الشخصية

الشخصية
ابن الجزيرة
Saturday 30-09 -2006
يكثر الحديث عن الشخصية عادة، فيقال: فلان ذو شخصية قوية، أو ذو شخصية ضعيفة،أو يقال: أنا شخصيا. أو شخصية فلان آسرة…والحديث يطول عن ذلك، ولكن فقط نود أن نشير إلى دور الحرية في بناء الشخصية بلغة مبسطة ، وأفكار سهلة، ليس للتعليم، وإنما للتنبيه إلى أننا نتعامل مع مفاهيم دون أن نكوِّن عنها فكرة صحيحة، أو صورة دقيقة-أحيانا- مما يجعلنا نتعامل مع مفاهيم فيها من الغموض أكثر مما فيها من الوضوح..!
وفي كتب المدارس، ندرس عن تكوين الشخصية الإنسانية، والعناصر الداخلة في هذا التكوين. ونعدد –عادة- العوامل في هذا التكوين باعتبارها :
– العوامل الشخصية(الذاتية).
– العوامل الاجتماعية(أو السيسيولوجية).
– العوامل النفسية(أو السيكولوجية).
– العوامل الموضوعية…الخ.
ونجمعها في (عوامل ذاتية) و(عوامل موضوعية)، وكلاهما ينبغي أن يكونا متفاعلين، متكاملين، حتى يتحقق التوازن في الشخصية. ويشار- عادة – إلى مفهوم (الإرادة) باعتبارها: قوة اتخاذ القرارات في مختلف ميادين الحياة – البسيطة منها والمعقدة- بل والحاسمة والمصيرية أيضا.
هكذا ندرِّس أطفالنا، وشبابنا، منذ المرحلة الأولى في حياتهم، ومرورا بمرحلة المراهقة والشباب…حيث تكون العناصر المكوِّنة للشخصية قد استُكملت، وينبغي أن يكون صاحب الشخصية في مستوى القدرة على التصرف الصحيح، واتخاذ القرارات الصائبة..! ولكننا نغفل العنصر المهم في هذا التكوين، وهو: (الحرية) والتي هي غائبة في كل مراحل النمو، سواء بالنسبة للطفل، أو المراهق، أو الشاب. بل وكل مراحل نمو الإنسان في المجتمعات العربية عموما، و المجتمع السوري خصوصا،مما يفقد الإنسان – أثناء نموه- من أهم عوامل تكوين شخصيته، والتي تسمح له بحيازة الخبرة والتجربة التي تصقل الشخصية، وتعطيها القدرة على الثقة بالنفس، حيث يمكنه حينئذ أن يتصرف.
إذ من المعلوم أن الحرية هي المناخ الذي ينمو فيه كل هذه المكونات للشخصية. فانعدام الحرية يعني: * إما زرع الخوف في الأعماق (اللاشعور). وما أدراك ما اللاشعور..؟! إنه تلك المنطقة التي تأوي إليها مختلف الرغبات التي لم تسمح لها قوى ما (قد تكون دينية، أو اجتماعية، أو سياسية..الخ). من الظهور بشكل طبيعي، فتأوي إلى هذه المنطقة المظلمة، والفضاء السابح، لتسبح فيه هذه المكبوتات طائفة هائمة، لا تدري أين تذهب، ولا أين تقيم، ولا أين تروح، ولا أين تغدو…مشدودة بدون وعي منها – إذا جاز التعبير- إلى الخروج، حتى تأتي فرصة لم تكن تخطط لها، ولكنها تأتي فجأة في لحظة ارتخاء الرقيب-ويسميه فرويد: الأنا الأعلى …فتخرج رغبة ملهوفة متسارعة همجية، في وقت غير مناسب، لا يوائم اتجاه حاضنها(صاحبها). وقد تكون سببا في أسوء نتيجة بالنسبة إليه(عبر فلتة لسان، أو زلة قلم، أو موقف سلوكي منفعل، أو مستعجل، أو قرار سريع..الخ).
* وإما ترويض مشوه لطاقاته، وتحت اسم (التربية) أو (المصلحة- بجميع تسمياتها) كالمصلحة الشخصية- المصلحة المجتمعية- المصلحة الوطنية- وما اخطر التسمية الأخيرة حين إطلاقها في المجتمعات المتخلفة، ذات الأنظمة المستبدة(الدكتاتورية) ..فإنها – حينئذ- تصبح كارثة حقيقية، إذ تصادر منه حريته من ألفها إلى يائها، ويصبح مجرد عاجز، أو قاصر يحتاج إلى حماية وتوجيه(وصاية) منذ يوم ولادته، وحتى يوم دفنه.
فأين سيكتسب المرء قوة في شخصيته في ظل ظروف كهذه؟!
ألا يصبح كل ما يقال ويكتب في هذا المعنى دجلا غير مفهوم حتى؟!
وعندما تكون الشخصية مشوهة، أو: مزيفة، أو: منحرفة، أو: ضعيفة…الخ؛ فما الذي ينتظر منها على صعيد الحياة بكل مستوياتها، ومنها مستوى الوطنية(بناء، أو دفاعا، أو مشاركة في التحرير والتطوير…؟!
وتحت ضغط الحياة المعيشية، أو : الخوف من المصير، تتجه الشخصية إلى أسوأ الصفات تمارسها(تكتسبها): كالتردد- التورية- التملق- القزمية- الانحراف- التزييف..الخ. فما الذي يفسر –إذا- ظاهرة مستدامة في تكوين الشخصية الفردية: العربية، أو الكردية، أو الشخصية الاجتماعية، (أي المجتمع) والتي ابتليت بأنظمة تحكم باسم الإله، أو: باسم الوطنية(فالنظام هنا يصبح هو المصدر الوحيد لتحديد من هو الوطني ومن هو غير الوطني وبالتالي، فكل الناس غير وطنيين، ما لم يكرروا ما يردده الحكام أو يطلبونه من رعاياهم( وعذرا من المفكر المصري في تجاهل مقولته )) مواطنون لا رعايا)) والتي جعلها عنوانا لكتاب له). وما دمنا قد ذكرناه، فلنتذكر عنوانا آخر لكتاب له هو: (( الديمقراطية أبدا)). ولنتذكر أيضا بأنه من خريجي الأزهر، ولكنه تبنى الماركسية زمنا، ثم عاد إلى قواعده الأزهرية، بعد تجربة يجدر الوقوف عليها، بدلا من استثمارها للطعن والتجريح (مذهب أغلب السياسيين عادة).
كيف يمكن لشخصية المرء أن تتبلور في ظل ظروف يغلب فيها قمع الحرية، وتكثر فيها المحظورات، ويصبح القانون المنظم للعلاقات بين المواطن والنظام، وبين الناس جميعا ، هلاميا يمكن لأي كان – مادام ينتمي إلى النظام، أو يتمسح به أو يمثل حالة دينية مسيطرة، أو حالة اجتماعية غالبة..الخ- أن يتلاعب بهذا القانون وفق ما يشتهي…؟!
كيف يمكننا أن نبني الشخصية المتزنة، والقادرة على ممارسة دورها في الأحوال المختلفة :
الإنتاجية، والقتالية، والإبداعية، والبنائية عموما؟!
أليس الخير لنا – على الأقل- أن لا نكثر من الادعاءات التي أصبح يملها، حتى الأقل وعيا وذكاء..؟! وبدلا من ذلك، أليس الأفضل أن ننظر في تجارب الشعوب التي نجحت في أن تتطور في مختلف مناحي الحياة، وأن تعيش ذات كرامة، إن لم تستطع أن تعيش في حال من الرفاهية المطلوبة والمرغوبة؟!. باختصار: أن يعيش المرء كريما في وطنه، وبين أفراد مجتمعه حتى يأتيه الموت، فيموت بنوع من الطمأنينة التي هي أقل ما يمكن أن يتوفر للإنسان…!!
…………………………………………………………………………..
منشور في  موقع الركن الأخضر.
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=3380

المزيد من المقالات