الأولويات في الحراك الإنساني وحديث عن نهج في الحوار 1

الأولويات في الحراك الإنساني وحديث عن نهج في الحوار 1
محمد قاسم(ابن الجزيرة)
Friday 18-11 -2011
في حياة الإنسان كثير من المعطيات والحاجات والتطلعات …يحاول أن يتفاعل معها.
وعلى قدر وعيه لها، واستعداده، وإمكانياته في التعامل معها؛ فهو يحقق النجاح في هذا التعامل –وهو ما يمكن تحديده –على الأقل- منطقيا.
هذا في قضية الحياة العامة-والحياة تعني حياة البشر بالدرجة الأولى، ولكنها تشمل حياة الكائنات الأخرى أيضا، والتي تشكل البيئة التي يعيش فيها البشر، وقد تعني الكون كله … -في بعض ما تعنيه- .لأن الكون موجود بوجود الحياة فيه، والحياة هي الفاعلية البشرية وبيئته فيه.
عبّر عن هذا المعنى بشكل ما –احد الفلاسفة الذاتيين إذ قال: “أستطيع أن أقضي على العالم بضربة خنجر” ويقصد أن انتحاره يعني نهاية العالم ما دام لم يعد يدركه.( )
لعل الجانب الأهم من فاعلية البشر هو: الجانب الاجتماعي في سلوكه، وهو جانب يشمل كل أنشطته، لكن هذه الأنشطة تسمى بحسب طبيعتها، فهو نشاط اجتماعي عندما يتناول العلاقات بين الناس… وهو نشاط سياسي عندما يتعلق بالعلاقات الإدارية العليا للمجتمع، وهو نشاط ثقافي عندما يتناول الجوانب المتعلقة بالحياة في الآداب والعلوم والفنون والفولكلور، وأنماط المعيشة سكنا وطعاما ولباسا وعادات وتقاليد…الخ. …وقد يشمل كل مناحي النشاط الإنساني في حال معينة…وهنا قد يتوافق معنى الثقافة والحضارة والتراث بشكل ما، طبعا مع التنبه الى جانب فيه خصوصية لكل من هذه المفاهيم-المصطلحات-
اعتدت أن امزج بين الروح الثقافية والأفكار المختلفة :اجتماعية كانت ، أم سياسية ام غيرها…لقناعتي بأن وحدة الثقافة وشموليتها على النشاط البشري في مختلف تجلياته الاجتماعية والسياسية والفنية وغيرها قد تكون ضرورة لئلا تتشتت الرؤية الى الموضوع المطروح ومتعلقاته في ترابطها المشيرة الى جامع مشترك…
فكما أفهم إن طبيعة أنشطة البشر إنما هي في سياق واحد افتراضا على الأقل-–وأظن أن هذا الفهم يستند الى حدس ومعرفة، وهما من خصائص البشر عموما- وبالتالي فإن تجزيئها -انسياقا مع المبالغة في التخصص- يهدر قيمة المعلومات والمعطيات التي أنتجها-وينتجها- التخصص؛ ما دامت تعيق الجانب المأمول في الحياة، وهو الوصول إلى السلامة، والسلم، والعيش برفاهية متدرجة؛ تنعكس على حياة البشر عموما، سواء في جانبها الاقتصادي، أو السياسي، أو الثقافي… أو الإنساني بشكل عام الخ.
المشهد الحياتي-الإنساني –الكوني…هذا الزخم البشري الموزع في جغرافيات مختلفة،ولها تاريخ مختلف عن بعضها بحسب هذه الجغرافية، وما فيها من طبيعة بيئية تختلف من مكان لآخر، بحسب التضاريس عموما، والقرب من البحور والمحيطات أو بعدها …وتشكل المجال للحركة البشرية في مختلف أنشطتها السلمية والحربية والمعيشية عموما…الخ.
وقد تؤثر الظروف الطبيعية -بما فيها من كوارث -على طبيعة الحياة، ومستوى المعيشة، وربما المزاج النفسي، والفكري لهذا الشعب أو ذاك، وقد تؤثر النزعات العدوانية الناتجة عن طموحات، أو تلك التي تسكن النفوس أصلا ؛إذا أخذنا في الاعتبار مضمون الآية القرآنية القائلة “إن النفس لأمارة بالسوء”.
وإذا تذكرنا نظرية فرويد صاحب مدرسة التحليل النفسي حول أن العدوانية غريزة في جبلّة البشر.–وان كانت الشكوك تراود الكثيرين حول المحور العام لمسار مدرسته هذه…!
لهذه الأمور، وغيرها –محتملة- فإن العلاقة بين الجماعات البشرية في مختلف تكويناتها،وتجلياتها… قد اتخذت منحى يحسم الصراع ، النتائج فيها –غالبا- .
وفي العصور الأخيرة، غلب الاتجاه الذي يتبنى الاهتمام الاقتصادي في الثقافة البشرية، الى درجة طاغية؛ تكاد تتجاوز القيم الإنسانية المفترضة الأخرى، ومنها القيم الأخلاقية الايجابية بالدرجة الأولى، فذوت النزعة الإنسانية (تأصيلا- لا ثقافة نظرية) والتي أصبحت توصف تحت بند الحقوق الإنسانية، أو أي عبارة شبيهة… وهذا يوضح كم تراجع دور الروح الإنسانية الإيجابية في الثقافة النظرية والميدانية للبشر مذ تضخمت القيم المادية والمالية على حساب القيم الروحية والمعنوية –وليست الدينية إلا بعضها …-
وزاد الطين بلّة؛ أن الثقافة السياسية اتخذت مساحة أوسع مما يفترض لها، في سياق الثقافة العامة بشريا..–ربما لأنها تستجيب لمقتضى النزوع العدواني لدى الإنسان في صورة ما، وتستجيب –أو تتبع- نهج الصراع في العلاقات ..انسجاما مع الرغبة في الهيمنة على الجماعات شعوبا وأمما-صغيرة ام كبيرة …-
فنحن –إذا- في المشهد العام للحياة البشرية وبيئتها عموما –الكون- أمام خارطة صراعات، يغلب فيها النهج السياسي بكل معطياته- المستمدة أو المعتمدة أو المستجيبة …للنزوع العدواني، والرغبة في التسلط والهيمنة .
ويبدو أن العلاقات –في ظل هذه الثقافة السياسية –المشبعة بالأثر الاقتصادي- استحالت -و تميل الى ذلك- الى ثقافة إفراز المفاهيم، والنزعات السلبية، والتي يُتوهّم أنها تعين على الغلبة في خضم هذه الصراعات، فتخبو القيم الايجابية الهادفة لبناء حياة اجتماعية-وسياسية وثقافية…- لصالح نمو وتوهج قيم سلبية، محورها الشك، والانفعالات العدوانية، من كراهية وخوف وربما حقد… ولهذا فإن النزوع الإستخباراتي في الثقافة السياسية العالمية تنمو باضطراد، وتتحول من مهمة حماية المصالح العامة وطنيا ،إلى نهج ذاتي يتحول شيئا فشيئا الى أداة فاعلة سلبيا بأيدي النظم –خاصة تلك المستبدة.
لا يستطيع تطور الثقافة النظرية والأدوات التكنولوجية التي يتواصل -من خلالها- البشر من كل أصقاع الدنيا –بغض النظر عن بعض الحجب والتضييق عليها- لا يستطيع هذا التطور الثقافي النظري، أن يصحح الإفرازات السلبية للثقافة السائدة عمليا وميدانيا في الحياة البشرية …لاسيما أن العولمة تبدو حاضرة، وتخدم الاتجاهات السلبية أكثر مما تخدم الاتجاهات الايجابية، باعتبار أن المتحكمين في الحياة هم طبقتان- ومن يلحق بهما- –طبقة السياسيين وطبقة الاقتصاديين… قلّما تأخذان في الاعتبار المصالح الأعم للبشر في ظل الصراع المحموم على الهيمنة في هذه المجالات. وان كان هناك طبقات ظاهرة أو خفية قد تتوافق معهما بشكل ما ومنها، طبقة العسكر والكثير من رجال الدين..مهما كانت الدوافع…
من الطبيعي إن هذا المشهد- أو الواقع- يعج بالكثير من الحوادث والحالات والمظاهر والظواهر…والتي تتماشى – طوعا ام كرها –كإفراز معها…فتصبح الحياة أكثر تعقيدا لجهة إعادة المسار الطبيعي المفترض – والمأمول كطموح – للعلاقات البشرية.
هل نفقد الأمل؟
بالطبع لا..فالحياة في طبيعتها كما يقول الإمام علي بن أبي طالب- رضي الله عنه:
قف دون رأيك في الحياة مجاهدا= إن الحياة عقيدة وجهاد( ).
………………………………………………………………………..
منقول عن موقع الرظكن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=24390

المزيد من المقالات