الكردي بين أن يكون حزبيا أو يبقى وطنيا مستقلا

الكردي بين أن يكون حزبيا أو يبقى وطنيا مستقلا
الأربعاء 15 تشرين الثاني 2006
ابن الجزيرة

سؤال يظل يتكرر..هل ينبغي أن ينضم كل فرد إلى الأحزاب؟ هل يحق للفرد أن يبقى مستقلا؟ كيف تكون العلاقة بين الحزبي والمستقل؟ ما هي الضوابط الأفضل في هذه العلاقة؟ كيف يمكن الجمع بين تعدد حالة الانتماء؟ انتماء إلى القومية ..إلى القبيلة..إلى الدين..إلى الحزب..إلى أية جماعة أخرى..جماعة عمل.. جماعة رفاهية الخ؟
هي أسئلة محيرة في المجتمعات الشرقية عامة، والعربية خاصة، فيما استطاعت الدول المتقدمة ( الغرب خاصة) تجاوز هذه المشكلة..

بالاتفاق على مفاهيم تشكل صوى من جهة، وضوابط من جهة أخرى (الحرية وآلية الديمقراطية الضابطة لخطواتها، التمييز بين ما هو حرية خاصة (شخصية) وضوابط قانونية منظمة للعلاقة بين الفرد والجماعة، مفهوم العلمانية(فصل الدين عن الدولة) مفهوم المواطنة كبديل عن مفهوم القومية في حالة التعارض بينهما، حقوق الإنسان..الخ. وهذه المشكلات كلها تنتظر المعالجة في البلدان العربية، وخاصة لدى الأنظمة الشمولية والتي يحكم فيها حزب واحد، أو اتجاه واحد (ديني أو طائفي، أو قومي..الخ). ومما يؤسف له أن تلكؤ تلك الأنظمة في القيام بعمليات تغيير متوافقة مع تطورات العصر (داخليا وخارجيا) قد هيأ المناخ لتدخلات غربية، بطرق مختلفة، ودون أن يمكن الوقوف في وجهها عمليا بسبب تناغم هذه التدخلات مع ما يرمي إليه شعوب المنطقة من التحرر من استبداد الحكام في صور متعددة، مما أضاف مشكلات جديدة، منها ما افتعلتها الأنظمة المستبدة ذاتها كأسلوب ضغط على القوى المعارضة لها، متلاعبة بعقول ومشاعر عامة الناس. لا سيما وإن الذهنية العروبية مهيأة لمثل هذه الإثارة (كحق يراد بها باطل..!) بل لقد أصبح هذا الأمر امتدادا ثقافيا معششا في ذهنية وتكوين نفسية الشعوب العربية التي لا تزال أسيرة أيديولوجيا العروبية (القومية) ودون الاعتبار لواقع تطور المفاهيم والأحداث..!
ومما يؤسف له مرة أخرى، أن الأحزاب الكردية قد امتصت هذه الحالة الخاطئة بدرجة أو أخرى، ولكونها في حالة ضعف بالنسبة لمقابل أقوى هو السلطة، فقد قلدت هذه السلطة في معظم أداتها السلبي تجاه أبناء جلدتها- إذا صح التعبير – فتجذرت المشاكل التي تعاني منها الأيديولوجية القومية العروبية في أسلوب الممارسة الحزبية الكردية- مع بعض اختلاف ربما هو النافذة التي ينبغي أن تكون مدخل المعالجة لدى الكرد- وهي أن الكرد بحكم كونهم تحت ظروف الظلم والاستغلال.. قد أوجد لديهم هامشا أمكن ممارسة بعض نقد مفيد عبره، وكأنني أراه يثمر في السنين الأخيرة بدرجة ما ..! وعلى الرغم من عدم إغفال احتمال البعد الدعائي فإن الدكتور عبد الحكيم بشار- كأحد الرموز السياسية التي لها الأثر السلبي نفسه بدرجة أو أخرى- كان صريحا في تشخيص هذه الحالة في مقالاته الأخيرة.
وهنا لا يجب إغفال أن الذهنية الحزبية ترى فيما يقدم عليه الحزبي علامة على ديمقراطيتهم، بينما إذا كانت الإشارة من مستقل – نحو الموضوع نفسه- تعتبر تجاوزا وتهجما لا مبرر له، إذا لم يطعن في شهادته..! وهذه أيضا من المشكلات التي أثرناها، والتي نريد لها علاجا.
ولكي لا أطيل، فإنني أسرد الحكاية الواردة أدناه لعلها تساعد على بعض توضيح.
الحكاية قديمة، ولكنها تتجدد باستمرار….بل وحاضرة في كل مجلس يدور فيه الحديث عن مثل هذه القضايا.وأحيانا تأخذ منحى شديدا وملتبسا..!
كان ذلك قبل أكثر من عشرة أعوام… رن الهاتف، وتحدث من القامشلي أحد المهتمين بالثقافة، وليس منتميا إلى أي حزب (مستقل، ويقال وطني أيضا كمصطلح للحالة)…وجاء الصوت يدعونا إلى المشاركة في جلسات ثقافية يديرها حزب كردي، ويحضرها (مهتمون معروفون بالثقافة) من الكرد، يحاولون الإجابة على أسئلة – ربما كانت عشرة – وعندما وصلنا، علمنا بأن ذهابنا كان فيه بعض تجاوز، لأن المسؤول الأول في هذا الحزب قد اعترض على حضورنا باعتبارنا مصنفين على أحزاب أو اتجاهات-بحسب تقديره-..!
فحاولنا العودة وعدم المشاركة، ولكن الرجل الذي دعانا أحرجنا بإصراره قائلا: إذا وجد ما يعتبر حرجا فهو لي وليس لكم، لأنني أنا الذي دعوتكم، وأنا مفوض من المجلس في ممارسة حقي …!
المهم حضرنا اللقاء، وكان يجمع ما يقرب من 25 مهتما بالثقافة تقريبا.
وكان يدير الجلسات من المستقلين مثقف معروف، ومن الحزب أحد أعضائه القياديين، بإشراف مباشر من المسؤول الأول في الحزب، وكانت قد نوقشت خمسة أسئلة ولكنهم أعادوها بسرعة لتعريفنا بما تم في السابق، ثم استكملت المناقشات… وفق الأسلوب التالي:
يطرح السؤال، ويعطى الدور بالتسلسل للإجابة عليه من كل مشارك. وعندما جاء دور المسؤول الأول قال:
((قال لي أحدهم: هل تعرف لماذا انتميت إلى الحزب (صرت حزبيا)؟ فقلت:لماذا؟!
قال: لكي لا أموت مثل… – وذكر اسما، أو صفة، تأنف منه النفس- في الوسط الاجتماعي..!)).
وهنا شعرت بألم، وأسى، وانفعال ظل يتلاطم في داخلي..! وانتظرت من يتدخل، يصحح، أو يدافع، أو يحتج…ولكن…!
لم يفعل ذلك احد..! هل هو عدم انتباه؟ هل هو حرص على عدم الرد عليه احتراما؟ أو إهمالا ؟ أو حتى نوعا من الخوف بمعنى ما..؟! لست أدري..!
كنت قد قررت – حين الذهاب- ألا أتدخل، فقط سأكون مستمعا، مستفيدا من خبرة الجميع. وعندما لم يتدخل أحد وجدتني مضطرا فتدخلت، تنازعني رغبتان:
– الأولى: القوة في أسلوب الرد، والتعبير عن ذلك منفعلا ، ليكون الرد بمستوى الطرح الذي وجدته خاطئا بل ومتجاوزا بكل المقاييس.
– الثانية: الهدوء والموضوعية في أسلوب الرد، والتعبير عن ذلك بوعي يتوخى الفائدة العامة، وغلب الاتجاه الثاني، فتدخلت قائلا:
سيدي … لماذا ترون المنتمي الحزبي بهذه الدرجة من التميز، بحيث أن غير المنتمي الحزبي يكون مصيره مصير ال…. في الشارع؟!
ما هي الأنشطة التي تقومون بها بمعزل عن المستقلين (غير الحزبيين)؟ دعونا نذكرها…
1- لديكم في كل عام نشاط واحد، هو الاحتفال بعيد النوروز ليوم واحد. وحتى في هذا النشاط:
– لا تتفقون كأحزاب على الاحتفال بالتشارك، وتقسمون الشارع الكردي لمصلحة حزبية أو شخصية – ربما-
– تمويل هذا الاحتفال تجمعونه من الجماهير التي تكون في معظمها مستقلة.
– زخم الاحتفال يوفره الجماهير المستقلة بالدرجة الأولى. وربما الاشتراك في بعض الأنشطة الفنية أيضا، فضلا عن التنظيم والتشجيع..الخ.
2- لديكم كل أربع سنوات نشاط واحد هو: المشاركة في الانتخابات، وفي هذا النشاط يتم ما يلي:
– المرشح حزبي ، ولا تقبلون بمرشح مستقل (غير حزبي)
– الأصوات من غير الحزبيين في أغلبها.
– الحزبيون هم الذين يستأثرون بالقرارات، وبالمزايا في كل خطواتهم، هم يركبون سيارات المستقلين، ويأكلون أطايب طعام المستقلين غالبا، ويحددون الاتفاقات وفق المصالح الحزبية، في حين المستقلون فقط يصوتون، وينتقلون بأسوأ المركبات (التراكتورات وما شابه، المشي مسافات بعيدة، نساء ورجالا ، شبابا وشيبا..).
– المستقلون يشاركون في معظم التمويل لقيامكم بانتخابات، المرشحون فيها فقط حزبيون..!
– المستقلون يشاركون في الوقوف على صناديق الانتخابات كوكلاء، أو داعمين بالطعام والشراب والحماية الجماهيرية في بعض الأحوال. فضلا عن الدعاية وخلاف ذلك…!
– المستقلون يتعرضون لكل ما يتعرض له الحزبي من مضايقات الحكومات وأجهزتها الخاصة.
3- لديكم نشاط شهري هو طباعة ونشر منشور حزبي مؤلف من ثماني صفحات من الورق العادي الصغير، تنشرون فيها أخبارا مضى عليها شهر على الأقل بالنسبة للفضائيات، وبعض مقالات، أحيانا تكون ضحلة وغير موفقة، وبعض أنشطة دعائية عن نشاطات متواضعة، تحسنون تضخيمها وإضفاء الأهمية عليها (أرسل السكرتير او الأمين العالم أو.. برقية تهنئة او تعزية..- تلقى السكرتير أو.. برقية شكر أو تهنئة أو تعزية.. من نشاطات حزبنا في أوروبا.. بعض الأنشطة التي يقوم بها مثقفون غالبا من غير الحزبيين: محاضرة.. أمسية شعرية ..الخ).
– تجمعون في المناسبات عددا من الناس – وهم مستقلون في معظمهم – في غرفة مغلقة تتحدثون بينهم عن موضوع ما، ندوة روتينية لا تضيف إلى التركيبة الثقافية للحاضرين إلا قليلا، احتفال بسيط لا يتجاوز الحضور فيه 10- 15 أو 20 شخصا تنشرونها في صيغة موحية بإنجاز كبير ……الخ. ومن ناحية أخرى، فإن الحزبي قد يقرأ منشور حزبه فقط ، أما المستقل فهو مضطر إلى قراءة عدد من هذه المنشورات…
4- لديكم تبرعات ، يشارك الحزبي بواحدة فقط هي تبرع حزبه، أما المستقل فهو يتبرع لكل الأحزاب غالبا أو على الأقل لأكثر من حزب، ربما يصل إلى عدد الأحزاب الموجودة على الساحة الكردية. وهكذا…..!!
ففي كل نشاط منكم، المستقل مشارك بدرجة فاعلة بكل أشكال الفعالية، وبملاحظة الأمر – وبشيء من المقارنة – نجد أن الجهد والمال والحراك والمسؤولية… الخ لدى المستقل (الايجابي طبعا) هو أكبر مما لدى المنتمي إلى الحزب، مع كل التقدير له ..! فلماذا إذاً هذا التعالي على المستقلين؟! و…!!!!
وعندما بلغه دور الحديث للمرة الثانية قال:…. نعم فما نحن بفاعلين لولا الجماهير التي نستند إليها و..و..وغير نغمة حديثه ليغطي على ما شعر بأنه اخطأ فيه – لا كقناعة- بحسب تقديري – بل كأسلوب يسعى لتجنب دفع الحاضرين إلى التأفف منه.
وقلت في نفسي ..لقد صححت مفهوما خاطئا على المستوى النظري على الأقل، كما أكدت على أن المستقل ليس مجرد شخص غبي يقوده الحزبي كما يشاء، بل وليست هذه هي الصيغة الصحيحة للتفكير النضالي في سبيل شعب نستخف بقيمته…!
والغريب أنني عندما واجهت بعض المحسوبين عليه كان رد أغلبهم: لا يمكن أن يفعلها، فكنت أخرج معهم بخيبة أمل، منها تكذيبي وأنا شاهد، وتبرئته بشهادة زور، لأن الذي يشهد بشيء ليس حاضرا فيه هو شاهد زور، فكيف يمكن أن تصحح هذه الحالة؟!
………………………………………………………………………………………………………………..
منشور في موقع ولاتي مه بتصرف
http://www.welateme.net/erebi/modules.php?name=News&file=article&sid=1108#.XkZsizLXLIU

المزيد من المقالات