أريد أن أكتب

أريد أن أكتب
ابن الجزيرة
خاطرة نبعت في ذهني منذ زمن طويل وقبل أن اطلع على هذا الفيض من الكتابات الانترنيتبة, وهي: لماذا أكتب؟ أو ما هي الفائدة من كتابة قد لا تقرأ؟ أو قد يقرؤها عدد من الناس على عجل، كمن يأكل سندويشة سريعة لينافح بها جوعا قارصا ولكنه لا يشعر بما فيها من طعم أو نكهة…!!
وأذكر حينذاك أن هذه الخاطرة قد تبلورت على الشكل التالي:
أعلن عن نداء بعنوان عريض، ثم أترك الصفحة فارغة لعدة مرات حتى أضمن انتباها كافيا لما سأكتب…! وبعدئذ أكتب ما يجول في ذهني من الأفكار التي كنت – حينها- أعتبرها شديدة الأهمية، ولكني – وحينها أيضا– تساءلت: ومنذا الذي سيتنازل لي عن صفحات في مطبوعاته لأمر يغلب عليه الغرابة، أمر في غاية الغرابة، خاصة من الذين غلبت في حياتهم الألفة مع الواقع، أو الذين استكانوا إلى أفكارهم، فلم يعودوا يقدرون على تقبل أي جديد.
وعندما أتيح لي أن أقتني كمبيوتراً، وسحت في فضاءاته، وغطست في أعماق بحوره، شعرت بأنني كنت حينذاك على بعض حق…
وبدون التقيد بمضمون خاطرتي الغريبة تلك فقد بدأت أكتب، ونشرت عددا من المقالات والدراسات التي انطبعت – ربما من دون تخطيط- بملامح الكتابة السياسية على الرغم من أنني لم أنسجم واقعيا مع أسلوب السياسيين في المحيط الكردي والمحيط العربي وأكاد أقول في المحيط الشرقي أيضاً…!
أما أكثر الأساليب فظاظة فقد وجدته في ممارسة الحزب الواحد – الحكم الشمولي إذا جاز التعبير- فقد عشت عمري تحت هذا النوع من الممارسة، إذ كنت في أواخر مرحلة دراستي الابتدائية وأوائل المرحلة الإعدادية والتي دمجت تحت اسم جديد هو: مرحلة التعليم الأساسي..! ولا أدري هل تغير معه شيء من وسائل العمل وأسلوب التفكير…؟! أم – وكما هي العادة– الاسم يتغير، والشعارات تطرح وتلون وتزين مساحات واسعة من السطوح التي ينبغي أن لا تكون موقعا لها، ولكن لا أحد يجرؤ على الاحتجاج خوفا من أن يتهم بالتآمر على أمن الدولة، أو بعرقلة تحرير القضية المركزية – فلسطين- ووحدة الأمة العربية….الخ.
وظللت أكبر، وحصلت على شهادات تربوية، وشهادات تحصيلية، وأكثرت من القراءة والمطالعة، و حصلت على ثناءات من المسؤولين – وهي ثناءات على الورق طبعا- ولكنني لم أشعر بمواطنتي، فأنا كردي… ولذا فأنا متهم دوما…!
وفي كل محطة يجب علي أن أقدم براءة ذمتي إلى أشخاص – كثيرا ما كانوا يعيثون فسادا في الوطن تحت حماية مواقعهم-.!
في الصف الثالث الابتدائي تركت المدرسة مدة عام, لأنني لم أستطع دفع مبلغ نصف ليرة – حينذاك- إلى المعلم, ليرسل برقية تهنئة إلى الرئيس جمال عبد الناصر، رحمه الله، وفي الصف الأول الإعدادي, زحفت على أرض من الزفت مع عدد من زملائي يقدرون بأكثر من /300/ طالب لسبب لم أعرفه حتى هذه اللحظة، وإنني إن أنس لا أنسى ذلك الطالب المسكين، واسمه فرحان، حينما انشغل بلم بعض نقود وقعت من جيبه, ولاحظه المدير – الرياضي– والموجه خلفه يحمل الكلاشن – كما يسمى أحيانا– فهجم عليه كمن وجد متآمراً على مقدرات الوطن و”الجماهير” ونزل عليه لطما وركلا ودعسا…!!! ولعله من المفارقات أنه كان ذا ميول قومية ناصرية…
وعندما تخرجت من دار المعلمين, كنت أدرس القش في القرية, أنتظر بلهفة مبالغ فيها نبأ الإعلان عن تخرجي ومن ثم تعييني, الذي طالما انتظرته للحصول على وظيفة المعلم وما يترتب عليها من راتب, يتحرق أهلي على قبضي له، لإعالة مجموع من الأيتام والأرامل، فكأن القدر لم يكتف بمعاناتي في المدارس والوظيفة فيما يعد حتى ابتلاني برعاية أسرة بلغ تعداد نفوسها في لحظة تاريخية, عشرون نفرا (جدة وأم وزوجتا أب، وعدد من الأخوة والأخوات، ثم زوجة أخ أرملة وأربعة أولاد…) . ولكن فألي خاب عندما تناهى إلى سمعي بأن ثلاثة عشر طالبا لم ترد أسماؤهم في قوائم التعيينات….!! وكلهم كرد..!!! ما عدا واحد فقط كان عربيا صحح وضعه بعد شهر ونصف…! فيما بقي الآخرون يدقون أبواب رحمة من لا رحمة لهم, فبدلا من الأخذ بالخواطر, كانوا يرمون في وجوهنا ما لا طاقة لنا به من تهم جاهزة، وبدون أدنى شعور بالمسؤولية الأخلاقية والإنسانية والوطنية…!!! مع العلم أن الدولة ملزمة بتعيين خريجي دور المعلمين قانونيا. ولكن هل للقانون المغلوب على أمره في ظل نظام يعتمد ضبط دوائر المخابرات أمرا فوق القانون؟!.
ولا يمكن أن أنسى شهامة محافظ اسمه ((مدحت نوح)) يخابر مدير التربية – وكان مديراً لنا في دار المعلمين واسمه غسان، ولكنه كان أكثر الآخرين فظاظة في تعامله معنا- يخابره هذا المحافظ الذي بث في النفس بعض الشعور بوجود طيبين لا يزالون في هذا الزمن الصعب، ويقول له: ألست بحاجة إلى معلمين وكلاء ؟!.
فيرد المدير: بلى
فيقول المحافظ: إذاً عينهم وكلاء ريثما يبت في وضعهم.
فيقول المدير: لا أفعل على مسؤوليتي.
فيقول المحافظ: عينهم على مسؤوليتي، أليسوا أفضل كفاءة وتأهيلا من معلمين وكلاء ستعينهم؟!!
وفعلا يتم تعييننا… بعد تعيين زملاء صفنا بحدود خمسة وعشرين يوما.
وتستمر المراجعات لتثمر بعد أربعة أشهر عن إزالة الحجر عنا، بعد أن تمت مراجعة سجلاتنا منذ ولدنا وحتى اللحظة التي أفرج فيها عن إمكانية القبول في وظيفة ملزمة قانونيا للدولة, !! ولكننا خسرنا نصف سنة من استحقاق التثبيت، ومع كل هذه التحريات لم نحظ بثقة هذه الجهات التي أحسنت استثمار هذا التوجه، فكلما عنّ لبعضهم أن يسيؤوا إلينا, كان متاحا لهم أن يرفعوا تقرير وشاية بأنفسهم مباشرة، أو بإيجاد من يفعل ذلك – وما أكثرهم– طلابا أو جيرانا أو زملاء عمل أو.. أو..
ولعل من الطرافة أن أذكر أنني كنت، ومعي صديق، قد اتفقنا على مباركة زواج زميل، وإذ بهذا الصديق يعتذر، وعند ما سألته: لماذا؟!
قال: كيف أبارك لزميل ملأ صفحات من الأكاذيب ليرفعها إلى جهات للإساءة إلي…؟!
هذه البيئة من التفكير والسلوك لا تزال خضرة – كما يقال– وعلى الرغم من خطوات لا يمكن إلاّ تقديرها, صدرت من السيد الرئيس بشار، ولا نزال ننتظر المزيد منها، ونريد تجسيدا لها في الواقع بإجراءات تؤمن لها التحقق والحماية, لعلنا نشعر في يوم ما بأننا أصبحنا مواطنين في وطننا، وبأننا نتنفس فعلاً هواء الحرية والكرامة الإنسانية…!
وكما أجاب السيد مسعود البارزاني على سؤال من صحفي: “الكرد يشعرون لأول مرة في تاريخهم بأنهم مواطنون في الدرجة الأولى كإخوتهم العرب”.
فهل سيتاح لنا – ككرد وغير الكرد من القوميات المختلفة- أن نشعر بذات الشعور الذي عبر عنه السيد مسعود البارزاني، ودون أن يحتاج الأمر إلى تدخل من الخارج؟!
كم نتمنى ذلك… وبخلاف كل التهم الملصقة بنا والتي شكلت دوما مرتعا خصبا للمنتفعين، وما أكثرهم ما دام المناخ القانوني غائب عن الحياة في جوانبها المختلفة.!!!
ibneljezire@maktoob.com
منقول عن موقع عامودة كوم
http://www.amude.net/Nivisar_Erebi_deep.php?newsLanguage=Erebi&newsId=2912

المزيد من المقالات