المناشدة

المناشدة
محمد قاسم(ابن الجزيرة)
Sunday 19-08 -2007
بادر الأستاذ دهام حسن إلى مناشدة الإخوة في الكردايتي(وفي الإنسانية أيضا) لعدم الانجرار إلى أسلوب تكون فيه المهاترات والديماغوجية أساسا للحوارات الجارية على صفحات الانترنيت..-سواء بين الحزبيين او المثقفين…- ويبدو أن المناشدة تجد طريقا لها إلى نفوس بعض القراء والكتاب-ربما أغلبهم- فقد أثنى عليها السيد قهار رمكو –احد الكتاب في المواقع الكردية خاصة-كما ذكرها السيد كجل حسن في سياق مقال له بعنوان” كي لا تنطفئ قناديلكم “. بل وأعلم يقينا،بان هذه المناشدة تعبر عن لسان حال الغالبية الكاثرة من المثقفين والوطنيين –حزبيين وغير حزبيين-والغيورين عموما على مصلحة الشعب والوطن معا…ولكن..!
وجدت أن البعض فهم المناشدة وقفا للممارسة النقدية ،وللحوارات المتبادلة بين المختلفين في الرؤى والفهم والتنظير والتحليل…خشية الوقوع في المهاترات –وهذا هاجس مشروع لديهم-ولكني وجدت في هذا الفهم –برأيي- خطا لا ينبغي أن يقع فيه المثقفون والكتاب وذوي الوعي عموما..
فالمطلوب ليس وقف النقد والحوار، بل الارتقاء بهما إلى مستوى الإنتاج الفكري الراقي والمبدع والمصلح…(من لا يعمل لا يخطئ) ولكن الذي يعمل ينبغي أن يستفيد من أخطائه فلا يستسيغها ولا يكرر الوقوع فيها،فينطبق عليه ما حدث مع أحد الذين احتجوا لدى مدير الشركة بالقول:لقد خصصت علاوة لكل زملائي، ولكنك لم تخصص لي علاوة مع انه لي تجربة 16 عاما..! فرد المدير بهدوء:بل لك تجربة سنة واحدة تكررت 16 عاما.
فدعونا نسعى لنمتلك تجربة متجددة ومتطورة باستمرار،لا أن نمتلك تجربة عام تتكرر كل عام بدون تطوير..!
النقد هو الوسيلة الوحيدة للارتقاء بالمستوى في كل قضية..ففي النقد يكمن تشخيص الأخطاء وتسليط الضوء عليها ليدرك ذلك المخطئ والمتابع له معا،بل ولإنشاء ثقافة نقدية يكون التحليل العقلي والحكم العقلي (المنطقي) هما الأساس في فهم وتشخيص الأمور –مادية أو معنوية-
ولو عدنا إلى تحليل أسباب التقدم لوجدنا النقد الحر كان السبب الأساسي فييها ،سواء من الجانب السياسي أو الاجتماعي أو العلمي(التكنولوجي)…الخ. شاهدُنا في ذلك المجتمع المتقدم (الغربي-أوروبا وأمريكا …).
وإن غياب حرية النقد في البلاد المتخلفة (والعربية منها ..)هو سبب ما هي فيها من تخلف..هذه قضية ،لا أظن أن فيها خلاف..
ماذا نريد إذا؟
بتقديري –وبحسب فهمي المتواضع- المطلوب هو الارتقاء بالنقد..وبالحوار أيضا-أسلوبا ومضمونا..-
وطبعا لا يمكن أن يتحقق ذلك ما لم نرتق بقوانا العقلية والعلمية والعاطفية والنفسية عموما..
باختصار،الارتقاء بشخصيتنا..-والقراءة المستمرة والمتابعة المستمرة من وسائل تحقيق ذلك-
عندما تنضج الشخصية ينضج ما يصدر عنها من قول ومن فعل..بل وتنطلق الشخصية –حينئذ- في تصرفها، من واقع الشعور بالمسؤولية بكل أبعادها الأخلاقية والقانونية والقومية والوطنية والإنسانية ..يعبر عن هذا المعنى مثل عربي يقول: (الإناء ينضح بما فيه). والكرد يقولون: فلان يحب –أو يحترم –ذاته(filnkes hijxwe kiriye ).ولذا فسلوكه مدروس ومحسوبة مبادئه وعواقبها ونتائجها..
إذا تكوين الشخصية هو الأساس في مثل هذه الحالات..
أما الشخصية التي لم تبلغ – بعد- مرحلة النضج، فهي تحاول وهي تجرب-وهذا حقها – ولكن .. عليها أن تستفيد ممن هو أكثر نضجا –في أي ميدان-يقول المثل)أكبر منّك بيوم أعلم-أو أخبر-منّك بسنة).
التفاعل بين المبتدئ والخبراء أمر لا بد منه لمن يريد أن يكبر وان يصبح فاعلا في مجتمعه، ولكنه يجب أن يتحلى بصبر كاف ليبلغ ما يريد..
والحوار هو الوسيلة الوحيدة لتفاعل صحيح بين العقول والنفوس..
فلو لم يوجد حوار،كيف ستكون التفاعلات الفكرية والاجتماعية والسياسية …الخ
الحوار بديل عن الصخب الانفعالي، والعراك بالأيدي، حيث يغلب الانفعال ويقل دور العقل والتفكير،والحوار بديل عن القتال بالأسلحة المختلفة –كبيرة أو صغيرة،قاتلة أو جارحة،أو مشوهة-يقول مثل غربي (إن صوت أفعالك عال لدرجة أنني لا أسمع أقوالك) ينبغي-إذا- أن يكون اتجاه القول والفعل لدى الإنسان واحدا،لا أن يقول شيئا ويفعل شيئا آخر،ويظن ذلك شطارة –كما يعتقد البعض- وطبعا في هذا الأسلوب تجاهل لاحترام فهم الأخر وحقه أيضا،وهذا ما تفعله النظم السلطوية في المجتمع المتخلف وبالتالي تبقي على التخلف في شعوبها دائما، بالقول بخصوصية الشعب والظروف ،ولم يحن الوقت بعد،ولم تضج الشعوب بعد لاستقبال مثل هذه الخطوات..الخ. وقس على ذلك أي حالة مشابهة..ومنها سلوك غالبية الأحزاب الكردية في شخوص بعض المسؤولين فيها.
يقول احدهم أنا حزبي منذ عشرين عاما ويأتي هذا ليناقشني بدون تقدير عمري الحزبي..!
وعلى الرغم من أن العمر الحزبي ينبغي أن يكون مليئا بالخبرة السياسية ،ولكن الواقع يخالف ذلك في حالة أغلب الحزبيين لدينا،فهم خلال هذا العمر، لم يقرؤوا ،ولم يخوضوا نضالا عمليا ينضج تجاربهم في السجون والمعتقلات، أو الهروب والعمل الدءوب..بل غالبا ما اقتصر أداءهم الحزبي على أعمال روتينية لا جديد فيها حتى على المستوى النظري..خاصة أن الكثيرين منهم أشباه أميين، ولا يريدون أن يعترفوا بان واقع الشعب الكردي قد تغير،وان حملة الشهادات –المثقفين- كثروا ، وان الفضائيات والانترنيت والهواتف النقالة جعلت العالم-وليس الوطن وحده- أشبه بمدينة صغيرة …!
الحوار-إذا- وسيلة التفاهم والتخاطب الراقي للوصول إلى الصيغة الممكنة تشاركيا للعمل في إطارها،والسعي إلى إيجاد صيغ تشاركيه للمسائل التي لم يتم الاتفاق عليها بعد.هذا هو منطق المجتمعات المتقدمة،والذي غلّبت الوعي والشعور بالمسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل مستفيدة من عبر التاريخ –حلوها ومرها-
دعونا نقارن بين أسلوب الغربيين في الحوارات وعقد الاتفاقات لحل المشكلات فيما بينها ماذا نجد؟
اجتمع ممثلوا الدولة الفلانية والدولة الفلانية ….وقد اتفقوا على حل القضية الفلانية والفلانية ورحّلوا القضايا العالقة وهي….إلى موعد لاحق –ربما شهورا وربما سنوات-.
بهذا المنطق عالجوا ويعالجون مشكلاتهم.
أما أسلوب المجتمعات المتخلفة ومنها –الكرد والعرب وغيرهم-فيكون:
اجتمع ممثلوا الدولة الفلانية والدولة الفلانية (أو الحزب الفلاني والحزب الفلاني) ولكنهم لم يتفقوا، فعاد كل وفد إلى بلده.وبعد سنوات ربما تجري المحاولات لمعالجة هذه القضايا ولكن المشكلات تبقى عالقة، والحلول تصبح صعبة، ويبقى الخلاف مزمنا، ولا يدري سوى الله تعالى متى ستجد حلولا لها.لماذا..؟ إذا لم تـأت حرب تأكل الأخضر واليابس-حرب العراق وغيران في الثمانينات من القرن الماضي،مشكلات دارفور وجنوب السودان،الحرب الكردية العراقية خلال الستينات …الخ. وأخيرا ماذا كان؟
قال احد مفكري مصر: نحن أممنا المصانع ووزعنا الأرض على الفلاحين بحسب مبادئ ثورة يوليو 1952،والآن نعود إلى إعادة الملكية الخاصة(الخصخصة) فماذا كان انجازنا خلال خمسين عاما إذا؟ ويريد أن يقول إننا ندور حول أنفسنا ولم نحقق تقدما في مجتمعنا ووطننا ..!لماذا؟ ببساطة لأن تحكم آراء البعض من الاستبداديين-الأنظمة الشمولية خاصة- في تقرير مصير الوطن سيؤدي الى هذا المصير..!
وقانا الله من داء الدوران حول الذات ..فنتيجة الإصابة به هو الدوخة ثم الوقوع في النهاية .
لنعد إلى الإجابة على السؤال،لماذا يتقدم الغربيون ونتأخر؟ فنقول:
ببساطة ،لأن المجتمع المتقدم –عبر النقد والحوار الحر –توصل إلى آليات وطنية ،ومنطقية تعتمده القوى النشطة فيها –السياسية أو الاجتماعية أو العلمية..-وبالتالي المعايير موحدة لديها تحت عنوان هو القانون والمنطق ..
أما المجتمع المتخلف فالمعايير لدى أبنائه أيديولوجياتهم،وخصوصيات تفكيرهم ،وقناعاتهم الشخصية وانطباعاتهم –غير العلمية ولا الواقعية ..-باختصار سيطرة الروح الذاتية –وهي عنوان تخلف طبعا- على رؤاهم وأساليبهم في الحياة وفي العمل.
أنا اشكر هؤلاء الإخوة-المناشدين- على غيرتهم ،وعلى شعورهم بالمسؤولية تجاه أبناء شعبهم ووطنهم،ولكني اهمس – بود- في آذانهم :الأساليب الواقعية والعملية هي التي يمكن أن تنفع لتحقيق ما يريدون تحقيقه،أما المخاطبة المشاعرية فقد تحرك الوجدان لبعض فترة ولكنها لا تشكل وسيلة للإصلاح ما لم تتشكل الشخصية الناضجة بكل أبعادها، لتحسن الأداء فيما يطلب منها..فهما ..وعيا..صياغة..تطبيقا..!
………………………………………………………………………
منشور في موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=8380

المزيد من المقالات