ظاهرة تتكرر في المناسبات الكردية ” انتخابات مجلس الشعب نموذجاً “

ظاهرة تتكرر في المناسبات الكردية
انتخابات مجلس الشعب نموذجاً
ابن الجزيرة
15.02.2003 – 12:35
من خلال المعايشة لاحظت في الحياة الاجتماعية الكردية ظاهرة تتكرر فيها وتستدعي التأمل والتحليل، هذه الظاهرة هي التردد في اتخاذ القرار وحسن الاختيار لمناخه في المناسبات المؤثرة في مجرى حياة الكرد، ومنها المناسبات ذات الطابع السياسي وخاصة انتخابات مجلس الشعب أو مجالس المدن ومجالس المحافظات. إذ لا تتكاد مواقيت هذه الانتخابات تقترب ويبدأ الحديث عنها حتى تظهر الحالة (الظاهرة) تتبلور لدى قادات الاحزاب في عبارات غامضة غير محددة أو لنقل في مواقف عامة ثم تتصاعد مع اقتراب موعد الاتفاق على المرشحين حتى تأخذ طابعاً انفعالياً (عاطفياً) يغيب دور العقل بخصائصه الموضوعية (الحيادية) فيها. ولأن هذه الحالة (الصفة الانفعالية) تطبع الكرد كموروث تاريخي -وللأسف – نتيجة لحياة اجتماعية عاشوها فانعكست تربية سلوكية يومية وفي المناسبات الهامة خاصة ولقد كان المأمول أن ينعكس تطور الحياة على العلاقات الكردية ايجابياً وخاصة في مناخ وجود قادة لاحزاب سياسية يفترض فيها التنور والشعور بالمسؤولية والقدرة على فهم الواقع بابعاده المختلفة وخاصة الواقع الاجتماعي الكردي في ظل الظروف الخاصة التي كونته وما يتطلب تغيره من استحقاقات… وأخيراً التمتع بخاصية الجرأة في مواجهة الظروف بأسلوب يخدم المصلحة العامة لابناء شعبهم. ولكن مايظهر على المحك وعبر العقود الماضية لم يؤيد هذا الافتراض كما يجب، ولنأخذ مثلاً قريباً – متجاوزين ظاهرة الخلافات والانشقاقات الشاذة والمبالغ فيها – هذا المثل هو الموقف من انتخابات مجلس الشعب ( الدورة السابعة ) لعام 1998 . فواقع الحالة الحزبية الكردية في سوريا يبدو كالتالي:

1- التحالف الكردي الديمقراطي وهو تحالف يضم الاحزاب الآتية :
-الحزب اليساري الكردي في سوريا .
-حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا ( يكيتي ) .
-الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا .
-حزب الاتحاد الشعبي الكردي في سوريا .
-الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي) .
-الحزب الديمقراطي الكردي السوري .

2- الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي)(1)

3- الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا .

4- الحزب اليساري الكردي في سوريا .

5- الحزب الاشتراكي الكردي في سوريا .

6- تجمع لم يعلن عن نفسه بعد ، يضم رموزاً تجمدت من حزب الوحدة… (يكيتي)
– هذه هي الجماعات المنظمة (الاحزاب).
– وهناك مجموعات اخرى يمكن تصنيفها مبدئياً كما يلي :
-جماعات كانت حزبية (ضمن حزب ما) تجمدت سواءا كان ذلك بمبادرة منها او نتيجة عقوبات حزبية ولكنها لاتزال تحتفظ بعلاقات فيما بين افرادها ضمن الجماعة الواحدة وعلى اساس العاطفة الحزبية السابقة. وتظهر احياناً فاعلية ما في ظروف خاصة.
– الجماهير الشعبية غير المنظمة ويمكن تصنيف الفئات التي تكونها الى :
1- اناس مرتبطين بعلاقات صداقة خاصة مع افراد بارزين ضمن حزب ما مع احتفاظهم باستقلالهم الشخصي يتأثرون احياناً بهذه الصداقة بسبب من الشعور بالواجب او الصلة العاطفية وربما المصلحية ايضاً, وهؤلاء لهم تمايزهم الخاص .
2- اناس مرتبطين بعلاقات تعاطف او قرابة او مصالح مع شخصيات مؤثرة ضمن حزب ما ، يجعلهم هذا الارتباط مؤيدين لهذه الشخصيات (احزابها) وفقاً لطبيعة الارتباط هذا .
3- اناس مستقلين عن هذه التأثيرات وهم ايضاً فئتان:
أ- فئة واعية تمتلك القدرة على التفكير بوضوح ولها القدرة على التمييز بين المفاهيم (المعاني) المتداخلة وبالتالي يمكنها ان تفصل بين الحقيقة والمؤثرات النفسية، ومنها الفئة التي تقف عند حد هذه المقدرة النظرية وتنساق مع المؤثرات النفسية بشكل او بآخر مع علمها بفعل مايخالف قناعاتها- وهذا مؤسف.
ب- وفئة ثانية (عوام الناس) تفتقر الى مستوى من الوعي الذي يؤهلهم للتمييز، ولكنها ترغب حقاً في ان لاتكون ضحية ساذجة تباع وتشترى في سوق السياسة ولكنها في المحصلة اما ان تنساق مع حبائلها ( السياسة) او ترتد الى نفسها يائسة تنعزل عن كل ماله صلة بالسياسة.
ومن بين الفئتين من يتميز بمستوى ثقافي (تحصيلي) – حملة شهادات – او مستوى تجريبي اكتسبه من واقع العمل في الحياة في مختلف جوانبها. وهذان المستويان يشكلان خسارة لايستهان بها للمجتمع اذا شلت قدرتهما .
4- وفضلاً عن ذلك كله فان المرأة لاتزال في حالة استلاب لشخصيتها ولايزال شعورها بشخصيتها الخاصة في المستوى الادنى، ولذلك تجليات تعكس هذه الحقيقة ومنها: المشاركة المظهرية في فعاليات سياسية تكون مدفوعة اليها دفعاً من الرجل اساساً وتفتقر الى فاعلية حقيقية فيها ولاتزال تستغل غالباً من البعض – تستخدم كقوة ترجح كفة الصراع- وذلك على الرغم من وجود نسبة من النساء تتمتع بخصائص اذا استثمرتها تساعدها على الوقوف على رجليها – ولكن المؤسف انها لاتزال تستغل كواجهات. وهي ظاهرة موجودة في المجتمعات كلها ولكنها تصبح اسوأ في المجتمع المختلف.

فإذا حاولنا تلخيص ماسبق امكن القول:
– يوجد غياب واضح للاهتمام بتحليل عقلي للواقع (ومنه الاجتماعي والسياسي) وتربية صحيحة للارادة المستقلة وغير ذلك مما ينعكس سلباً في صياغة المناخ والذي تزدهر فيه روح التفرقة والتصارع المؤدي الى الدوران حول النفس فيما يتبناه هذا المجتمع من افكار وشعارات واهداف ايضاً.
وفي مثل هذه الحالة لايخسر المجتمع فقط امكانية التطور بل ويخسر صيغ الشعور بالاستقرار والسلام النفسيين وهذه نتيجة طبيعة لحالات التعثر وخيبات الأمل … إضافة الى تبديد القوة والجهود فيما لايجدي ان لم يكن فيما يؤدي الى تدمير الذات (الاجتماعية)
– وبالعودة الى واقع الحال الكردي في هذه اللحظة والتي يحتدم الاستعداد فيها لانتخابات مجلس الشعب نلاحظ ان المرشحين للأحزاب الكردية هم السادة: عبدالحميد درويش, نصرالدين ابراهيم, زردشت, مشعل تمو عن التحالف و السيد عبدالرحمن آلوجي عن البارتي, وربما هناك مرشحون غيرهم غير ان ذاكرتي لاتسعفني في ذكر اسمائهم ولا ادري لماذا لم اتذكر اسماء هم مع العلم ان هذه الكتابة قريبة جداً من يوم الانتخابات نستميح العذر ممن لم يذكروا، ويمكنهم – اذا شاؤوا- اضافة هذه الاسماء بتنويه من لدنهم مشكورين.
1. مرشحوا الجبهة الوطنية التقدمية عددهم (10) مشكلين قائمة تركت بعد هذه الاسماء (4) فراغات لملئها من مرشحين مستقلين حيث ان العدد المقرر على مستوى محافظة الحسكة (الجزيرة) (14 ) اربعة عشر مرشحاً, وبحسب ما يترشح من الاخبار فإن الاحزاب الكردية تتجه نحو تثبيت (3) اسماء كمرشحين للكرد تاركة -كنوع من اثبات الوطنية و الديمقراطية – المقعد الشاغر لمن يمكن ان يتحالف معهم من القوة خارج الجبهة: حزب اثور أو مرشح من كتل عشائرية عربية..لخ ، وكنوع من التكامل الوطني.
من المؤسف ان الحوار الجاري بشأن ذلك بين احزاب التحالف وبين (البارتي) – الجناح الذي هو خارج التحالف – لم تصل الى نتيجة حاسمة مما انعكس على شكل استقطاب جديد:
– فقد انسحب اليساري الكردي من التحالف ليصف الى جانب (البارتي) – الجناح الذي هو خارج التحالف-في حين يعلو صراخ الاحزاب الاخرى في حركة تذبذب بين التحالف والبارتي وحليفه الجديد ( اليساري )
– وبينما يتبارى قادة الاحزاب الاخرى في اظهار براعتهم في المناورة مع بعضهم البعض في محاولات لتجريد الخصوم – الكرد طبعاً – من الاصوات والشعبية المحتملة.
– وبينما تنعقد الجلسات بكثافة ودون الوصول الى نتيحة مرضية للجمهور فإنه يغلي غيظاً وحنقاً على هؤلاء القادة تجلى ذلك في صيغ شتى: لوم وعتاب وشتائم واتهامات (يفعلون ما يؤمرون به.. أنانيون… لاتهمهم مصلحة الشعب… ضحايا العقد والخصومات الشخصية…ليسوا مؤهلين لحمل المسؤولية… الخ ولكن التعبير الابلغ كان في مقاطعة مكاتب هذه الاحزاب… اذ لاترى فيها سوى وجوه تتكرر دائماً وهي غالباً – من المنتمين او المرتبطين بصلات من النوع الاول والثاني المشار اليهما فيما سلف. فإذا تجددت الوجوه يكون ذلك ناتج استقدام من خارج المدينة – وهو قليل ايضاً – او ناتج ممارسة ضغط ما محرج على البعض ، بل ان بعض الاحزاب كاد ان يستجر الناس من بيوتهم من خلال زيارات خاصة واساليب مثيرة لاستقطاب الاهتمام !!
– ومن المظاهر الملفتة بروز حالة عشائرية عبر رموزها -غير المرغوبة جماهيرياً – بسبب من خصائصها التي تجمع بين التخلف والتذبذب والشبهة ايضاً .
– في هذا اليوم الاثنين الموافق لـ 30/11/1998 بدأت العملية الانتخابية .
– لم تتحمس الجماهير لزيارة مراكز الاقتراع لسببين رئيسين :
أولهما : هذا الاسلوب غير المرضي من صيغ الانتخاب من خلال فرض عناصر قائمة الجبهة الوطنية على الجماهير وترك هامش بسيط للمستقلين مما يؤثر سلباً على معنى الممارسة الديمقراطية والحرية في التنافس الجماهيري .
وثانيهما: حالة سلوك قياديي الاحزاب الكردية والتي ذكرت فيما سبق. خرج البعض -ونحن منهم- الى خارج المدينة ليستريحوا من عناء النظر الى صراع غير مجد بين القوى الحزبية الكردية ، ومحاولات تاثيرها على الجماهير باثارة عواطفها – الجياشة اصلاً- وروح العناد في نفوسها – وهي متأصلة ايضاً- مما يترك الماً شديداً في النفس لما انتهى اليه حال الكرد من تشرذم مأساوي سببه الاساسي – اضافة لدور السلطة – بعض شخصيات ذات تكوين خاص. والمشكلة الكبيرة هي في التربية التي جعلت الناس غير قادرين على التحرر من تاثير هذه الشخصيات ، وبالتالي غير قادرين على قراءة الواقع بشكل صحيح تنعكس منحى ايجابياً في مسعاهم واساليب نضالهم السياسي.

اخيراً:
برز موقف من الاحزاب الكردية – وعلى الرغم من ضعف بلورته عملياً – يعتبر الاول ربما في تاريخها بهذا الوضوح وهو: ايقاف المشاركة في الانتخابات وسحب وكلاء المرشحين من مراكز الاقتراع (الصناديق) واقفال المكاتب التي كانت تدير منها العمليات الانتخابية، وبعد التأكد من وجود ماسمي (قائمة الظل) وهي عملية اقفال قائمة الجبهة الوطنية التقدمية باربعة اسماء اضيفت الى الاسماء العشرة المطبوعة وبذلك ختمت القائمة ولم تترك هامشاً للمستقلين وهذه هي المرة الثانية والتي تلجأ السلطات فيها الى هذا الاسلوب وبذلك قضت على آخر مظهر من الديمقراطية – على الرغم من ضعفه اصلاً.
ولقد تأثرت الاحزاب بذلك – وروح الصراع فيما بينها يلاحقها – فاصدرت بيانات تحتج فيها على هذه الممارسة غير الديمقراطية وتنتقد اغتيال هامش ديمقراطي – كان ضعيفاً اصلاً – وذلك في لهجة واضحة وجريئة احياناً – قياساً لماضيها – ومنها مثلاً ماورد في بيان التحالف الديمقراطي الكردي في سوريا: (ولكن ومما يؤسف له ان فروع حزب البعث في المناطق الكردية وبتوجيه من الجهات المعنية ثبتت قائمة من المرشحين لتصبح قائمة مغلقة، وبذلك تكون قد الغت كل مبررات التصويت، وبالتالي اجراء الانتخابات فهي لم تكتف بتعين اكثر من 60% من مرشحي القوائم باسم ممثلي الجبهة من البعثيين وحلفائهم بل انها تغلق تلك القوائم باضافة مستقلين يتنافسون بوسائل مخجلة على كسب موافقة المسؤولين من اجل ضمهم الى (قوائم الظل) بدلاً من المنافسة على كسب اصوات الناخبين الذين يتم الشطب على ارادتهم والغاء مبدأ تكافؤ الفرص لجميع المرشحين وبناء على ماتقدم فإن التحالف الديمقراطي الكردي في سوريا يعلن مقاطعة هذه الانتخابات، ويناشد بنفس الوقت جميع الناخبين للامتناع عن التصويت ..وبهذه المناسبة فإننا نحمل حزب البعث والجهات المسؤولة في الدولة مسؤولية الشروخ التي تحدثها هذه التدخلات في الصف الوطني).
كما و يصدر بيان مذيل باسم المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا ( البارتي ) – الجناح الذي هو خارج التحالف – بعد حديث وتحليل يختم بالقول :
“لذا فقد ارتأى حزبنا مع مجموعة من الاحزاب الكردية التي ائتلفت في المعركة الانتخابية (قائمة التضامن الوطني) ان جو الانتخابات لم يعد ملائماً وان الاستمرار فيه لم يعد مجدياً والاقتراع فقد كل مبرراته، لذلك قررت مقاطعتها في محافظتي الحسكة وحلب ترشيحاً واقتراعاً“. (وكان البيان في مقدمته قد تضمن اشارة الى “الهامش الديمقراطي الضيق“ وزيادة نسبة مرشحي الجبهة عن النسبة المتمثلة في الهامش الديمقراطي بضعفين ونصف وان هذا التصرف يسيء الى صورة سورية في العالم، وان هذا الاسلوب مقصود للتفويت على اسماع الصوت الكردي الى شركائه عبر القناة المثلى وهي مجلس الشعب).
ومع ان هذا الموقف يعتبر سابقة في تاريخ الاحزاب الكردية (الحركة السياسية) ومن ثم يعتبر اول اجراء عملي فيه تعبير واضح عن الموقف الا انه بقي ناقصاً من حيث اسلوب التنفيذ. فمثلاً لم يوزع البيان بالشكل المطلوب بين الجماهير ولم تحتفظ الاحزاب بمن يمثلها لدى مراكز الاقتراع لتبليغ مضمون البيان الى الجماهير وكأنها قد أراحت نفسها باطلاق شحنه انفعالية من خلال نص البيان، ولكنها نسيت او تناست ان الموقف (النفسي) هذا يجب ان يتعزز بموقف عقلي وعملي يوصل الى بعض جدوى – على الاقل – بل لقد استغل هذا القصور بعضهم بادلاء صوته لختم بطاقته ليبدو امام السلطة مشاركاً – لامقاطعاً – ويزعم امام الحركة الكردية بأنه فعل ذلك قبل علمه بالمقاطعة وهذا النموذج المتذبذب له الدور السلبي الكبير في مجمل مشاكل الحركة الكردية السياسية، إذ غالباً ما ينفذ ماتوحى به السلطات بشكل مباشر او غير مباشر وهو ذو تأثير فاعل في المجتمع في غياب التأثير اللازم للأحزاب – الحركة السياسية – لانه يتكون من الفئات العشائرية – رموزاً وافراداً – وبعض الذين استفادوا من حالات سمسرة – طفيلية – واكتسبوا موقعاً اجتماعياً ومالياً او المتوسطين في العلاقة بين الشعب وجهات سلطوية.
مثل هذه الحالة (النصف) اذا جاز التعبير – في تحرك الاحزاب الكردية يؤدي الى نتائج سلبية في اتجاهين على الاقل:
1. اتجاه تعبئة الجماهير الكردية بطاقاتها المثلى في المشاركة الفاعلة في الاحداث – بشكل عام – وفي الانتخابات بشكل خاص .
2. ترك مساحة كافية لجهات سلطوية للعب فيها على حساب مصالح الجماهير الكردية بايحاءات مختلفة – ترغيباً وترهيباً – ولعل الاحزاب الكردية جميعها تستدرك هذه الاشكالية في انتخابات مجلس الشعب ومجالس المحافظات والمدن لعام 2003 والمقررة في شباط واذار منه.

(1) الاحزاب متشابهة الاسم هي في الاصل حزب واحد ثم انقسم على نفسه – كما هو معلوم
———————————————————————————————————-
منقول عم موقع عامودا كوم
copyright © amude.com [ info@amude.com ]

http://www.amude.net/munteda/kure-cezire.html

المزيد من المقالات