تساؤلات 2

تساؤلات 2
ابن الجزيرة/م.قاسم
Sunday 19-11 -2006
…السياسيون العروبيون خاصة، يجدّلون فهما خاصا لقضايا الحياة، وقضية العلاقة بين الدين الإسلامي-وأحيانا المسيحي واليهودي ربما-لكي يكوّنوا-بل كوّنوا-نظرية سياسية (أيديولوجيا) غلّبوا فيها دور المجتمع – وباعتباره كائنا متخيلا -ليتسلقوا عبر هذا الفهم الأيديولوجي (المجدول على أيديهم، ووفق تصورات خاصة بهم – وربما بإيحاء من آخرين لا يشعرون بدورهم، أو يشعرون بهم ويتجاهلون، أو يقبلون بدورهم تسلقا أيضا بشكل ما-).
في هذه اللعبة التي يتلاشى دور الفرد، وخصائصه كفرد.. وأهمها الحرية.. والممارسة الديمقراطية في المشاركة السياسية، والليبرالية الاقتصادية ..وممارسة الحياة الاجتماعية كما يحبها، ويغيّر فيها كما يقتضي التطور المتدرج..الخ.
يتلاشى هذا الدور ليتحول الفرد- في ظل هذه الرؤية- من عاقل مستقل الوعي والتفكير.. إلى مجرد مصفق، أو مخبر، أو مسلوب الشخصية، يسكن نفسَه ، الخوفُ، أو اللامبالاةُ..أو العجزُ وضعفُ الثقة بالذات..أو الانزلاقُ إلى نمط منفلت من الحياة، أو حالة انكفاء مرضية ..الخ. ويصبح فقط كومبارسا .. يخطب فيهم القائد (الأمير، الملك..الرئيس..)المفدّى،الملهَم، الفذ، الذي لم تنجب الأمة مثله(وهذه ليست خاصة عروبية فقط بل خاصة (عالمثالثية) عموما. ولكن–ربما- هي الخصوصية العروبية في: “المزج الانتقائي بين دور القومية ودور الدين الإسلامي، وبطريقة توليفية أيديولوجية تعاند المنطق في كل أشكاله). و من الغريب ..أن الذين يقومون بهذه المهمة الأيديولوجية..ذووا اتجاهات دينية أخرى كـ(ميشيل عفلق) المسيحي مثلا(وغيره مثله) والمنظر الأهم لدى البعثيين عن هذه العلاقة بين العروبة والإسلام.. أليس غريبا.. هذا الأمر قليلا..؟!
مصادرة حياة الفرد بكليتها،كنتيجة للأيدولوجيا الاستبدادية، وأداتها القومية(أو العكس)، أنتجت نمطا مستبدا من الإدارة السياسية – بقصد أو بدون قصد- وأصبح الاستبداد خاصة مستساغة لدى الحكام، فكانت بطانة من المتسلقين الذين فهموا الحياة تسلقا، وكانت هذه البطانة تمتص(وتكتسب) أنواع الأداءات في السياسة، وتبتكر أداءات أكثر تكيفا مع مصالحهم، وقدراتهم، في العمل.. فكانت تكرس التسلق نمط حياة،وأسلوب تفكير.. أو فلسفة عمل وحياة ..!
وتصبح لهذه الحياة النمطية الخاصة، مفرداتها اللغوية الخاصة، وطبيعة سلوكية خاصة.. تستند إلى منظومة قيمية خاصة، أفرزها تاريخ من الاستبداد، ومنتوجها الحياتي، والثقافي الخاص، وعلى رأسها منظومة أمنية، تفرز ثقافة تجسسية(وتوجسية) من الكل على الكل… مما يفرز نمطا سلوكيا من التفكير المتردد، والخائف، والمحتار، والقلق، والمتطلع إلى الهروب الداخلي (النفسي) بنوع من الانعزالية الخائفة والضعيفة، أو الخارجي(الواقعي) بنوع من الهجرة إلى أماكن أخرى – أوروبا خاصة- معرضة نفسها لعدد من حالات الخطر كالغرق أو السجن أو إعادة إلى دول هرب منها فيذهب إلى حيث (خالته) كما درج القول عن مثل هذه الحالات(فيكرم بالتعذيب والاستجواب المر والسجن الكيفي..)
هذا هو واقع التسلق في ميدان السياسة باختصار شديد..
هل هو مبرر..؟ هل هو مشروع..؟ بلا ريب.. ما لم تفرضه ضرورات – ويجب النظر في معنى كونها ضرورات- فلا مبرر لها، ولا مشروعية لها..! وإذا ألجأتنا الضرورات تلك.. فلا ينبغي أن يسري قانونها على ميدان الثقافة إلا في أضيق حدودها.
* عالم الثقافة مختلف عن عالم السياسة..
ليس السياسي مثقف بالضرورة، وفي حال كونه يحمل وثيقة توحي بكونه مثقفا، فإنه سرعان ما يبتعد عن الثقافة بسبب طبيعة ظروف الأداء السياسي في مجتمعاتنا-على الأغلب-..حيث الخوف الدائم من احتمالات انقلاب أو (ثورة) أو اهتزاز العرش…أو الانشغال بملذات الحياة ورفاهيتها..وفي الحالات القليلة التي قد يتوفر للبعض فيها بعض اهتمام- من نوع ما- فهو لا يزيد عن معرفة نظرية لا صلة لها بالممارسة(ثقافة نظرية بحتة). ولا تؤثر على طبيعة التفكير، من حيث تعمقه، أو ابتكاره، أو نزوع منه نحو التغيير، أو الإبداع..الخ. وهذه تتميز بها الحالة الثقافية في المجتمعات العربية بشكل خاص،حيث تصبح المفاهيم مجرد ظاهرة صوتية، أو شعارات لا ترمي إلى تطبيق واقعي ..بل لتضليل الشعوب أو الأمة .
إذاً هي طبخة غايتها خدمة الحال السياسي التي هم عليها..
أما المناخ الثقافي..(أو القيم الثقافية)فهو مختلف، ما لم تكن السياسة قد صادرتها،فحولت ممثليها إلى جوقة ببغاوات تردد ما يهمس في آذانها..
المفترض أن المثقف- بمعناه الأبسط-هو:إنسان ذو علم ومعرفة، تجعل منه أحسن استخداما لطاقات العقل لديه، ومن ثم معرفة الحقائق والواقع أكثر.. مما يفرض نمطا من السلوك أكثر تلاؤما مع ما يعتقد،(هذه العقيدة المتكونة بحسب معرفته ومستوى تفكيره وشعوره بمسؤولية الحياة)عن خبرة و إيمان ويقين –إذا جاز التعبير-.
*المثقف كائن متعال دوما نحو عوالم جديدة، أو مبتكرة، بوحي من تزاحم الأفكار- نتيجة للتأمل- وانكشاف الأسرار. وروح الأمل بحياة أجمل، وأفضل، على مختلف المستويات..وشعور بالمسؤولية تجاه رسالة حملها – قصدا أو بدون قصد- …تفرض عليه قدرته على البحث، وتطلعه إلى الكشف، نمطا من الشعور بالمسؤولية، قد لا يستشعرها السياسي: *{السياسي المتشوق إلى مزيد من الهيمنة.. مزيد من السطوة.. مزيد من التوسع في الممالك.. والعلاقات التي تخدم هذا التشوق..(في العالم الشرقي والعربي خاصة). مسؤولية السياسي- من وجهة نظره- تنحصر في قدرته على ضبط الناس، وتحييدهم عن السياسة بل والاقتصاد الذي يحتمل أن يزيد من قدرتهم على التفكير في قضايا السياسة.. ومن ثم ربما منافسته في موقعه..! والأقليات(والمواطنون عموما)- بالنسبة إليه- كائنات ينبغي أن ترضى بما يقدمه السياسي له من مكرمات.!
في أعماق تفكير السياسي عموما، هو متميز.. متفوق.. وينبغي على الآخرين أن يتقبلوا هذه الفكرة، ويتكيفوا معها..عليهم فقط أن يطيعوا ..!}.
*المثقف لا مطمع له في هذا التشوف.. بل هو باحث، يطرح أسئلة دائمة للوصول إلى أجوبة تكون معالجة (أو حلا) لمشاكل اجتماعية أو اقتصادية أو فردية (نفسية) ..الخ.
ألم يتخل ابن خلدون عن السياسة ليتفرغ للبحث..؟
ألم يرفض أبو المجد سعادات الشفاء الكامل، لئلا يعود إلى السياسة، وتفرغ للعلم والبحث..؟(1)
ألم يتخل الحسن بن علي عن الخلافة.. ووجع الرأس فيها.. ليتفرغ لشؤون ربه(وهي ممارسة شعائر وطقوس تصنف ضمن ملاكات الثقافة)..؟
ألم يقبل أبو حنيفة بالسجن هربا من وظيفة القضاء التي أصر الخليفة على توليته إياها..؟ وهكذا فعل الكثيرون من كبار العلماء تخوفا من ان يغلب الخطأ في أدائهم فيحاسبهم الله..!
وكم..و كم..من النوابغ في ميادين شتى.. من العلوم.. والفلسفة.. والفنون.. والطب …اختاروا مهنا يبدعون فيها، ويخدمون البشرية عبرها …بدلا من الانشغال بسياسة تدفعهم إلى مصادرة الحقوق، وظلم العباد, والتمتع بخيرات شعوبهم على حساب أنّات أطفالهم، وآهاتهم، وعريهم، وجوعهم..فضلا عن منع الهواء عنهم.. وحجز أفكارهم.. وآرائهم.. الخ. (طبعا لسنا ساذجين إلى الدرجة القصوى، لنوحي بعدم الحاجة إلى الإدارة السياسية، فهي أمر لا بد منه..) ولكننا فقط نجري بعض مقارنة بين الأسلوب في الأداء في الحالة السياسية،وبين الأسلوب في الأداء في الحالة الثقافية ،لننتهي إلى نتيجة فحواها..ليست الثقافة -كحالة إنسانية- مشابهة للسياسة -كحالة إنسانية أيضا- وبالتالي، فما يسري على السياسة..ويبرر بعض إجراءاتها، قد لا يسري على الثقافة، ومن ثم لا يبرر سلوكا متسلقا لدى بعض المثقفين الذين اتخذوا من المقدرة الثقافية- إذا جاز تسميتهم مثقفين- وسيلة للتسلق نحو كسب ود المتنفذين والسياسيين والأغنياء ..الخ من أجل مكاسب تبقى أقل قيمة وأقل أهمية من القيم الثقافية التي يفترض أنها تتجه نحو تعال على الذات باستمرار لبلوغ القيمة المتكاملة للإنسان كموجود متميز بين الكائنات جميعا على وجه الأرض. جاء في القرآن الكريم: ((ولقد كرمنا بني آدم)). وجاء في الحديث الشريف:((كلكم لآدم وآدم من تراب)).
وطبعا نحن نعتمد شواهد من مثل هذه، لأنها تعتبر سماوية ( لدى معتنقي العقيدة الإسلامية على الأقل، وخطابنا موجه إليهم بالدرجة الأولى).
…………………………………………………………………………
منشور في موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=3955

المزيد من المقالات