ماذا نسمي النزوع الى القوموية العروبية بديلا عن القومية العربية؟!

ماذا نسمي النزوع الى القوموية العروبية بديلا عن القومية العربية؟!
محمد قاسم(ابن الجزيرة)
Thursday 22-11 -2007
الأصل في الأشياء أن تنسب إلى أصحابها. فعندما نسال –مثلا- من بنى هذه العمارة؟ يكون الجواب: فلان من الناس. وبالسؤال: من نظم هذه القصيدة الشعرية؟ فالجواب: إنه الشاعر الفلاني. وعندما نسال من هو مؤلف-أو مؤلفوا- هذا الكتاب؟ فمن الطبيعي أن يشار إلى القائم بعملية التأليف –فردا أو جماعة-….!!

فما هي الحكمة-إذا- من أن بعض وزارات التربية والتعليم في بلدان عربية –منها سوريا-تسقط أسماء المؤلفين من الكتب المدرسية وتستخدم عبارة: ((تأليف جماعة من المتخصصين))..؟!

هل هو انسياق مع النزعة الاستبدادية، التي تغيِّب الفرد واستقلاليته..لصالح النظام الذي يزعم الحكم باسم الجماهير –هذا الشعار الذي عفا عليه الزمان، وأثبت فشل جدواه على مستوى قيادة الشعوب ونتائج ذلك. وما الاتحاد السوفييتي –كمثل صارخ- عنا ببعيد..؟

هل هو إخفاء لأسماء غير جديرة بعملية التأليف، ولكنهم اختيروا لأنهم يمثلون اتجاه النظام الحاكم، ورصّعوا تحت عنوان: ((تأليف جماعة من المتخصصين))..؟!

هل هو إخفاء لهم لأنهم استطاعوا-أو لأنهم في الأصل يريدون..-أن يمرروا أفكارا فيها تشويه للحقائق وتزييف لها لخدمة مآرب لا يجرؤون الجهر بها علانية..؟

ربما واحد من الأسباب..! وربما هذه الأسباب مجتمعة..! وربما لأسباب أخرى لم نعرفها بعد، أيضا.!

ولكي يأتي حديثنا واضحا نجسده في مثال.

كتاب :التربية الإسلامية-الثالث الثانوي لعام 1427هجرية-2006/2007م صادر عن المؤسسة العامة للمطبوعات والكتب المدرسية في سوريا…

كنت أبحث فيه عن (مفطرات الصوم) فيه، فتصفحته بحثا..وبالصدفة وقعت عيني على عنوان:

البحث الأول-الحضارة الإنسانية في الإسلام (مفهومها-أساسها-مقوماتها-الإسلام والعرب…وخاتمة البحث: الإسلام والعرب، يرد فيه:

-مقدمة ((وحّد الإسلام العرب في أمة واحدة..وكان لهم شرف حملها-رسالة الإسلام-بجدارة وتبليغها بأمانة..)).

وهي مقدمة صحيحة في عمومها، وان كنا نتساءل عن عبارتي ((بجدارة)) و (( أمانة))..هل توافقان الواقع التاريخي الذي أدار خلاله العربُ الإسلام..؟!

ولكن..المغالطة الواضحة هي في القول:

(( وهي الأمة وصفها الله بقوله((كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)). ويعنون بذلك الأمة العربية – بحسب زعمهم -.

ولتعزيز هذه المغالطة يردفون بالقول: ((فهي(ويقصد الأمة العربية.م.قاسم)الأمة التي اختصها الله بذلك: قال تعالى: ((هو أعلم حيث يجعل رسالته)).

ونريد أن نقف قليلا على هذا المذهب الذي يتبناه العروبيون- ولا نعني بهم العرب وإنما تيار مغال فيهم- في تفسير آيات قرآنية وغيرها، وتطويعها لغايات خاصة لا صلة لها بالإسلام.

المعروف –بدون مناقشة أو جدال، وبداهة في الفهم-إن الإسلام دين كوني سماوي، نزل لهداية البشر جميعا ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)). ويقول المفسرون إن العالمين تعني البشر والجان والكائنات جميعا. فكيف تختص به جماعة معينة-كائنا من كان-؟.

الآيات والأحاديث الدالة على معنى كونية الدين الإسلامي، وبأنه لا يختص بفئة أو جماعة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار –كما يقال- ولا نحتاج لتقديم الأدلة في ذلك. فمجرد كون الدين الإسلامي هو كوني، ينفي هذا الزعم المغالط، الذي يهدف إلى تعزيز نزعة عصبية بغطاء إسلامي-الإسلام منه براء- فالرسول(ص) يقول ((ليس منا من د عا إلى عصبية)).

يقول العلامة الدكتور محمد سعيد البوطي:((…الحاجة إلى الإسلام ليست حاجة ذرائعية جاءت لسبب ضائقة اجتماعية أو اقتصادية عابرة، أو لسبب ما يقتضيه الافتخار بتراث الآباء والأجداد! وإنما هي نابعة من صلة ما بين الإسلام وحقيقة الذات الإنسانية، أيا كانت هذه الذات، وحيثما كانت تعيش.

وهذا جزء يسير من الحقيقة الكبرى التي نعبر عنها بقولنا: الإسلام دين الفطرة)). [i]

وعلى الرغم من أن هذه الحقيقة ساطعة في أذهان المسلمين، ولكن الغلالة التي غشيت أفهام البعض يضطرنا لإيراد المزيد من الأدلة التي تكشف الخلل في منهج هذا الاتجاه العروبي في تفسير العلاقة بين الإسلام والقومية، والقومية العربية خصوصا..

يقول العلامة الدكتور البوطي: ((..إنهم يعجبون بشعارات الإسلام ويفخرون بانتسابهم إليه لما قد تختزنه هذه الشعارات في باطنها من البطولات والأمجاد والمظاهر الحضارية، التي اصطبغ بها أكثر أحقاب التاريخ الإسلامي.

ولكنهم يتبرمون بالكثير من قيوده وأحكامه، لما قد تفوّته عليهم هذه القيود من متعة الحضارة الحديثة، ولذة السعي وراء كل طور جديد. فهم، من أجل ذلك، يشتهون أن يكون الإسلام كما يحبون: نسبا وفخرا يربطهم بأمجاد الماضي، وسبيلا مفتوحة تيسر لهم اللحاق بمتعة الحاضر وأماني المستقبل!..)) [ii]

ويقول المرحوم سيد قطب –وهو العالم الإسلامي المشهور في التعريف بالأمة:

((والأمة هي المجموعة من الناس تربط بينها آصرة العقيدة؛ وهي جنسيتها…والآصرة، فكرة تعمر القلب والعقل، وتصور، يفسر الوجود والحياة، ويرتبط بالله.

وقال الله للمؤمنين في كل أرض وفي كل جيل، من كل جنس ولون، ومن كل فريق وقبيل، على مدار القرون، من لدن نوح عليه السلام، إلى محمد عليه الصلاة والسلام..وإلى آخر الزمان:

((إن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاعبدون)) -الأنبياء 92- [iii]

المشكلة في الذهنية العروبية –والتي تبلورت بتأثير نفسي قديما وفكري قومي حديثا- أنها تنبثق من أرضية الانغلاق والتعصب، ومنه مصلحة العرب من غير المسلمين والذين يغلب عليهم الاغتراف من مناهل الثقافة الغريبة عن الثقافة الإسلامية، لاتخاذه أسسها وسيلةلمحاولة تطويعها لروافد تلك الثقافات –الأجنبية- لهوى في النفوس، وربما لدوافع سياسية خاصة. وقد نجح هؤلاء عبر أمثال ميشيل عفلق الذين استنهضوا العصبية القبلية العروبية في نفوس معتنقي العروبة(القوموية)، وجهدوا في نسج فلسفة تحاول استثمار مضمون الإسلام الكوني بمفاهيمه المجيدة منطقيا وتاريخيا وعلميا…تحت عباءة عروبية، بحشر الأوسع(الدين الكوني) في ثوب الأضيق (العروبي). لكن العملية تعاني من خلل فاقع؛ فاستعانوا بابتكارات فكرية تحاول إيجاد مخرج، فزعموا بان العروبة (ثقافة ولغة ) وليست عصبية وكأنهم بذلك يستغبون الآخرين في الفهم، وهذه واحدة من خطيئاتهم في صياغة الفكر فلسفيا.

ومن المؤسف، والمحرج لمن يكتب في هذه القضية أنه يضطر إلى إجراء مقارنة بين الفكر السياسي المتطرف في الغرب مطلع القرن العشرين كالنازية والفاشية، والتي اعتنقت منهجا مفاهيميا-إذا جاز التعبير-، جهد فلاسفتهم على إضفاء الطابع العلمي عليه، لكنهم فشلوا كما فشل مفكروا العروبية في ذلك.

والمشكلة –هنا –أن هذا الفكر المشوه منطقيا، دخل إلى أعماق أجيال بتأثيرات مختلفة، منها: بساطتهم في الفهم والتحليل، ومنها استجابة ذلك لنوازع نفسية غالبة في تكوينهم، ترتد إلى التركيبة القبلية التي لم يحسنوا تطويرها تماشيا مع مقتضيات التطور المختلفة في العصور المتلاحقة، وخاصة عصر التكنولوجيا، الذي يكاد يجعل العالم قرية-كما يقول (إيمرسون) مع فارق في المعني الأخلاقي عند الفيلسوف، والمعنى الواقعي لجهة تأثير التكنولوجيا..ومنها: الظروف الموضوعية التي استُغِلّت لإعطاء وهج لهذه الأفكار، وخاصة مرحلة الاستعمار الغربي في مطلع القرن العشرين، ومنها: الرياح القوية للفكرة القومية التي ازدهرت في الغرب كنتيجة لفشل الكنيسة في إدارة اجتماعية موفقة..الخ.

ولقد فعل هؤلاء ذلك في كتاب مدرسي كان يدرس في المرحلة الثانوية قبل أن يقدم النظام البعثي على استبداله بكتاب أشد نزوعا إلى التطرف عندما استبدلوا (علم الاجتماع العربي-السياسة) بكتاب (القومية).وهم في الحلين يلجؤون إلى المنهج نفسه في تطويع الإسلام لمخيلتهم. لكن الفارق، هو أنهم عندما يكتبون في فكر سياسي فهم إنما يطرحون فكرا قابلا للحوار والقبول أو الرفض، أما عندما يطرحون ذلك في إطار ديني وفي كتاب يدرس الدين فتلك هي الخطورة في السلوك والمنهج والتأثير أيضا
……………………………………………………………………………
منشور في موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=9796

المزيد من المقالات