ليت سعة الأفق كانت منهجا في حياتنا

ليت سعة الأفق كانت منهجا في حياتنا
السبت 24 شباط 2007
ابن الجزيرة
غزارة الكتابات بمستوياتها المختلفة تجعلني أحيانا انكفئ على نفسي وأكتفي بالمتابعة فقط. ولكن هذه الكتابات أو بعضها منها –على الأقل- تحفزني للكتابة مرة أخرى بسبب ما فيها من
ضحالة أو تشويه أو تطرف أو خيالية غير منتجة..الخ

وعندما خلق الله الإنسان زوّده بطاقات متعددة وخلّاقة.. وجعل هذه الطاقات (أو القوى) مرهونة بمجموعة عوامل لا بد منها لكي تأتي هذه الطاقات أُكلها..!
ولعل أهم عامل هو حالة الانسجام..
والسؤال: كيف يتحقق الانسجام بين قوى تبدو متعددة ومختلفة وأحيانا متناقضة كما هو الحال بين( التفكير العقلي) و(العاطفة النفسية)..؟!.
هذه مشكلة فلسفية قديمة وحاضرة، وربما ستكون قادمة أيضا.. ولكي نحسن تجاوزها في مقام كهذا.. فإننا نرى إهمال التفصيلات – حيث الشيطان، كما يقال- ونتوقف عند الكليات (وهي مفاهيم متفق عليها) فكما يقول أرسطو: لا علم إلا بالكليات.
ومرد هذه الكليات هو جهد قوة من قوى الإنسان المذكورة وهي: العقل. وعلى الرغم من الاختلاف حول طبيعة وجوده ودوره-من الناحية الفلسفية- فإن الاتفاق حاصل على الأغلب على أنه القوة الأكثر أهمية في إدارة شؤون الحياة بشكل عام، وخاصة الجوانب المفصلية والهامة منها، ودون أن ننسى أن المعيار الأفضل هنا هو حالة الانسجام بين القوى المختلفة للإنسان بقيادة العقل. وكفكرة اعتراضية ذات صلة لعله من المفيد الإشارة على بعض انفصام بين القول ودلالته النظرية وبين هدفه التطبيقي (العملي) وخاصة في ميدان التعاملات الميدانية:السياسية الاجتماعية الاقتصادية..الخ. (وربما كان هذا الأمر من أسباب (مشكلات) خرق الانسجام بين القوى داخل الإنسان) وما دام العقل هو القوة الأبرز ، وهو الوحيد الذي يمتلك القدرة على الإدراك عبر عمليات متعددة منها التحليل والتركيب، فربما كان هو الأجدر للعب دور في عملية الانسجام بين قوى الإنسان المختلفة (العقل- العاطفة- الغرائز- الميول..الخ) إذا قيض له العمل في ظروف تربوية ملائمة اجتماعيا..! مما يخلق مشكلة جديدة وهي ظروف العمل التربوي الملائمة، من يوجدها..؟ أليس العقل نفسه الأجدر بذلك..؟ ولكن ..هل العقل دوما يعيش ضمن ظروف ملائمة ليتمكن من القيام بدوره بشكل فعال..؟
وقعنا في حلقة دائرية : البيضة أولا أم الدجاجة..؟ بمعنى أن العلاقة أصبحت دائرية بين العقل وبين الظروف التي ينشأ فيها ودور كل منهما على الآخر (العقل أم الظروف)..؟.
في الواقع إن العلاقة بينهما جدلي (كل منهما يؤثر في الآخر) ولكن يبقى دور العقل – في النتيجة هو الأهم- لذا علينا أن نلاحظ ذلك- بحسب نتائج دراسة علماء النفس.ويمكننا الإشارة إلى أسماء في هذا المجال لمن يريد : وهم يمثلون تيارا فلسفيا فاعلا في تاريخ الفلسفة ويقرر أولوية العقل في كل شيء ومن هؤلاء: أرسطو اليوناني، وهيجل وكانط الألمانيان .
لماذا هذه المقدمة الفلسفية..؟
المعلوم إن الفلسفة اتجاه في المعرفة يتهرب الكثيرون منها لأسباب مختلفة ليست مجال بحثنا هنا، ولكنها –بالرغم من ذلك- تشدني دوما لأصوغ مقدمتي على أساسها. وهذا ما فعلت..
المقدمة هنا تهدف إلى الإشارة إلى دور العقل في النظرة العميقة والشاملة للأمور. هذه النظرة التي يعبر عنها تعبير دارج وهو (سعة الأفق) وهو تعبير مستخدم في مختلف عناصر الحياة النظرية والعملية باعتباره حاجة وضرورة، ويمكن سحبه على الأمور العظيمة كما يمكن سحبه على الأمور المتواضعة..لذا فقد كتبت يوما – مطلع التسعينات من القرن الماضي- مقالا وضعت له عنوانا (سعة الأفق) وقد أرسلته حينذاك إلى بعض المطبوعات- ولم اعد أتذكر أيا كانت- كما لا أتذكر إذا نشرت أم لا..!
وعندما تصفحت الانترنيت يوم أمس انبثقت الفكرة من جديد في خاطري فكانت هذه الكتابة بمقدمة جديدة لما كنت قد كتبته حينها، وإني لآمل أن ينفع هذا المسعى ..
المقال: سعة الأفق
حسب تقديري فإن مسألة (سعة الأفق) هي جد حيوية في أي تنظير سياسي، أو تخطيط معماري، أو تنظيم حياة اجتماعية بمختلف مؤسساتها أو تنظيم في مجالات الحياة المختلفة..
وعلى الرغم من ثقتنا – وواقعيا- بأن هناك من يملك قدرة إبداعية وسعة أفق ملفتة للنظر والاهتمام من بين أبناء الشعب الكردي إلا أنها تبقى حالات يمكن وصفها بالفردية أكثر من إمكان تصنيفها كأفق جماعي لا سيما وأن مناخ نموها شبه معدوم (مناخ الحرية والديمقراطية).
دعاني إلى هذا المقال ما لاحظته في الصحافة الكردستانية واستولدت الحالة أفكارا وجدت أن الإشارة إليها قد تكون مفيدة..
1- إن الغاية – كما هو معلوم- من التنظيم الاجتماعي (جمعيات، أحزاب، منتديات..) هي إيجاد صيغة فضلى لخدمة المجتمع، والرقي به من خلال توحيد الجهود عبر إدارة (قيادة) تمثل اتجاهات هذه القوى تتميز بسعة أفق مستشرفة للآتي (المستقبل). إذا فمن الواقعية والمنطق، أن لا تطغى التنظيمات الاجتماعية – مهما كانت تسميتها- على دور الحكومة التي يفترض أنها التنظيم الأعلى الممثلة للمجتمع وفق انتخابات تشير إلى إرادته.. فالحكومة هنا ليست متعالية على الشعب بقدر ما هي ممثلة لإرادته في العمل لفترة محدودة من الزمن تطول أو تقصر(تعاقد) وهي الصيغة الأكثر مصداقية في النظرية السياسية للحكم – كما هو معلوم-
ولذا فمن المفترض أن يكون ولاء الحزبي لوطنه الذي تمثله الحكومة (المنتخبة افتراضا) أكثر من ولائه لحزبه (مجموعة محددة من الشعب) وهذا لا يلغي أبدا حقه في العمل وفق برنامجه الحزبي لإدارة الأمور عندما تتوفر فرصته لذلك (صناديق الانتخاب هي الحكم في البلاد المتحضرة) . وبخلاف ما نراه في سيكولوجية الفرد الحزبي ، بل وفي ذهنيته أيضا، من الولاء بروح عصبية هي استمرار لقيم القبيلة (العشيرة) السائدة في المجتمع الكردي الذي يبقى متخلفا في تصنيفه مهما حاولنا أن نكون متفائلين في معايير تقييمه، بدلالة غلبة رد الفعل في التفكير والسلوك لدى أبناء هذا المجتمع، وقد لا يكون هذا عيبا أصيلا فمن الممكن أن يتحرر منه إذا اخذ بأسباب التقدم مستفيدا من تجارب الأمم التي سبقته (أوروبا- أمريكا- ماليزيا-سنغافورا..).
2- وإذا تجاوزنا الجانب النظري إلى الجانب العملي (التطبيقي ) في حياة المجتمع مثل:
التخطيط والاعمار وشق الطرق وبناء المؤسسات – شكلا ومكانا وسعة..- وبناء الجسور والسدود المدن والحدائق والمتاحف…الخ. ماذا يواجهنا هنا..؟
إما أن نفعل كما تفعل معظم البلدان المتخلفة فنعمل وفق (ضيق أفق) فيتحول عملنا الى أداءات سريعة بحجة الاستجابة لحاجة المواطنين- كما يكون الزعم عادة في هذه الأحوال- فنيني مشاريع صغيرة أو سيئة في مكانها، أو مادة بنائها..الخ ثم نضطر إلى هدمها في اقرب فرصة إذا لم تتهدم بذاتها، نتيجة رداءتها.. وهكذا في ميدان السياسة وميدان التربية وميادين أخرى.. فيحول المجتمع إلى مجتمع ذي أفق ضيق في التفكير وفي السلوك وفي العلاقات.. وينتج عن ذلك وسائل فيها قصور وفيها فساد وفيها بنية مترجرجة لا معايير لها سوى المزاجية والقوة كأمر واقع..- كما هو في المجتمعات العربية والأفريقية مثلا…-
وإما أن نستفيد من تجارب أمم رسخت جذورها في أوطانها بروح إيجابية (وسعة أفق) انعكست في التفكير وفي العمل وفي الاستشراف المستقبلي.. والتدرج في ذلك عبر آلية ديمقراطية في السياسة وليبرالية في الاقتصاد وإطلاق العنان للفلسفة والفلاسفة للتفكير وطرح تصوراتهم وكذلك الأدباء ومختلف الاتجاهات الفكرية والفنية والأدبية،ربما فقط سأسجل ملاحظة عن الفن هنا وهو نشاط مؤثر وفعال وممتع ولكنه ينطوي على بعض الخلط عندما يتجاهل المنظومة القيمية الاجتماعية وينزلق إلى أخرى بسرعة لا يستطيع مجتمع أغلب أبنائه أميين أن يميز بين الغث والسمين في هذا الجانب، فلم لا يكون هناك هيئة فنية غير سياسية وتضم مختلف الاتجاهات بطريقة مدروسة لرعاية هذا الجانب بمرونة كافية لا تحجر على الحريات ولكنها لا تتيح التسرع في خطوات قد تهز وحدة الوجدان الشعبي- إذا جاز التعبير-
إذا (سعة الأفق) أو ما يمكن تسميته بالاستراتيجيا بلغة الغربيين صيغة فكرية ضرورية لتكون سمة في مجتمع بدأ حياته السياسية والثقافية والاقتصادية .. وفق ظروف جديدة ومختلفة عما كان في حياته الماضية .. أمر ينبغي التوقف عنه ومحاولة الاستفادة منه ما أمكن بإيجاد ما يمكن من الصيغ في هذا الشأن.. ولعل السياسيين- وهم الأكثر وعيا في الإدارة الاجتماعية والسياسية ينتبهون لذلك دون أن ينسوا أنهم متخصصون في جاب لا ينبغي أن يصادروا اختصاصات الآخرين فيصبحون المعلمين الأول واتجار الأول والحقوقيين الأول والصناعيين الأول والمثقفين الأول والفلاحين الأول..الخ
في مطلع القرن العشرين كانت اليابان لا تزال دولة مستعمرة. وكانت أصداء قنبلة هيروشيما لا تزال ترن في آذانهم بكل مآسيها وآثارها..كيف أصبحت الآن..؟
ولم تضح بتراثها الاجتماعي والشعبي عموما.. لسان حالهم يقول مع بيت الشاعر حافظ إبراهيم:
هكذا الميكاد قد علمنا ……أن نرى الأوطان أما وأبا
وأوروبا في العصور الوسطى كانت تقتل غاليليو وتنصب محاكم التفتيش وتستغل عمالها بأسوأ صيغة محتملة عبر عنها فولتير وديدرو وموليير وروبرت أوين وأنجلز وتولستوي..الخ
كيف تعيش اليوم..؟
مركز تشع منه وفيه حضارة العصر بكل ملامحها، وشعوبها تتربع على عرش التقنية والثقافة والعلم بشكل عام.
الولايات المتحدة الأمريكية، كانت مستعمرة إنكليزية قبل خمسة قرون أو أكثر قليلا، وكانت ساحة صراع للكاوبوي، وقاصدي الذهب ، ومن ثم حرب الشمال والجنوب (إبراهيم لنكولن) لتحرير العبيد من صيغة الرق الدارجة والتي لا تزال آثارها موجودة حتى الآن على المستوى النفسي وربما العملي أيضا..
كيف هي الآن..؟
قائدة العالم في جميع الميادين (العلم الاقتصاد السياسة القوة العسكرية الفن (هوليوود) الحرية والديمقراطية…الخ).
فلماذا لا نأخذ العبرة وننطلق متكئين على الوعي و الإخلاص للوطن وشعبه (الوطن شعب قبل أن يكون أرضا وجغرافيا كما في النظرية العروبية المضحية بالشعب في سبيل الأرض- وهي حجة للتحكم في الشعب _)
لماذا لا نتبنى سعة الأفق شعارا وتطبيقا (تفكيرا وسلوكا عمليا) في كل خطوة في حياتنا أفرادا وجماعات..؟
لماذا نكرر أخطاء غيرنا ولا نستفيد منها لتجنبها وتجاوزها..؟
نقول ما نقول تيمنا بقوله تعالى: ((وذكر إن نفعت الذكرى))
ولا أشك في أنها ستنفع، مادام يوجد من يستمع إلى القول ويتبع أحسنه، ومادام يوجد من نذر نفسه لحرية وطنه وشعبه عندما يحتاج إلى التحري، وينذر نفسه للبناء عندما يحتاج إلى البناء..
فلن يتخاذل في السلم من كان باذلا نفسه في الحرب.. وللسلام دوره الأهم- ربما- كما كان للحرب دورها الهام. والله ولي التوفيق.
……………………………………………..
نقلا عن موقع ولاتي مه
http://www.welateme.net/erebi/modules.php?name=News&file=article&sid=1576#.XkZq5zLXLIU

المزيد من المقالات