“سر فلا كبا بك الفرس”

“سر فلا كبا بك الفرس”
محمد قاسم(ابن الجزيرة)
Wednesday 16-01 -2008
لا أكتم القارئ الكريم، بأنني وجدت عنتا في قراءة مقالات تتبادل “النقد” حول قضايا،شعرت بأن حصة العلم والمعرفة فيها أقل من حصة التشنيع على البعض.
والعبارات المستخدمة في سجالات بعض الكتاب،تتخذ شكلا نقديا؛ ولكنها تعبر- واقعيا- عن خلجات نفسية؛ أكثر من التزام بالضوابط او المعايير النقدية التي تتيح للقارئ فائدة الوقوع على الاختلافات، والدقائق في الأفكار، أو التعابير ..!
وفعل النقد-كما يعلم الجميع- مهمة نبيلة، وعالية في مستوى القائم به، القادر – عادة – على إلقاء ضوء كاشف على واقع الممارسة الكتابية، وتقنياتها الأفضل :لغة، واختيار وتحديد معان، ومصطلحات، ..وغير ذلك.والدخول في أعماق النصوص،للغوص في بحورها، لاستكشاف خفاياها،وعرضها للآخرين الذين لا يجدون الوسيلة الى ذلك لسبب ما.
فالناقد – في العموم – أشبه بدليل ومرشد للآخرين،ولا ينبغي عليه ان ينسى هذه الوظيفة النبيلة في خضم التوتر النفسي له، لسبب ما.ويتحول الى معاكس ومشاكس للآخرين من واقع التميز ببعض قوة نالها ..بشكل أو بآخر.وذلك لكي يدفع الناس الى فهم أحسن، وأدق، عبر معرفة خفايا النص، او العيوب التي تسللت إليها من خلال قصور في مقدرة الكاتب،أو قصد منه لغايات خاصة، أو…غير ذلك.
والمعرفة تنعكس سلوكا بدرجة او أخرى..كما نعلم.بل وكما يعلم المثقفون فإن “النظرية التربوية المعرفية” ترى في المعرفة، الأساس في تكوين السلوك.كان “سقراط” يقول:
” ما من احد يفعل الشر مختارا”
فالسلوك الشرير يكون بسبب نقص في المعرفة- بحسب ذلك- وهناك بالطبع نظريات أخرى عديدة ومنها المخالفة.
لا أنكر أني –بالكاد- كنت أفهم بعض العبارات التي كتبها أصحابها في مقلاتهم ونصوصهم النقدية –كما تبدو-، محاولين –فيها – إبراز براعة في التأليف والتوليف ،واختراع الألفاظ الجديدة في الساحة التعبيرية، او النقدية .. وتساءلت –حينها – لمن يكتب هؤلاء الكتاب والنقاد..؟!.
هل يهدفون الى إظهار براعة لفظية –أو معلوماتية- شبيهة بتلك التي ظهرت في مرحلة الانحطاط في الأدب، والفكر العربي –كما يسميها بعض الناقدين-حيث أصبح الاهتمام منصبا على كيفية قراءة عبارة او بيت من الطرفين-مثلا- بنفس اللفظ والمعنى –أحجية-
“سر فلا كبا بك الفرس”.
أو :مودته تدوم لكل هول**** وهل كل مودته تدوم؟!
أو اللجوء الى اختصار كتب، و أحيانا، الى توسيع مضمونها شرحا ..وهوامش..الخ.ٌٌَّّ
وفي الحالات جميعا كانت الخلفية النفسية- كما بدا- هي الطابع الأغلب في كتابات هؤلاء (منطلق سيكولوجي) متخذة شكل تنافس، ومباراة، لتتبع الأخطاء والهفوات –والتي لا بد من وجودها في أي عمل بنسبة ما؛ كجزء طبيعي في تكوين البشر((كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون))-حديث شريف.وقانون إنساني ..ففي القانون هناك مبدأ “الخطا المفترض”
عندما لا يجدون خطأ في الواقع،لتفسير حدث ما.تدهور سيارة مثلا.
ولقد عشت في حياتي – بشكل عام – ناقدا اجتماعيا، بسبب شعور كنت أعيشه بوجود الخلل في حياتنا الاجتماعية، وربما تجاوزت –أحيانا- الهدف من النقد، لافتقاري الى تجربة ناضجة في المراحل الأولى من حياتي،وربما للخلفية النفسية التي تدفعني الى ذلك أيضا حينا.. وربما لكوني -فعلا – كنت في سوية فكرية او قيمية أو سلوكية… تتجاوز بعض الحالات التي كنت انتقدها،فيجيء النقد وكأنه متجاوز،… ولكنني اليوم-على كل حال – انضج في أسلوب توجيه النقد..وان كنت -ربما – لا أزال أتأثر بأحوال نفسية ،هي من طبيعة الكائن البشري ..ويبدو ان الخلاص منه يحتاج الى العمر كله..وربما لن اخلص – لا أنا ولا غيري- من وجود نزعة نفسية في تحريك النقد لأي كان ،وحول أي شيء كان..! وربما هي السبب في ما نقع فيه من الأخطاء إذا لم يكن جهلا.
أقول هذا متمثلا بفقرة من سيرة حياتي النقدية،لأشير الى تجربة عشتها..ولا بد أن -غيري ايضا عاشها.. أو يعيشها- ولعل الإشارة الى أخطائنا في الحياة قبل الانجرار الى نقد الآخرين سيساعد على نقد متوازن أكثر..فالحياة النفسية لدى البشر –في معظمها وجوهرها – متقاربة التكوين ..كما أقدر ..أو كما فهمت –على الأقل -.
المشكلة هي في ما تتكون منه شخصية الإنسان من قوى: نفسية، وعقلية، وتجارب ميدانية تنعكس على القوى النفسية والعقلية لديه، وربما كان هذا هو المقصود بالخبرة والنضج في أدبياتنا اليومية كتابة وشفاها..
وعلى الرغم من ان التجديد يتطلب أحيانا الخروج على القواعد..إلا أنه لا ينبغي ان يتجه نحو “الذات البشرية المكرمة” في الأديان، وفي الأخلاق، وينبغي ان تكون كذلك في كل حال.
((ولقد كرمنا بني آدم)) قرآن كريم.
ويقول كانط الفيلسوف الألماني المشهور: ((لو كانت سعادة البشرية مرهونة بقتل طفل بريء ما جاز ذلك)).
إشارات قوية الى القيمة الإنسانية، وهي مشتركة بين الناس جميعا–جوهر الإنسان الذي يتميز به عن الكائنات الأخرى.
وربما كان المثقفون هم أكثر من يتحسس هذا المعنى ويدركه.فهو الأكثر تعرضا للمضايقة والتشهير ونسبة الاتهامات الكاذبة إليه من الجهات المتضررة من القوة الواعية والمسؤولة لديه.فكيف ينسى هذا الأمر وينزلق الى ما يواجهه دائما عند هذه القوى..؟! ولا يتعظ..؟!
نحن كمثقفين وكتاب ومبدعين…–في الحصيلة – نتعامل مع بشر، وعلينا ان نتفاعل معهم ..لتكون للحياة الاجتماعية -بإبعادها جميعا ،وخاصة الثقافية – فعالية التأثير في التطور والتقدم..حضاريا. ونتجنب الفهم المبتذل للمبادئ، وصلتها بحياة البشر،وما نشاهده هذه الأيام من المآسي، والفظائع… تحت عناوين مختلفة، ومبتذلة..!
فما لم تكن الكلمة متوافقة مع دلالتها ألأصلية؛ تصبح منحرفة، او مبتذلة –إذا كان الانحراف مقصودا منها-.
إضافة الى ان ذلك استجابة طبيعية للتكوين الطبيعي للإنسان “الاجتماعي بطبعه” أو “المدني بطبعه”أو “السياسي بطبعه” بحسب أرسطو، كتعريف للإنسان؛الى جانب التعريف المشهور منه أيضا، وهو: “الإنسان حيوان ناطق”.
فإذا أوتينا مقدرة في جانب ما من جوانب المعرفة والقدرة الإبداعية –ربما تزداد عن البعض كما او نوعا -..فلا أعتقد أننا ينبغي أن نستثمر ذلك للإساءة الى الآخرين،او التلذذ بشعور التفوق على الآخرين..مع ان الناس بطبيعتهم يدركون ما نتميز عن الغير -سلبا أو إيجابا- .
وفي الحالة الإيجابية يقدروها لنا..كقيمة مضافة الى تميز المرء كنتيجة لجهد..أو كقدرة على إضافة اجتماعية في حياة المجتمعات،وتنعكس على أفراد المجتمع وجماعاته..
القيمة البشرية في الآخرين، هي قيمة نشترك فيها معهم – وإننا عندما نخاطبهم ينبغي ان ندرك القيمة التي نشترك بها معهم..
لذا–عادة-يركز ذوو المعرفة والعلم،على ضرورة ان ينصب النقد على النص،لا على الشخص. وهو مبدأ لا يخفى على الكتاب..ولكن..!
لماذا ينزلق بعض الكتاب والمثقفين والمبدعين… إليه..؟!
تلك هي المشكلة..!
ومع أنهم يفرقون بين الكاتب والذات الكاتبة (بين الشخص كإنسان وبين القوة الداخلية فيه والتي تملي الكتابة، ولا يبقى لليد سوى تنفيذ ما يملى عليها.مع الإقرار بوحدة المكونات النفسية جميعا عند الإنسان..!
هذه هي المساحة التي نريد الحديث فيها هنا..ونرجو أن يشاركنا الغير فيها أيضا .
ربما نضع في اعتبارنا –أحيانا -إننا نخاطب النخبة التي نرى فيها القدرة على الاستيعاب والتفاعل والإنتاج والإبداع..وذلك كله وارد بالنسبة للبعض على الأقل.
كما ان البعض .. قد تقودهم قدرتهم الإبداعية –أحيانا –ولا يستطيعون تجاهلها، واصطناع الوسيلة للبقاء في مستوى الحالة العادية من التعبير والإبداع ..لكنها تبقى لحظات في فترات متفاوتة الزمن والمدى..يحلق فيها القدرة التخيلية والإبداعية عند الإنسان، ثم لا تلبث ان تعود الى واقعها.
فيعيش الإنسان واقعه السائد حياتيا،فيأكل، ويشرب، ويذهب الى الحمام،و..،أو ..أو..الخ. كما غيره من الناس..في معظم مساحات حياته الباقية ..!
فلا تمايز بين كائن إنساني وآخر إلا بالقدر الذي يحيي في ذاته- تفكيرا وسلوكا وممارسة عامة..- قيما وضوابط وأشكال تصرف..-أتيكيت..- وفق المعايير المعتمدة اجتماعيا، والمرغوبة عادة..مما يضفي على السلوك جاذبية تنال الإعجاب او التقدير ..أو الاحترام..أو الحب.الخ.
إذا فالتواصل مع الناس -بشرائحهم المختلفة- من طبيعة الحياة، وضرورات تقدمهم أيضا.
والمجتمعات بكل فئاتها، وشرائحها، واتجاهاتها، هي البيئة الطبيعية للإنسان، مع الوضع في الاعتبار؛ وجود لحظات تحليق، بين الفينة والأخرى؛ لاختراق الواقع-تجاوزه- الى ما هو أعلى، وأسمى، وأجمل وأكثر جدة.. أو جديدا تماما..
وهذه اللحظات الإبداعية –ربما- هي التي تدفع دوما نحو التقدم في أي مجال..ومنها الفكر والأدب..وينبغي تقديرها واحترامها بل وتشجيعها..أيضا.
أريد أن أقول: إن فهم النقد ميدانا للتعالي على البعض،بسبب بعض معرفة او فن او غيره-ربما كان وسيلة سيئة للشعور بالتفوق.!
.فالتجربة البشرية –تاريخيا- تنبئنا عن النهايات غير السعيدة لمثل هذا السلوك..ولا تترك آثارا إيجابية ايضا عن أصحابها..فالبشر يميلون الى ما هو طيب من الآثار،وإن وجد من يتجه اتجاها مخالفا، لكنه لا يمثل الاتجاه السائد -أخلاقيا على الأقل-.
ولأن حديثي يتوجه الى المثقفين والمبدعين الكتاب في مجتمعنا فإني أرى أنهم مطلعون على هذه الحقيقة التاريخية والاجتماعية ايضا ..ولا حاجة لاستقصاء لذلك.
ولكني اطمع في أن يعتبروا بها..!
………………………………………………………………………..
منقول عن موقع الركن الأخضر
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=10701

المزيد من المقالات