محاولة بحث في سيكولوجية علماء دين

محاولة بحث في سيكولوجية علماء دين …!
الأربعاء 26 تشرين الاول 2011
محمد قاسم “ابن الجزيرة”

لا ازعم أنني خبير -بما فيه الكفاية- في معرفة حياة وتاريخ وسير علماء الدين ، لكنني ازعم أن ما اطلعت عليه خلال دراستي ومطالعاتي وسماعي ومشاهداتي ..الخ. قد وفر لي مساحة معقولة من الرؤية التي يمكن أن تشكل مسارا من بين مسارات مختلفة – وربما متكاملة- يحاول أن يفسر واقعا يعيشه الكثيرون من علماء الدين -الفقهاء والدعاة…. والمثقفون. لاسيما في جانبه النفسي (السيكولوجي).
فيما علمت –أو أقدّر أنني أعلم- عن حياة طلاب العلوم الدينية خاصة، إنها حياة تمارَس في معظمها، في المدارس والصوامع والمعابد…الخ. ويغلب على الاهتمام والممارسة لديهم؛ البحث في القواعد والمبادئ والتعاليم والقيم النظرية عموما …الخ.
وهذا يبقيهم بعيدين –إلى درجة ما- عن الاجتهاد الحر، وتفعيل التفكير والتفاعل المباشر مع الحياة المعاشة واقعا اجتماعيا؛ بكل ما فيها من تعقيدات وتنازع بين الرغبات والأفكار والشهوات والقيم ..الخ.
كنتيجة للحالة هذه، تنمو الأفكار في ذهنيتهم بطريقة مثالية، ونظرية بحتة –على الأغلب- خاصة في المرحلة المعاصرة بسبب التكنولوجيا التي تسهم في إضعاف الأواصر الاجتماعية .فتصبح النظرة لديهم بعيدة عن حقيقة الواقع وطبيعته، ولأنهم -غالبا ما- لا يمارسون الأعمال الحياتية كالزراعة والصناعة والتجارة…الخ. بل يقضون معظم حياتهم في المعابد والانشغال بالقراءة وربما الكتابة…فإنهم يظلون يتعاملون مع ما يوجد في الكتب من تعاليم وتوجيهات واستنتاجات واستدلالات الخ..وكلها من العالم النظري –والافتراضي.
هذا النهج والأحوال–إذا لم تختلط بإجراءات أو تداولات أو معطيات الواقع – تبقى حالات نظرية مثالية بحتة..لذا فإن نظرة هؤلاء العلماء إلى الناس، أنهم مخطئون –مذنبون-مقصرون- متجاوزون..الخ. وهذا يولّد لديهم نظرة خاصة لأنفسهم عن أنفسهم، فهم بعيدون عن هذه الأخطاء والتقصير-في شعورهم- بحكم بعدهم عن الأنشطة والممارسة الحياتية مناخ الوقوع في الخطأ.. ومن ثم يتعالون –سيكولوجيا- على الآخرين باعتبارهم مصدر التعليم والتوجيه والإرشاد…الخ،
وعلى غرار الأيديولوجيين، فهو في موقع الحقيقة والآخرون في موقع الخطأ والبطلان و الانحراف ..
بل قد تنفصم العلاقة بين ما يعيشونه واقعا، وما يقومون به من التعليم والدعوة والتوجيه الخ. وتنمو الحالة النفسية الذاتية على حساب التجربة الواقعية المعاشة، وقد يصل الأمر بهم- بعضهم على الأقل- إلى ما يشبه العيش خارج الواقع؛ على الرغم من كل العلم الذي يكتنزونه أحيانا. وهم -لذلك- أقل خبرة في ميادين الإنسانيات كالقضايا السياسة والاجتماعية… مثلا.وتشكل هذه الميادين منزلقا خطيرا لهم.
أورد مثلين على الحالة السيكولوجية للعالم الديني –ليس تقليلا من شأنهم ، بل تأكيدا على المذهب الذي ذهبنا…
المثال الأول: رحمه الله –الشيخ الملا رمضان البوطي- كما كان أهل دمشق يعرفونه بهذه التسمية.. كان رجلا ورعا وعالما يمثل فقه الشافعية في دمشق. وله مريدون ومعجبون كثر جدا …
زرته مرة -وكنت أزوره كلما سافرت إلى دمشق- وخلال الجلسة سألته عن لحوم معلبة مكتوب عليها “مذبوح وفق الشريعة الإسلامية” هل هي حلال أم لا .. ؟!
فلم يستسغها بذريعة أننا لسنا متأكدين من حقيقة الادعاء.. لكنه لم يقطع بأنها حرام. وكان بيننا قرابة.. تسمح لي بالدردشة معه، وكان هو يتقبلها مني…فضحكت وقلت:
يا عم…!
أنا أعرف من سيرتك الكثير، فقد كنت ورعا تقيا مذ كنت طالبا في جزيرة بوطان-جزيرة ابن عمر- وعندما كنت تسكن قرية “جيلَكا” بفتح اللام. فقد حكت لي جدتي المرحومة، الكثير عنك.وهذا يعني أنك عشت خصوصية في نمط حياتك ..
هذه الخصوصية لا تتوفر إلا للقليلين جدا من الناس.فهل تريد أن تحاسب الناس وفقا لطبيعة حياة عشتها أنت؟!
هل تجعل من نفسك معيارا للناس، ونمط حياتك مختلفة عن نمط حياتهم؟! والظروف ميسرة –بفضل الله لك!.
ماذا تقول لمن يعيش في الجبال والوديان ويضطر للاستعانة بمعلبات من هذا النوع؟
ثم أليس الأصل في الإسلام هو الحلال حتى يثبت العكس؟
ابتسم المرحوم ولم يجب. وعلمت انه استحسن مداخلتي ولكنه ربما لم يبلغ حد القناعة بالفتوى..!
أما المثال الثاني فقد حكى لي أحدهم –حكاية تروى؛ وهي معبرة في هذا الباب فقال:
أخ يتعبد الله في الجبل، وأخ يعمل بالتجارة، ويبيع الأحذية النسائية … كأنما أراد العابد أن يشعره بقيمة التعبد –وربما، ما وصل إليه عند الله-.. فجاء يزور أخاه وقد حمل سلة فيها ماء لا تنقط.
عندما لحظ الأخ ذلك فهم مراده، وكان ذكيا –فقال أخي عذرا منك، مضطر للغياب فترة، فابق هنا في المحل ريثما أعود.وعلق السلة فوق رأسه –حيث يجلس عادة..
بعد قليل جاءت امرأة وسألت عن بعض الأشياء، لم ينظر إليها العابد، ولكنه شعر بصوتها الناعم، فبدأت السلة تنقط رذاذا قليلا.. وفي المرة الثانية عندما سألت
امرأة أخرى ، نظر من طرف عينه فزادت السلة تنقيطا، وكلما مضى الوقت، وتهاون في النظر، وزاد لديه الشعور بسلطان الأنوثة؛ كانت القطرات تكبر، وسرعة التنقيط تزداد؛ حتى فرغت السلة كلها، وتبلل العابد تماما..وما أن وصل أخوه حتى سلّمه المحل وخرج مستاء والأخ يضحك.
من هنا نلحظ المعاناة التي يعيشها الإسلام -في شخص الكثير من علمائه- خاصة مع الحكام والمتنفذين والأغنياء..
ومن هنا نلاحظ انحياز الكثيرين من العلماء إلى السلطات –ومنهم عن قناعة، ومنهم دجلا وانتفاعا، ومنهم خوفا… ولكن الجميع ليسوا بمنأى عن المسؤولية دينيا وأخلاقيا وقانونيا واجتماعيا…:
“فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره”.الآية.
………………………………………………………………………………….
منشور في  موقع ولاتي مه بتصرف
http://www.welateme.net/erebi/modules.php?name=News&file=article&sid=10480#.XkW07jLXLIU

المزيد من المقالات