الحياة دوّامة

الحياة دوّامة
الأربعاء 16 ايلول 2015
محمد قاسم ابن الجزيرة

المصادر التي نقلت إلينا معلومات عن الحياة الكونية –والإنسانية فيها خاصة – يمكن تصنيفها سريعا إلى:
– المصادر الدينية والتي هي أكثر مصداقية –قياسا لغيرها – بسبب انها نقلت عبر اعتقاد ناقليها المؤمنين بما فيها. ولئن حصلت محاولات تحريف او استثمار في اتجاه مختلف عن مضامينها فان ذلك يبقى امرا محدودا بسبب كونها كانت محروسة –بشكل ما من مجموع المؤمنين بها طوعا كقناعة وايمان –قياسا لحالات تولى مهمة الحفاظ عليها أناس ذوي غايات ذات صلة برغبات دنيوية مباشرة كالمال والجاه والمكاسب المختلفة. – مصادر تولى جمع المعلومات فيها أناس بجهود ذاتية نتيجة اهتمامات خاصة وهم القراء والمفكرون والمؤرخون ولكل اهتمامه وربما غاياته أيضا… وفي أحوال كثيرة كانت تعمل لمصلحة القوة المهيمنة سياسيا –ملكية –أمارة-رئاسة قبيلة…الخ. مع ذلك فقد نرى فيهم من احتفظ بذاته الخاصة محترما قناعته الشخصية ومعتقداته وغاياته النبيلة…

– مصادر فلسفية ثبتت نتائج أبحاثها في معنى الكون الحياة وعناصر حيوية فيهما لاسيما خصوصية الانسان فيه ومحوريته في الفعالية والإنتاج والابداع… والانحيازات المختلفة عن عمد او جهل او خطا غير مقصود… وهذا أحد أسرار التكوين البشري الذي يكرر الانسان الإشارة اليه (الخطأ جزء من تكوين الانسان) لكنه قلّما يأخذه في الاعتبار عند التفسير والبناء على نتائج ذلك في اتخاذ المواقف والقرارات… وفي السياق الأخير تظهر التباينات حول المعلومات بحسب طبيعة البحث والنتائج المحصلة وربما تأثير اتجاهات –أحيانا ذات طبيعة مسبقة – كما في بنية الأيديولوجيات السياسية –أيا كانت طبيعتها وخلفياتها-. -….
في مثل هذه الدوامة من تنوع المصادر والخلفية الثقافية لها وغاياتها العلمية والمنطقية او الغائية السياسية وكل ما يتعلق بها … فضلا عن ظروف تطرأ وتستجد وتضغط… كيف يمكن للإنسان في هذه الدوامة ان يصل إلى الحقيقة الناصعة والمطلقة؟! امر بالغ الصعوبة. لكن الانسان يظل يسعى. ومن الجميل منه أن يفعل ذلك. عند هذه الفكرة -السعي الدائب- ألا ينبغي علينا طرح أسئلة عن دوافع هذا السعي ومنهجه وغايته والنتائج التي يحققها…؟! التفكير الفلسفي الحيوي بدأ هذا السعي وفي إطار هذه الشروط ولا يزال يجاهد وفقا لها، لكن العوامل الأخرى تظل تعرقل جهودها بقصد او بدون قصد… فالدين لدى كثير من المتدينين ومنهم مشاهير وذوي بسطة في العلم والفلسفة والمعرفة بشكل عام كالغزالي يرى في الفلسفة تهاتفا استفاض بشأنه في كتاب “تهافت الفلاسفة” وقد عارضه ابن رشد في كتاب اسماه “تهافت التهافت” لكن أثر الغزالي القوي دينيا أضف دور ابن رشد في تزكية الفلسفة. وجاء الغزالي في كتاب “المنقذ من الضلال” فزاد قوة هجوم على الفلسفة واتهمها بالضلال والبطلان. فترك أثرا سلبيا على النظرة الى الفلسفة. ويبدو ان ذلك وجد استحسانا من الذين أراحتهم التساؤلات الفلسفية التي تدفع نحو البحث الجاد والمسؤول والمبدع … وانصرفوا إلى الشروح والتفسيرات فحسب…فكرروها طوال قرون طويلة جاء التصوف الذي عززته نظرية الغزالي بقوة المنطق والتحليل وتلقفته قوى استحسنت نشوة الروح فيه بإجراءات غير ميدانية. كما ان بعضهم وجد نشوة دنيوية في امتلاك قياد ونفوس مريديه بحيث يستسلمون له بصورة مطلقة وهذا يستجيب للنفس البشرية “الأمارة بالسوء” والمنتشية بلذائذ وان لم تكن جسدية مباشرة أحيانا. والأسوأ ان انتشار الثقافة السياسية التي انفصلت عن الأخلاق، وامتزجت بنتائج تعود لذائذ ومتعا ونشوة مادية (سلطة ومال وما يترتب عليهما من تحقيق الرغبات المباشرة وغير المباشرة…) ومعنوية (جاه وقوة حكم “سلطة” وهي مكملة لما سبق). لئن كانت الفلسفة والعلوم تحاول البحث استنادا الى معايير منطقية وتجريبية ذات طبيعة موضوعية، فان السياسة ذات طبيعة ذاتية متعلقة بطبيعة ذكاء ومهارة الشخصية السياسية –والمنفصلة عن ضوابط الأخلاق-وتتنامى الحال الذاتية فيها كلما قويت لديها قوة السلطة …فأصبحت هناك مشكلة حقيقية في إدارتها للشعوب على أساس هذه الخصائص انانية –والمنحرفة غالبا بدلالة ما نقرؤه ونلاحظه من الفساد المرافق للحياة السياسية في النظم الديمقراطية فما بالك بالنظم المستبدة والأيديولوجية حيث تكون قوة السلطة متركزة في ايدي الحكام اكثر.
ما يزيد الطين بلة ان الثقافة السياسية وما يتصل بها في الممارسة خاصة والتصورات المدغدغة لآمال وطموحات واطماع … تزداد نفوذا في حياة الناس والشعوب –المتخلفة خاصة-فيتحول العمل السياسي من حالة نضال من اجل تحسين شروط الحياة استنادا الى نتائج أبحاث الفلاسفة والعلوم والقيم الإنسانية التراكمية والآمال بحياة أكثر استقرارا وطمأنينة وقابلية للتطور الإيجابي …الخ وينخرط فيها عدد كبير. والخطر هنا هو انخراط الصغار قليلي التجربة والنساء الاميات والجاهلات ونسبة من المتهافتين –أيا كان السبب- دون حيازة قوة تأهلهم لها. فيصبح الجميع وقود أنظمة وأحزاب وقيادات فيها لقاء فُتات لا توازي ما يدفعونه ضريبة في أحوالهم هذه. وبدلا من ان يكونوا قوة إيجابية تنتج وتبدع تتحول الى قوة تفتيت وتشتيت للمجتمع، ومن مطرقة قوى مستبدة لضرب الفعالية المفيدة اجتماعيا لصالح هذه القوى…وهذا ما يستبقي الشعوب المتخلفة دوما في أماكن تتراوح فيها –بل وتتراجع غالبا إلى مستوى متخلف عن الزمن كثيرا … فيصبحون مجرد مستهلكين كسالى أشبه بأولئك الذين كانوا يجلسون تحت شجر التمر فاغري أفواههم ينتظرون سقوط واحدة في فمهم. ومن الشبيه بهذه الحال، أولئك الذين يغامرون بحياتهم –فرادى وجماعات- في معابر الهجرة غير النظامية فيغرقون ويختنقون ولا يثنيهم ذلك عن التفكير في حلول أفضل في بلدانهم… ومن المؤسف ان القوى السياسية هي التي توفر هذه الظروف –بالنسبة للكورد على الأقل- سواء بالضغط كالتجنيد الاجباري وممارسة الاستبداد والقمع مع المختلفين ام بالتقاعس وممارسة التضليل بتنشيط الشعارات والأقوال بلا عمل يؤنس النفوس ويولد الثقة بها.
…………………………………………………………………………………………………………………………
منشور في  موقع ولاتي مه
http://www.welateme.net/erebi/modules.php?name=News&file=article&sid=19668#.XkWejzLXLIU

المزيد من المقالات