جدل أم حوار ( نظرة إلى منهج النقاش)

جدل أم حوار ( نظرة إلى منهج النقاش)
ابن الجزيرة
Monday 25-09 -2006
ظاهرة تكاد تسود في المجتمع الشرقي (والعربي والكردي منه) اسمها: (الجدل). ويكاد هذا الجدل أن يصبح(بيزنطياً) كما درج القول إذ يرتكز في سيره إلى أسس نفسية، تنبثق عنها الرغبة في إرضاء الشعور بالانتصار على الآخرين بدلاً من محاولة الوصول إلى حقيقة مبحوث عنها. ربما يبرر هذا الأسلوب باعتباره حالة من استعادة التوازن المفقود على المستوى النفسي، في مجتمع يكاد الكبت و القمع يصادران كل متنفس فيه …!
أين المشكلة إذا؟!
في الواقع تكمن المشكلة في: أن الكثيرين ممن يتناولون قضية ما في مجادلاتهم – – ولا نقول حواراتهم – لا تتوفر فيهم الشروط (الخصائص) التي ترشحهم للمشاركة – أو الخوض – في هذه المجادلات(السجالات) من حيث :
1- المستوى المعرفي العام ( المستوى الثقافي) .
2- توفر المعلومات ذات العلاقة بموضوع المجادلة ، بالقدر اللازم والكافي.
3-أسلوب الجدال (المجادلة)من حيث :
آ- الالتزام بالموضوعية (تغليب المنطق على الأهواء والرغبات ).
ب-احترام حق الآخرين في التعبير وإبداء الرأي وإن كان مخالفاً(ديمقراطية الحوار ).
ج- سلامة اللغة ووضوحها في إطار قواعد الحوار (الجانب الفني في التعبير والحوار ).
هذه الحالة التي أسميتها الجدل، لا توفر الخصائص اللازمة لتصبح حواراً. . ولكي نوضح أكثر، فإن الجدل هو: حالة نفسية، ينحصر فيها، ضمن الشعور بالانتصار على الآخرين، ودون أن يكون هذا الانتصار– بالضرورة– متكئا على الحقيقة .!
ومن المظاهر المرافقة لهذه الحالة – أي الجدال-: -شدة الانفعال، ارتفاع الصوت، التوتر بشكل عام، -النطق بكلمات لا تتناسب مع المكانة أو المستوى أو الموقف ..
– اللجوء إلى حركات جسدية طائشة أيضا. في صورة عدوانية بدائية.
أما الحوار .. فيظهر في أسلوب حضاري يتميز بالهدوء .. ويرتكز إلى عناصر تغذي الخبرة بين الطرفين بوعي منهما ’ ويظهر في صورة جهد مشترك للبحث عن الحقيقة في إطار موضوع الحوار بينهما ..(كل منهما يعرض ما لديه ويتأمل فيما لدى الآخرين ليتكامل، أو لتظهر الحقيقة من خلال ما تعرض من حقائق ذات الصلة وبالمقارنة والتوضيح).
فإذا حسنت السوية الثقافية لدى الطرفين المتحاورين -أو الأطراف المتحاورة – فإن الحوار -إضافة إلى البحث – يصبح متعة ثقافية تستجر فيها المعلومات غزيرة وأنيقة يستفيد منها الجميع _ متحاورون ومستمعون _ فإذا لم يتم التوصل إلى المشترك المبحوث عنه، وبقي الاختلاف في الفهم، أو الرؤية واقعا، فإن ذلك لا يغيّب المتعة الثقافية التي تكون قد أثرت الجو بحوار ممتع مفيد يترك آثارا نفسية مثيرة للتقدير. لما يكون قد افرزه من نتائج إيجابية، أقلها، المعلومات الجديدة ، أو الجوانب الجديدة في المعلومات القديمة، وهذه فائدة لا يمكن إغفالها أو إهمالها.
وبدلا من تنامي الخصومة تبرز حالة من الرغبة المشتركة في تحاور متجدد طمعا بالمتعة، وبما سيفرزه هذا الحوار من مفيدات جديدة. ولكن: ماذا يجري في الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي شرقيا (كرديا وعربيا. ..؟!
بحكم الواقع الكردي المعاش والذي تطبعه المعاناة بكل مكوناتها وتجلياتها ،فإن النمط السائد فيه من الحديث يتصل بالسياسة كتجل للحالة الاجتماعية والتي كادت أن تصبح البديل أيضا لهذه الحالة (الحياة الاجتماعية).وهذا قد يكون طبيعيا بمعنى ما . ولكن ما لا ينظر إليه طبيعيا هو أن ندفع الناس باتجاه الخوض في الأحاديث والموضوعات التي تتناول السياسة وغيرها، دون تأهيل. فالحالة السياسية بطبيعتها هي: وظيفة قيادية في المجتمع، وتتطلب قدرات وتأهيلا قد لا يمكن توفيرها بسهولة، لا سيما في مستواها الأعلى. الذي قال عنه الفيلسوف الألماني الشهير كانط ((إن من أصعب المهن على الإطلاق، السياسة والتربية)).
ذلك لأن ممارسة وظيفة قيادية في المجتمع بنجاح تستلزم خصائص مميزة لعل أهمها: الذكاء، الخبرة، الاستعداد النفسي. التأهيل التربوي…الخ. فضلا عن الحد الأدنى من الثقافة التي تؤهل للتعامل مع المفاهيم النظرية عموما، ومع المصطلحات خصوصا. والمفاهيم والمصطلحات في الفكر السياسي، وما في الاستخدامات العملية، إشكالية بطبيعتها. أما لماذا؟ فلأنها تتناول: حالة إنسانية متغيرة، حيوية، نسبية، مرتبطة بالظروف السائدة اجتماعيا. ومتأثرة بمستوى الذين يصوغونها، وفلسفتهم، ورؤاهم، ومصالحهم-ومهما كانت طبيعتها – هذا أولا.
وثانيا: لأن تداول هذه المصطلحات والمفاهيم باستمرار من قبل الناس يجعلهم يألفونها، ويشعرون بأنها قريبة إلى حياتهم، ومفهومة أيضا، وهم، إذ يستخدمونها في أحاديثهم ومناقشاتهم باستمرار وبشكل شبه يومي، يتعاملون معها على أنها واضحة. ومحددة، ومفهومة بدلالاتها النهائية. ولكن الواقع والحقيقة يخالف هذا التصور. فهذه المفاهيم والمصطلحات ليست محددة الدلالة بما فيه الكفاية (أي ليست كافية الوضوح والدقة) مما يوفر استثمارها بأسلوب ذاتي. هذا ما يظهر في السجالات السياسية والاجتماعية بوضوح. ولعل الإشارة إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم سيكون مفيدا في إيضاح هذا المعنى ((إذا حكمت لأحدكم وهو يعلم أنه لا يستحق ذلك لنستعرض مفاهيم أو مصطلحات من مثل: الحرية..السياسة..الديمقراطية..القومية..الوطنية..والعلاقة بين هذه المفاهيم وغيرها شبيه لها…الخ إنها جميعا لم تبلغ الحد النهائي في تحديد المعنى فيها بحيث تكون واضحة الدلالة لدى الطرفين أو الأطراف المستخدمة لها في حواراتها على الأقل – ليست موضع اتفاق بين الجميع – مما يجعلها تتخذ دلالات غير دقيقة ومن ثم مؤثرة على التصور , ولقد جهد المختصون للوصول إلى تحديد كاف ولكنهم لم-وربما لن- يبلغوا الدرجة التي تجعلها مشتركا إنسانيا واضحا في الدلالات ودقيقا على الرغم من القواميس والمعجمات الغزيرة فهذه طبيعتها وأما فيما يتعلق بالمعلومات ومصادرها والتي هي الذخيرة التي يتغذى منها الفكر في أدائه لابد من التركيز بأن كل مصدر يمزج بين معلوماته وما يراه مفيدا لمصلحته ..مما يتطلب عند البحث :
(1) تعدد المصادر وموازنتها .(2) القدرة على التمييز بينها من حيث حيادها ونزاهتها.
(3) الإمكانية العقلية للمقايسة والمقابلة ، وحسن الاستنتاج والحكم ..الخ .
وإذا عدنا إلى الصيغ الشائعة من الجدل ،فإننا نلاحظ أن الأرضية الأساسية لدى (المتجادلين ) هي نفسية (عاطفية ) تعتمد على الميول والأهواء ….- والمصلحة … فما يصدر عن الجهة ( أو الشخص ) التي يتعاطفون معها هو صحيح ….وما يصدر عن الجهة المقابلة فهو غير صحيح . وما ينسجم مع الميول أو المصلحة – ومهما كان المصدر- فهو صحيح ، وما يتنافى مع هذه الميول أو المصلحة فهو غير صحيح ..وهكذا..فإذا لخصنا ما سبق بالجمع بين : آ- عدم توفر شروط (مستوى معرفي عام (ثقافي)+نقص المعلومات + سلبية الأسلوب ).
ب- عدم توفر صفات السياسي (ذكاء+خبرة+استعداد نفسي وتربوي + ظروف مختلفة …الخ).
ج- سوء التعامل مع الموقف (عدم فهم المصطلحات+تشوش المعلومات وعدم المصداقية فيها ..الخ..).
إذا جمعنا بين هذه المعاني،فما الذي يتوفر من الخصائص والظروف المناسبة للحوار ..عند هؤلاء .والذين يقحمون أنفسهم دوما ًبمناسبة وبدون مناسبة في أجواء المجادلات هذه. وما هو الجدوى مما يجري من حوارات (جدالات ) وفي مستوى غير مؤهل لها؟ أو الأصح أن نقول : ماهي نتائج هذه الحوارات (الجدالات ) ؟
بتقديرنا .. فإن نظرة سريعة إلى الواقع الكردي المعاش ، وبأبعاده المختلفة (الاجتماعية، السياسية ، الاقتصادية ، الثقافية (الحضارة عموماً).. هذه النظرة كافية لفهم النتائج بكل ما تحملها من العاني والآثار السلبية .. ودون تجاهل للمساحة المضيئة من هذا الجانب في حياة الكرد ،والتي ينبغي أن تتسع باستمرار بتوفير مستلزمات اتساعها وإضاءتها أيضاً.

تنويـــــــــــــــــه
ربما تكون ظاهرة المراد فات في اللغة العربية مما يساهم في اختلاف الفهم . مما يجعل اللجوء إلى تحديد المعاني في مصطلحات خاصة ضرورة لابد منها للوصول إلى الفهم المشترك . والذي بدوره يشكل ضرورة لتكوين فكر متجانس يجمع بين الوحدة والتنوع . وحدة في الإطار العام تنوع فيما يندرج تحته يعكس التنوع الموجود في الحياة والذي هو مصدر الإغناء في الحياة ما دام ضمن الإطار العام.
سوريا
………………………………………………………………………………………………
منشور في موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=3306

المزيد من المقالات