! إلا أن البحث – أساسا- يدور حول إبراز أسباب الأزمة, مما وجه نحو محاولة تشخيصها، فانصبت الإضاءة – بالدرجة الأولى- على الجوانب السلبية, وجاء الأسلوب- لذلك- وكأنه يغيّب قيمة الحركة..!
النقد ذو الطبيعة العلمية – عادة- يتجه نحو الجانبين (السلبي والإيجابي). ولكن تم التركيز على الجانب السلبي باعتباره مصدر الإشكال والمعاناة. وكان الهدف هو التأكيد على أن الظواهر السلبية في الحركة,تكاد تغلب الايجابية فيها.. إلى درجة مقلقة، حتى كاد معيار الوطنية أن يتلاشى، وأصبح كل شخص يستمد تقييمه مما يستطيع فعله، على مستوى المال.. أو الجاه ..أو العلاقة – حتى- بالجهات غير المرغوبة.. في حين تتقزم القيم النضالية، ومن يمثلها أيضا- لغياب المعايير- وان استمرار هذه الحالة يعني انهيار المثل الأعلى الإيجابي لصالح مثل أعلى ممسوخ – إن جاز التعبير –

• في اهاب نداء:

إن الرئيس الروماني المستبد” نيكولا تشاوشيسكو” لم يحسن إنقاذ نفسه، ولا حماية خلفته ،على الرغم من السنيين الطويلة من الحكم الفردي والقوي.. فلنرأف بأولادنا, إن لم نشعر بقيمة أولاد الآخرين..!
ولنرأف بأنفسنا لننجيها من لعنة التاريخ ،وحقد المستضعفين (أحياء كنا أو أمواتا) وإن عودة حميدة إلى رشد سليم, خير من ركوب جامح لأهواء سقيمة(صراعات غير مشروعة مبنية على التحسس والحقد وغير ذلك..) هذه الأهواء لا تلغي الآخرين(المقابل) ولا تبني كيانا فاعلا(لا تنتج)..!!!
الأسباب الموضوعية:
قلنا في البداية بأن الأساس هو في تحريك الطاقات والقوى الذاتية، والانطلاق من ذلك في التأثير على الأسباب الموضوعية،لأن الأسباب الذاتية خاصة بنا ولدينا القدرة – إذا أحسنا التصرف- على إنضاجها واستثمارها بالشكل الأمثل. وأما الأسباب الموضوعية فهي خارجة عن مجال تأثيرنا المباشر ما لم نكن مهيئين للتعامل معها بشكل واقعي وسليم..ومن هذه الأسباب:
1- أسباب موضوعية طبيعية :كالحدود الجبلية والمائية، والمناخ المؤثر في نمط حياة المجتمعات،فشعوب الصحراء تختلف عن شعوب الجبال، وهذه تختلف عن شعوب السواحل..وهكذا..وهذه الأسباب ،إما أنها محبطة للشعوب التي تعيشها،وإما أنها محفزة لها على الحركة.فالغزوات كانت نتيجة فقر وجوع عند الكثيرين(القبائل الصحراوية عموما ومنها العربية..)،مثلما كانت القوة والغنى محفزا للتوسيع(الروم وفارس في عهود الإمبراطوريات القديمة، ومن ثم أوروبا في مرحلة الاستعمار القديم والآن أمريكا التي تحاول أن تقود العالم وفق برامجها الخاصة والتي أساسها تأمين مصالحها..).
فكيف أثرت هذه العوامل على الشعب الكردي؟
يقال منذ القديم: لا أصدقاء للكرد سوى الجبال ،فهي الوحيدة التي حمته من الصراعات المختلفة حول منطقة كردستان قديما وحديثا،وإن تقوقع الكرد – في حالات كثيرة – ضمن سلاسل الجبال التي حمتهم أدى –في المقابل- إلى تكوين نفسي في بعض عزلة عن مسار التطور الحضاري لحقب طويلة.
2- الأسباب الموضوعية الآتية من البشر كتأثيرات مختلفة أهمها:احتلال البلاد الكردية(كردستان) واستغلال خيراتها،واللعب بجغرافيتها(اتفاقية سايكس بيكو 1916) وقبلها معاهدة سيفر ثم لوزان في أوقات متقاربة، وقبلها (جالديران…) التي قسمت كردستان بموجبها بين العثمانيين وبين الصفويين.. وبعد الجميع اتفاقية آذار 1975 بين شاه إيران محمد رضا بهلوي، و الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين برعاية الرئيس الجزائري السابق هواري بو مدين…والتي بسببها انهارت الثورة الكردية بقيادة البارزاني ولكتها عادت فاستأنفت مسارها فيما بعد حتى وصلت إلى ماهي عليه اليوم.
وربما يمكننا أن نضيف إلى أن هذه النتائج كلها ما يعود إلى دور غربي (صليبي) منذ أن قام صلاح الدين الأيوبي بطردهم من بيت المقدس.في معركة حطين المشهورة.
بل ولا بد من الإشارة إلى دور الدين الإسلامي كعامل موضوعي –ذاتي سواء لجهة سلبية بوضع الكرد في مواجهة مع الغرب وسعي هذا الأخير لإضعاف القوة الكردية المهددة لمصالحه –بحسب نظرته- فكانت اتفاقية سايكس بيكو المقسمة لكردستان،أو لجهة جوانب إيجابية بانتقال الكرد إلى دين التوحيد السماوي وما كان من نتائج ذلك من المساهمة في الحضارة الإسلامية عبر المشاهير من أبنائها ومنهم صلاح الدين ..
في واقع الحال ،فإن كل منطقة الشرق الأوسط هي تحت واقع تقسيمي يتناغم مع المصلحة الغربية (الأمريكية خاصة..)،والدول المنشأة هي وجدت وفق الحال التي لا تزال عليها حتى اللحظة.وإن بدا مشروع جديد بتسميات مختلفة-الشرق الأوسط الجديد،الشرق الأوسط الكبير..الخ.الفرق الوحيد هو أن الاستعمار السابق كان أوروبيا والآن هو استعمار أمريكي.
وفي هذه المرحلة فإن الكرد يواجهون فرصة ممكنة إذا أحسنوا التصرف مع المستجدات بأسلوب فيه واقعية، ولكن ينبغي أن يحافظ على منظومة قيمية كردية اجتماعية تسمح للشعب الكردي أن يبقى محتفظا بخصوصية تراثه وثقافته المتجددة والمتفاعلة مع معطيات التطور العصري(هويته الثقافية المميزة كمجتمع كردي مسلم منفتح على معطيات التطور المستمر..)..وهذه مهمة يجب أن تشترك فيها كل القوى الحيوية للشعب الكردي (السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية خاصة والفنية…الخ) وإيجاد آليات عمل لتفعيل هذه القوى الحيوية للكرد،ضمن نسق متناغم يتحقق فيه ما يسميه الفيلسوف الألماني((روح الأمة)) ويعني بها التقاء أفراد الأمة على المسارات الأساسية في الحياة –مهما كانت-.
وربما كان هذا الأمر يلقي بمسؤولية كبيرة على عاتق القيادات السياسية والتي لا يبدو أنها –في الوقت الحاضر –تتمتع بالأهلية لهذه المهمة الشاقة،مادامت لا تفكر سوى بالكيفية التي تبقي بها على مواقعها الحزبية الضئيلة- واقعيا- وهذا دليل انحدار في الطموح السياسي لديها- ولقد تحررت القيادات الكردستانية العراقية بدعم أمريكي من هذه الحال،نسبيا، ومع ذلك فالمشوار أمامهم لا يزال طويلاً؛ لينعكس الأمر حالة اجتماعية سياسية ثقافية اقتصادية .. متكاملة،واقعيا. أي تشكيل منظومة حياتية متكاملة تنطوي على المعطيات الواضحة للتطور في كل جوانبه(تكوين مجتمع حضاري..).
ويمكن أن نشير إلى دور السلطات عبر الأساليب الأمنية المختلفة في التأثير على واقع الحركة السياسية الكردية(الحزبية) خاصة في سوريا،إضافة إلى الإجراءات الاستثنائية في التعامل مع مواطنيها الكرد وهي كثيرة ومعروفة؛ نشير فقط إلى الإحصاء الاستثنائي العنصري 1962 والتي رتبت عليها مشروع الحزام العربي العنصري..ناهيك عن عشرات التصرفات المؤذية وتحت عناوين مختلفة.وآخرها وليس أخيرها،ما يتردد من محاولة إسكان عائلات عربية جديدة تجلب من الشدادة أو غيرها، في أراض كانت أصلا لفلاحين كرد انتزعت منهم تحت تسميات مختلفة منها(تسمية مزارع الدولة )والتي حلّت فيما بعد، لعدم جدواها الاقتصادي بسبب فساد العاملين عليها(المسؤولين) وانعكاس الفساد في سلوك الجميع.وربما سيكون سلوك الأحزاب حيال هذا الإجراء الظالم والمتجاوز لكل قوانين العدالة الإنسانية،ربما يكون سلوكها اختبارا لمصداقيتها كأحزاب تزعم القيادة والحكمة والغيرة على مصلحة جماهيرها ،واختبارا لطبيعتها النضالية التي تظل تصف نفسها به باستمرار. ..
ربما كانت هذه هي العوامل(الأسباب الموضوعية) الأهم بعجالة كما قلنا في السابق.

• آفاق الحل.. أو ما العمل ؟

في البداية لابد من التذكير ببعض ملامح الواقع الراهن, والذي يختلف عما كان عليه الواقع الكردي في الماضي ومن جميع جوانبه:
1- الانتشار الأفقي للمعرفة( في كل بيت تقريبا) متخطيا مختلف الحواجز. ودون إغفال التفاوت في المستويات وأسبابه في العموم. وذلك نتيجة – لعوامل مختلفة وكثيرة (المدارس, الصحف والمطبوعات المختلفة, وسائل الإعلام المختلفة, المواصلات والاتصالات المختلفة وعلى رأسها أجهزة الاتصال الحديثة كالكومبيوتر والانترنت..)
2- جماهيرية التعامل مع السياسة,وكنتيجة للمعطيات السابقة الذكر,ولتوفر(هامش ) ديمقراطي محليا، والأصح أن نقول (هامش) من الحرية (أو غض النظر.. ) وهذه كلها مرتبطة بظروف مواتية ذاتية (وطنيا) وموضوعية (عالميا). وفي كل الأحوال. فإن مناخ الحرية في ممارسة السياسة كرديا ووطنيا سوريا, أفضل مما سبق وإن كان هناك تحفظات في تحديد وتشخيص عناصر هذا المناخ.
3- وفرت العوامل السابقة, الإمكانية للتفاعل بسهولة أكثر:
آ- مع النفس: بناء الذات باستثمار طاقاتها, بوجود مستوى معرفي كمعطى, وبأدوات معرفية ميسرة سبقت الإشارة إلى بعضها, عندما تتوفر الإرادة لذلك.
ب- مع المحيط الوطني- الكردي والعربي وغيرهما- إذ تضاءل دور المقدس من المفاهيم السياسية, بل والرموز السياسية أيضا بدرجة ما وتوفرت الأرضية لتبلور الحوار كصيغة تعامل وتفاعل (على مستوى المثقفين أو بعضهم على الأقل).
ج- مع المحيط العالمي, وخاصة بعد الحرب الباردة, ونشوء مفاهيم جديدة (نظام عالمي جديد مرتكزه شعارات: الديمقراطية, والحرية, وحقوق الإنسان..الخ ومفهوم العولمة, حوار الحضارات والأديان…الخ). وكذلك فإن تطور التقنية – وخاصة الكمبيوتر وآثاره وخدماته المختلفة ساهم في تسهيل التواصل الإنساني عالميا, وإضاءة الزوايا المظلمة في البلدان التي كانت تضرب طوقا من حديد على شعوبها (الموبايل, الانترنت, مراسلون عبر الأقمار الصناعية…)
4- هذا الاتصال وقبول مبدأ التحاور، سهلا البحث عن الحلول للمشاكل المختلفة, وصياغة تصورات جديدة للعمل- وبـ آفاق تفجر الأحزمة الضيقة للتفكير !!!-. بعبارة أخرى: العوامل الموضوعية عموما- وبدرجة جيدة- إضافة إلى عناصر كثيرة من العوامل الذاتية, توفرت الآن للقيام بنوع من التقييم الشامل لكل ما يتصل بالحركة السياسية الكردية (الحزبية).

المطلوب إذا:
إيجاد آلية حيوية فعالة لممارسة هذا التقييم من جهة, وإيجاد آلية (صيغة) لتفعيل الحركة من جهة أخرى. وذلك ليحسن أداؤها لمهمتها النضالية السياسية لتحصيل الاستحقاقات.
وبتقديري. فإن المعنى العام للنضال السياسي هو: العمل على تطوير الحياة في جميع نواحيها، لتقترب بالإنسان من نمط حياة مرجوّة، ولا نقول سعيدة. ولكن كيف؟
بالتأكيد ليست الإجابة سهلة: ولا يمتلك أحد مفتاحا سحريا للحل.!
ولكن- برأيي- على الجميع-أحزابا وبمبادرة منها،فعاليات ثقافية ،وفعاليات اجتماعية-ضمن معايير مدروسة في اختيارها- على الجميع بذل الجهد في إطار من:( التحاور والتشاور والتعاون حضاريا). وذلك لـ:
– تلمس عناصر أولية في صيغة اقتراحات, نابعة من أرضية التجربة والآفاق.. تطرح للمناقشة.. – استخلاص الأفضل منها. -ولإطلاق الحريات آثارها، وخاصة الحرية الفكرية والثقافية عموما.. وقد يخطئون..! وقد يصيبون..!
ويبقى دوما التمييز بين الحالتين (الخطأ والصواب) كثمرة للتحاور والتشاور والتعاون حضاريا (أي بعقلانية وروحية ايجابية بناءة…).
[بالمناسبة هناك نظرية تربوية اسمها(نظرية التعلم بالخطأ)وتعتمد في مناهج بعض المجتمعات إلى جانب نظريات أخرى مختلفة.فلماذا لا نستفيد نحن أيضا منها؟!].
وهنا لابد من التذكير ببعض المحطات في تاريخ الحركة السياسية الكردية في سوريا (الحزبية) كانت مظاهر للفشل في جهود مبذولة في هذا الاتجاه, وهو( تفعيل الحركة السياسية الكردية)عبر توحيد جهودها، منها:
1- محاولة التوحيد بين الحزبين الوحيدين(اليسار واليمين كما كانا يشتهران كتسمية وإن لم تكن مرضية لطرف منهما) وذلك، في المؤتمر الوطني الكردي عام 1970 والذي عقد في كردستان العراق، و بإشراف من رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق قائد ثورة أيلول 1961 المرحوم / مصطفى البارزاني. ومما يؤسف له إن هذه المحاولة قد فشلت – وللأسباب التي عددناها سابقا وخاصة تركيبة القيادة الحزبية -, ومن ثم أثمرت حالة جديدة هي نشوء حزب ثالث باسم (القيادة المرحلية)، ثم باسم (الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا)، بعد عقد المؤتمر الحزبي الأول في كردستان العراق أيضا عام 1972. (وقد استند على هذا الحزب،السيد محمد نذير مصطفى سكرتير عام البارتي،لاعتبار حزبه استمرارا للحزب الكردي الأول،وأذيعت مقابلته في كردستان تي في. خلال شهر حزيران لهذ العام، ونسجل عليه في هذه المقابلة انه لم يشر إلى اسم السيد حميد درويش باعتباره من المؤسسين للحزب الكردي الأول،إن مثل هذا السلوك يشير بوضوح إلى البعد الذاتي المتحكم في قيادات الأحزاب الكردية بمحاولة تجاهل أحداث تاريخية لا يمكن تجاهلها بأي شكل،ولا يقصّر السيد حميد درويش، أيضا في فعل ذلك، وخاصة في الاحتفال( باليوبيل الذهبي للحزب)والذي أوحى فيه وكأنه وحده (أو حزبه وحده)-وهو يختصر حزبه في شخصه باعتباره السكرتير الوحيد لهذا الحزب منذ أكثر من(40) أربعين عاما(تماه بين شخصه وبين حزبه)- هو ممثل وامتداد للحزب الكردي الأول،وهي مغالطة مقصودة ومضللة .. .بل إنه في كتابه “أضواء على الحركة الكردية في سوريا” يعزو إلى نفسه يقظة النضال السياسي على مستوى كردستان كلها..ولمن شاء فليعد إلى هذا الكتاب ليطلع على مدى ما خص نفسه فيه من تمجيد لا يؤيده الواقع. كما يفعل ذلك باقي القيادات في اعتبار ذواتهم امتدادا للحزب الكردي الأول،ودون أن يستطيعوا جميعا الإشارة بوضوح كاف إلى انجازات ملموسة ومؤثرة فعلا، في العملية النضالية السياسية في هذا التاريخ الطويل لأحزابها..!!
2- فشل المحاولات السابقة لتأطير نضال أطراف الحركة في صيغة ما: (توحيدية, تحالفية…الخ) ونذكِّر -في هذا السياق- بفشل المحاولة التحالفية السابقة, وبالإيقاع البطئ جدا في العمل التحالفي القائم، وكذلك في حالة (الجبهة الكردية الديمقراطية في سوريا) وذلك لأن الدافع إلى هذه الأطر مرتكز إلى واقع الحالة القيادية (الحزبية) والذي شخصنا جزءا منه على الأقل، فيما سبق. وبالتالي فإن حالة التنافس والصراع -أو الشعور بالضعف الحزبي -..هي التي أوحت بهذا التأطير, وليست الجدية القائمة على متطلبات الأداء النضالي وظروف المرحلة ومتطلباتها.. بدليل أن الحالة الجديدة لم تجدد النبض في الحياة الحزبية النضالية كما يجب, كما أن إيقاع العمل يرتبط بظروف التنافسات والصراعات.. وكأقرب مثال يحز في النفس: التجاذب الحاصل حول الشخصية الوطنية المتوفاة في الفترة الأخيرة الشاعر/ تيريز/ رحمه الله و كذلك الموقف من المرحوم درويش ملا سليمان (درويش جوهيري) -وهو من المساهمين الأوائل في تأسيس الحزب.
وفي هذا السياق ،لا بد من الإشادة بمحاولة التأطير الأخيرة بين كل من: التحالف،والجبهة،والتنسيق،في توحيد( الرؤية المشتركة) في الربع الأول من عام 2007 ،ولكن الإشادة مرهونة بمدى التقدم الفعلي،فهناك محاولات عديدة بذلتها الأحزاب الكردية في سوريا ولكنها قلما بلغت المستوى المرجو فيها ، بسبب عدم الجدية من جهة، وعدم توفير عناصر الثقة ببعض من جهة أخرى، بسبب التركيبة المشار إليها للقيادة الحزبية الكردية في سوريا بشكل عام..!.).
3- صعوبة الظروف التي ترافق أي مسعى للجمع بين الأطراف (جبهة وتحالف, أو حزب و آخر، ولا تزال تجربة محاولة الجمع بين أحزاب التحالف وأحزاب أخرى( الجبهة فيما بعد) للحوار حول إنشاء مجلس وطني كردي حية في الذاكرة) فكان أن أعلنت بعض الأحزاب مع بعض الوطنيين المستقلين صيغة سميت ” المجلس العام التحالفي” جاءت التجربة أقرب إلى الشكلية منها إلى حركة فاعلة تساهم في تحريك الواقع الراكد للحركة السياسية (الحزبية). لا تزال هذه التجربة طازجة – وبغض النظر عن المسبب في الفشل – فبرأيي ليس الأشخاص فقط هم السبب.. بقدر ما هي التركيبة القيادية الحزبية, وأسلوب التربية الحزبية القائم على محورية الشخصية الأولى، ومن ثم تربية الأعضاء على هذا النمط الذي يحرمهم فرصة بناء الشخصية المستقلة فكريا، ضمن الحالة الحزبية عموما( أي آليات العمل ضمن التركيبة الحزبية والقيادية فيها بشكل خاص). وإن هذه الحالة –واقعيا- لا تتجاوب مع معطيات التطور والتغيرات الحاصلة في العمق (عناصر التكوين النفسي الاجتماعي للكرد…) ولقد أحسن السيد عبد الحكيم بشار في أحد لقاءاته- وبعض مقالاته- بقول ما معناه : إن هذه المرحلة من العمل السياسي تتطلب قيادات جديدة ومؤهلة ،تستوعب الظروف المستجدة..!
نخلص إلى نتيجة وهي:
العجز الأكيد للحركة السياسية الكردية(الحزبية)عن القيام بمعالجة أزمتها ذاتيا، وبالاعتماد على نفسها كحركة (أحزاب)، استنادا إلى التجارب المذكورة، وغيرها..والتي تمتد إلى أكثر من ثلاثين عاما،ولئن حققت ذلك نظريا فالتجربة علمتنا عجزها عن التطبيق، وهذا ما نخشاه بالنسبة إلى وثيقة ((الرؤية المشتركة)) المتفق عليها قبل شهرين، أيضا.
ونستنتج من ذلك:
ضرورة وجود صيغة تفاعلية بين الحركة (الأحزاب) وبين الفعاليات الوطنية الكردية ذات الإمكانيات و الخصائص المفيدة (الثقافية.. التجربة السياسية الناضجة.. الخبرة الحياتية الواضحة…) تساهم في تفعيل الجو السياسي والحزبي (كرديا) ولقد مورست هذه الصيغة – بمعنى ما- في أكثر من ظرف:
آ- لجان جمع التبرعات للجبهة الكردستانية العراقية, أثناء الانتفاضة عام 1991
ب- لجنة المساعدة لإيجاد مخرج من أزمة الترشيح في انتخابات مجلس الشعب الدورة السادسة / 1994/
ج- المجلس العام التحالفي القائم من مجموعة أحزاب ومجموعة شخصيات (تعتبر مستقلة) وإن كنا نتحفظ على الأثر الفاعل له ..ولكنها تجربة تدل على إمكانيات..
ولأحزاب أخرى بعض تجارب أيضا..
هذا يعني أن الإمكانية في هذا الاتجاه التفاعلي (الحزبي و اللاحزبي (أي الوطني المستقل )) موجودة، وبدرجة يمكن تحقيقها – إذا توفر المناخ لها- وما على الجميع إلا تفعيلها. وبطبيعة الحال فإن الحركة (الأحزاب) مدعوة إلى تقديم تنازلات لإنجاح هذا المنحى التفاعلي والتعاوني أيضا- خاصة وأن الحركة هي القائدة السياسية أساسا-.
ولولا أن مناخ الحوار لم ينضج مرة أخرى بسبب التركيبة النفسية للحالة الحزبية والقيادية فيها خاصة, فقد كانت المحاولة التي قام بها جمع من الوطنيين (اللا حزبيين) للجمع بين الأحزاب المختلفة, وبقصد إقلاع مشترك في تأسيس / المجلس الوطني الكردي / كانت هذه المحاولة فرصة جيدة ولكنها لم تستثمر وللأسف.(هذه المحاولة استمرت لأكثر من عامين وربما أكثر..خلال 2001 و 2003). إلا أن الإمكانية لا تزال موجودة، وربما مع حظ أوفر بوجود نوع من الصيغة التي يمكن الاستفادة منها في خطوات دبلوماسية، يعتمدها الساسة عادة لمعالجة الإشكالات الشكلية بينهم .هذه الصيغة هي/صيغة الجبهة وصيغة التحالف / إذ يمكن تشكيل وفود كل منها بدون تسمية تبعث على الحساسية, كما يمكن توظيف اسم/ الجبهة والتحالف والتنسيق / بتجاوز مشكلة الأسماء المتشابهة لبعض الأحزاب(حزبان باسم:الحزب الديمقراطي الكردي…البارتي،وحزبان باسم الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي … ، إضافة إلى إمكانية الاستفادة من شخصيات وطنية حيادية (لا حزبية) تكون مقبولة من الأطراف للقيام بدور مشابه لما قام به السيد /عزيز محمد/ في الجلسات الحوارية بين ( PDK, YNK) في كردستان العراق. والتي أنتجت توافقا مقبولا بين الطرفين بمساعدة عوامل أخرى ساهمت في ذلك.
(المشكلة أن الأحزاب الكردية في سوريا تتحسس من مساعي الوطنيين المستقلين للعب دور مبادر في هذا المنحى مع أن هذه الأحزاب تلجأ إليهم –دوما- عندما تحتاج إلى مساهمتهم (جمع تبرعات عام 1991،مشكلة اتخاذ قرار بشأن عدد المشاركين في الترشيح لمجس الشعب دورة 1996 ….) وهذا ذاته دور فيه غرابة،الخصوصية الحزبية بلغت لدى الأحزاب درجة التفاضل على جماهيرها والتعالي عليها،ولي تجربة بهذا الخصوص عندما قال احد المسؤولين:
((قال لي أحدهم (…) هل تعرف لم َ انتسبت إلى الحزب؟ قلت لماذا؟ قال:لكي لا أبقى في الشارع مثل ال(…)(وصف مؤلم ومتعال …) . ولقد حاججت هذا المسؤول بالقول:
لماذا هذا التمايز الحزبي على الجماهير؟
أليست الجماهير هي مصدر زخم أنشطتكم في نوروز السنوي؟ و في الانتخابات كل أربع سنوات؟وفي أنشطتكم الروتينية (قراءة المنشورات وحضور الندوات والمنتديات والحفلات..؟ والمساهمة في تمويل حركاتكم وأنشطتكم؟ بل وكم من المستقلين في السجون مثلما يكون الحزبيين…!!
ونذكّر بان سجن قياديي الحزب الديمقراطي الكردي(البارتي) عام 1973 كان مترافقا مع سجن مجموعة مستقلين حينها، منهم السادة خالد مشايخ وعبد الله ملا علي،ومحمد ملا فخري..وقد قضوا الفترة نفسها في السجن حوالي السبع سنوات أو أكثر. ومنذ انتفاضة 12 آذار 2004 سيق العشرات بل الألوف من غير الحزبيين إلى السجون..ولا يزال الكثيرون قابعين فيها من المثقفين..
بتقديري كل من لم يستحب لمحاولة تأطير النضال السياسي للحركة (الأحزاب) في هذه المرحلة. فإنه يضحي بالغالي من أجل الرخيص, وبالمهم في سبيل الأقل أهمية- وبالتالي فإن الواقع الذي يكون فيه- ومهما كان- لا يرقى به واقعيا وتاريخيا إلى ألمصاف الذي يوصله إليه ،فيما لو استطاع الخروج من هالته النفسية التي يتخيلها ذات شأن..
وطبعا لم يعد ينطلي على الجماهير ادعاءات مستمرة بالاستعداد لتوحيد الخطاب والجهود..فقد أصبح ذلك معزوفة مشمئزة ينبو عنها سمع الجماهير بعد فقد أصحابها مصداقية التطبيق لما يقال.بل وكان مهمة البعض هو فقط تضليل الجماهير التي يظن فيها بلها وبساطة.(لعب بعقول الجماهير).
وإذا كانت هذه الخطوة (توحيد الخطاب والأداء السياسي) صعبة على الحركة.. فتكون الصعوبة ، بالنسبة للحالات القيادية. وأما الحالات غير القيادية ،أو حالات قيادية دنيا خاصة، والجماهير الحزبية, فلا أدري ما السبب لديها في الحكم على نفسها بالدوران في فلك الغير، ودون النمو والارتقاء إلى ما يمكن أن يعطيه قيمة نضالية خلاقة، أخلاقية – على مختلف المستويات- مع توفر الإمكانيات لأن تكون فرصته قائمة كعضو في الحزب في مرحلة من نضاله، و يمكن أن يبلغ مستوى ما من القيادة في مرحلة ما …إذا أحسن تربية نفسه, وأحسن في اختياره لمواقفه ومواقعه, وأحسن المشاركة في انتخابات المؤتمرات بوعي واستقلالية ومصداقية الوطنية(القومية)..أو على الأقل أن يكون إنسانا ذا شأن في حياة فاعلة، و خاصة في المستوى النضالي السياسي الأشرف.
أواخر حزيران 2007
……………………………………………………………………………………………………………………..
منشور في موقع ولاتي مه
http://www.welateme.net/erebi/modules.php?name=News&file=article&sid=2291#.XmeNPXLXLIU

المزيد من المقالات