الإعلام العربي

الإعلام العربي
ابن الجزيرة
Monday 16-10 -2006
ربما ليس العنوان دقيقا، فقد يصلح أن يكون العنوان هو (الإعلام) ومن ثم الاهتمام بالإعلام العربي كموضوع خاص في إطاره. ولكن المشكلة أن الإعلام العربي -مثل المخرز-يخرز عيوننا، مما يدفعنا دفعا إلى التركيز عليه، ومن ثم تحليله. ومن المؤسف أن هذا التحليل بأتي بنتيجة مخالفة لما نريده لهذا الإعلام.

فبحكم المتابعة المستمرة له، ولي فرصة كافية لهذه المتابعة، مما يتيح لي مشاهدة التلفزيون بشكل خاص، والإنترنيت أحيانا، فضلا عن منافذ الإعلام الأخرى…! فإنني أفترض أنني أستطيع وصفا لما يعرض في وسائل الإعلام العربي بخاصة، والفضائيات بشكل أخص. ولنأخذ مثلا قناة الجزيرة الفضائية، هذه القناة التي بادرت إلى أول خطوة من نوعها في البلاد العربية، من حيث تنوع برامجها، وقوة أداء المذيعين فيها، والحرية التي طبعت أسلوب عرض البرامج فيها …الخ. وتحملت من التأويلات والاتهامات الكثير، بل يقال أن بعض الأحزاب الحاكمة قد وزعت تعميمات داخلية على أعضاء أحزابها، تشير فيه إلى كون هذه الفضائية هي صهيونية، ويجب عدم مشاهدتها…! وهذا الأسلوب يوضح اثُر الفكر الأيديولوجي الذي يسيطر على سلوك البعض في المنطقة (أفرادا وجماعات ومؤسسات مختلفة..). والمؤسف، أن هذه القناة ذات الإمكانيات المهنية العالية، والإمكانيات المالية التي وفرت أفضل الفرص لدعم العمل فيها.. لم تصمد أمام جموح الميول النفسية، أو المصلحية، أو الأيديولوجية..الخ. فانحرفت عن مسيرتها كفضائية حيادية مهنية،لتتحول إلى قناة ذات طابع عروبي النزعة(وقد صرح بذلك صراحة مديرها السيد وضاح خنفر، في ندوة أقيمت لهذا الشأن، وأذيعت على “الجزيرة مباشر” بحضور غالبية الصحفيين العرب وبوجود مسؤولة أمريكية). وتحاول الجزيرة أن تحكِّم الأيديولوجية القومية – وبتأثيرات عاطفية عميقة الجذور تاريخيا، طابعها قبلي – على رسالتها الإعلامية بمواصفاتها المهنية ، وكان هذا الـتأثير أبرز أثناء الحرب على العراق في نيسان عام 2003…!

نحن لا ننكر حق التعاطف مع أو ضد أي قضية، أو شخص، أو أية مادة – ومهما كانت-. فالتعاطف صفة بشرية، أو سمة إنسانية لا يمكن إغفالها، ولكن – ومنذ الوجود الأول للبشر، فإنهم يسعون إلى تحييد هذه العاطفة عند الحكم على القضايا الجادة، والتي يشترك فيها طرفان خاصة، للوصول إلى حكم نزيه وحيادي(بدون ميل) وصحيح(لا خطأ فيه، والخطأ انحراف عن المسار أي مسار) وعادل(لا يُعطى حقٌ لأحد ليس له، ولا يُؤخذُ حقٌ من أحد هو له) ولعل الأهم هو المصداقية( كسب ثقة الآخرين بما يقال أو يعمل، والركون إلى مصدر ذلك بما يضمن الاطمئنان وراحة البال)…الخ. وما نجح من نجح إلا لأنه التزم هذه المحددات وما يتصل بها، وما فشل – فيما فشل- إلا أولئك الذين تجاوزوا هذه المحددات. هذا هو التاريخ، وهذا هو الحاضر, وسيكون هذا هو المستقبل أيضا استنتاجا.

وعند هذه النقطة يبرز السؤال: هل ما تقوم به وسائل الإعلام العربية يصب في هذا الاتجاه؟

يمكن الإجابة على هذا السؤال من الذهن- بطريقة أيديولوجية- وهذا ما تفعله وسائل الإعلام العربية..!

ويمكن الإجابة عليه عبر دراسة واقعية – للميدان فيه الحظ الأكبر- وهو الأسلوب الذي يتبعه العلم، بالإضافة إلى مجموعة القواعد العلمية الضرورية للوصول إلى الحقائق. ويبدو – من خلال ما لاحظته – أن الإعلام العربي اختار النمط الأول من أسلوب الإجابة وهو اللجوء إلى الأيديولوجيا لصياغة الإجابة، وهي لن تخذلها ما دامت نابعة مما يعتمل في الذهنية العروبية التي تفسر الوقائع وفق تصوراتها، أو مشتهياتها، وما دامت لا تقيم للوقائع وزنا عمليا، فإن اللسان مطواع، وتحوير الحقائق ممكن، وتفسير الأشياء كما تتمناها ممكن. إلا أن الواقع يظل واقعا-مؤلما كان أو مفرحا، في اتجاه مخالف للمصلحة، أو في اتجاه موافق لها.. الواقع –دوما- هو المعيار للحكم الصحيح، لا ما يدور في المخيّلة أو الذهن، ولا ما يأتلف مع هوى النفس(والنفس أمارة بالسوء)..الخ. ولعل المقولة الدارجة والتي تقول: (علينا أن نخرج رؤوسنا من التاريخ لا أن نخرج التاريخ من رؤوسنا) هي معبرة عن هذا المعنى بما يكفي..!

ولعل من أبسط مهام المهنية في الإعلام المستقل، أن تعرض الحقائق كما هي. أو -على الأقل- أن يجتهد الإعلامي في محاولة التقرب من الحقيقة. أما أن يسخّر ما لديه من الوسائل ليضلل بها شعبه.. وأن يسخر الإعلام ليضلل غيره. فذلك ما تفعله الأيديولوجيا، وخاصة الأيديولوجيا القومية المتخلفة والتي تنتج حالة تعصب مؤسفة..!

وإذا كان الغير – وهم هنا القوى الكبرى خاصة- لا يتأثر كثيرا بهذا التضليل، بسبب قواها المطلعة استخباريا .. فإن التضليل يتجه نحو الداخل(الشعب) لغرض سياسي قليل الأهمية في سياق الأستراتيجيا، وهو خدمة الأنظمة المستبدة المهيمنة، والجاثمة على أعناق شعوبها..! إذا.. فإن هذا السلوك الإعلامي ليس مجديا.. سوى في بعده التضليلي..والذي يؤدي إلى نوع من ضلال المسيرة والسلوك – كما هو متبع لدى الأنظمة الإيديولوجية خاصة..!

ونعود إلى المثال – قناة الجزيرة – وأختار في هذه اللحظة بالذات مقارنة بسيطة بين صياغة الخبر في قناة الجزيرة وبين صياغتها في قنوات أخرى – حتى العربية منها –

في هذه اللحظة أتابع قناة الجزيرة..واختار من الشريط الإخباري فيها، أخبارا عن أحداث..أقارنها بأخبار من شريط أخباري لقناة أخرى عربية،لتكن قناة العربية مثلا .. ماذا نلاحظ..؟

يرد في الشريط الإخباري (20 ) خبرا-ما عدا تلك التي تتعلق بأخبار الجزيرة كخبر عن مراسلها المسجون أو خبر عن استضافة…) يشير (12) خبرا منها إلى مختلف أخبار العالم، و(8) خبرا إلى الأحداث في العراق(خبران أحدهما عن رفع الحصانة عن نائب، الثاني عن اعتزام السلطة بناء مصفى نفط) أما الأخبار الستة الأخرى فهي عن حوادث قتل وتفجير ..الخ.والملفت أن الأخبار المتعلقة بالعراق تأتي متتابعة(ثمانية أخبار متتابعة).

وعلى الشريط الإخباري للعربية( 11 )خبرا.. منها ثلاثة تتعلق بالعراق.. أحدها مقاطعة محامي صدام للمحاكمة، والثاني عن حالة قتل أمريكيين في العراق،والثالث عن فرض حظر التجول في الديوانية ومقتل مسلحين فيها..

والسؤال الذي يطرح نفسه..هل أخبار العراق تمثل نصف أخبار العالم؟ أم إنه دلالة على انحياز في إلقاء الضوء على مشاكل العراق؟ وفي هذه الحال إلى أي مدى يمكن الفصل بين الحالة المهنية للإعلام(الحياد خاصة) وبين ما يراه الإعلام ضرورة وطنية أو قومية..؟

وهل يمكن على ضوء هذه النتيجة أن نعتبر قناة العربية غير وطنية(غير قومية)مثلا.. وقناة الجزيرة وطنية(قومية)؟

ثم كيف للمرء أن ينظر بمصداقية لما تورده الجزيرة في مثل هذه الحالات، ما دام الانحياز قضية مشروعة لديها؟

بحسب ما نفهم فإن لكل مهنة شروطها..وشروط الإعلام أن يلتزم بمصداقية الخبر..وما لم تلتزم بالحيادية فإنها تصبح طرفا..وبالتالي لن ينظر إليه الناس باعتبارها حيادية، ومن ثم تفقد المصداقية..وهذا ما يحصل الآن لمختلف القنوات العربية التي كان يُظن فيها الحيادية والاستقلال- وعلى الرغم من التطور الملحوظ عليها،قياسا لما كان سابقا..

المأمول أن لا يسكر النجاح الأولي لهذه القنوات، لأن هذا النجاح يعود إلى ما كان من غياب الاستقلالية في إعلام الأنظمة المستبدة..وما إن تتوازن النفوس، ويظهر إعلام منافس..فعلى الأغلب ستتراجع هذه القنوات..ألم تنافس العربية ، الجزيرة، وتصل إلى مستوى متواز- وربما في بعض الحالات سابق معها-؟

ألم تأخذ قناة الحرة(المعروف بكونها مدعومة من وزارة الدفاع الأمريكية) مساحة واسعة من اهتمام المشاهدين وبالرغم من ذلك..؟

ألم تنافس المستقلة كبرى القنوات (الجزيرة و العربية) لفترة بسبب اسمها(المستقلة ثم الديمقراطية..؟ ولكنها تتراجع بسبب النقص في الكوادر الحيوية وحياديتها..؟

إذا، الإعلام العربي يتجه نحو التراجع بدلا من التطور،بسبب أسلوب الانحياز الذي يظهر لديها يوما بعد يوم، ويتحول إلى إعلام منحاز يفقد مصداقيته..فقط المسألة هي في ظهور إعلام منافس وهو ما تفكر به استراتيجيا بعض الدول الكبرى بحسب ما يطرح في الأخبار بين الفينة والأخرى
…………………………………………………………………………………………………….
منشور في موقع الركن الأخضر بتصرف
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=3536

المزيد من المقالات