محاولات التوحيد بين طرفي البارتي في لقاء مع الشخصية الوطنية -ابن الجزيرة-

محاولات التوحيد بين طرفي البارتي في لقاء مع الشخصية الوطنية -ابن الجزيرة-

أجرى اللقاء: Dilêş

“ابن الجزيرة”
لا شك ان الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي) يعتبر أكثر الأحزاب الكردية في سوريا تعرضاً للأزمات التنظيمية, حيث تعرض منذ نشأته الى سلسلة من الانشقاقات والانشطارات المتوالية, والتي يصعب على الكثيرين منا عدها على وجه الدقة, وآخر الأزمات التي مر فيها البارتي وأشدها إيلاما تلك الأزمة التي أعقبت استشهاد أمين عام الحزب الأستاذ كمال أحمد درويش, بسبب الفراغ الكبير الذي تركه ومن ثم الصراع الذي احتدم فيما بعد بين أعضاء القيادة لخلافته, و من ثم محاولة البعض – ولمصالح شخصية وفي تكتيك جديد لإضعاف منافسيهم- في إيجاد بدائل من خارج التنظيم لخلافة قيادة الحزب, تلك الخطوة التي ساهمت الى حد كبير في حصول انشقاق عام (1998) والذي يدفع طرفي (البارتي) ضريبته حتى هذه اللحظة. وخاصة الطرف الذي قاده الأستاذ محمد نذير مصطفى حيث تعرض هذا الطرف الى أزمة ومن ثم انشقاق جديد حين رفضت نتائج الانتخابات – التي أعقبت المؤتمر التاسع للحزب- من قبل طرف في الحزب وجد نفسه خاسراً في تلك الانتخابات, و صدور قرارات من سكرتير الحزب لصالح ذلك الطرف, ومن ثم رفض تلك القرارات من قبل معظم الهيئات المنتخبة, وانضمامهم فيما بعد الى الطرف الآخر للحزب في عملية وحدوية دعا إليها الأخ مسعود البارزاني, والتي لم يكتب لها النجاح أن تكون شاملة, بسبب رفض طرف الأستاذ محمد نذير الوحدة الشاملة لأسباب تتعلق بهم.

وقد جرت محاولات عديدة من قبل أكثر من جهة لتوحيد طرفي البارتي, ان كان بعد انشقاق 1998 أو خلال الأزمة التي عصفت بطرف الأستاذ نذير, وكذلك فيما بعد لاستكمال عملية الوحدة التي جرت بين طرفين من البارتي, وقد فشلت جميع تلك المحاولات.

وفي الآونة الأخيرة بذل جهد جديد في هذا الاتجاه قام به وفد مكون من بعض الشخصيات الوطنية بالإضافة إلى أعضاء من طرفي الحزب.
وقد كان أحد أبرز أعضاء الوفد المذكور الشخصية الوطنية المعروفة (ابن الجزيرة) الذي آثرنا ان نلتقي به, لنتعرف في البداية على رأيه حول أسباب الانشقاقات التي تحدث في الأحزاب الكردية عامة والبارتي بشكل خاص, وسبل الوقاية منها ومعالجتها, وكذلك ليوضح لنا ما توصلوا إليه في مسعاهم النبيل هذا.

* لقد سبق وأن أوضحتم لنا في لقاء سابق معكم – في موقع قامشلو. كوم- عن الأسباب الكامنة وراء الانشقاقات التي تحدث في صفوف الأحزاب الكردية في سوريا, وعلى وجه الخصوص البارتي, وكذلك في مقال لكم عن أسباب أزمة الحركة الكردية في سوريا والمنشور في أكثر من موقع انترنيتي, تطرقتم فيه بشكل موسع الى هذا الموضوع. حبذا لو أوجزتم لنا تلك الأسباب وكذلك سبل معالجتها أو بالأحرى سبل الوقاية منها مستقبلاً حتى لا تتكرر هذه الانشقاقات المتواصلة التي تصيب جسم الحركة الكردية في سوريا وتنهك طاقاتها، وتفقدها الكثير من الاحترام والدعم الجماهيري.
– شكراً على تفضلكم باختياري لطرح الأسئلة، لعل الإجابة عليها تلقي بعض الضوء على مفاهيم وقضايا ومواقف… نحتاج إلى وعيها، ومعالجة الإشكالات فيها – إذا أردنا مواكبة التغيرات المتسارعة في العالم وفي المنطقة- ويخشى أن نقصر عن اللحاق بها كمجتمع سوري عامة، و ككرد بشكل خاص وللإجابة على سؤالكم الأول, والذي يتلخص في قراءة حالة الحركة السياسية الكردية في سوريا (الأحزاب) فقد أوضحت كثيرا من ذلك في دراستين مطولتين نوعاً ما، وقد نشرتا في موقعي عامودا و سيدا وهما:
آ- أسباب أزمة الحركة الكردية في سوريا.
ب‌- قراءة مختصرة في أدبيات الأحزاب الكردية.
وقد نشرت الأخيرة في مجلة أجراس العدد /15/
وقد أشرت إلى ذلك في اللقاء الذي أجريتموه معي والمنشور مضمونه في موقع قامشلو. كوم بتاريخ 19/8/2003ولا بأس من تلخيصها فيما يلي، استجابة لسؤالكم.
إذ بعد نشر الدراستين ومقالات أخرى، عبر الانترنت، أو في مجلات ونشرات كردية، كنت مفعماً بأمل تفاعل المعنيين – سياسيون ومثقفون…- مع مضامينها، ليكون ذلك ميداناً لتبادل المعلومات والآراء… حول هذه المسائل، والسعي – عبر المشتركات- إلى معالجتها. ولكن – ومع الأسف- لم ألحظ مثل هذا التفاعل، ليس مع كتاباتي فقط, بل مع الكتابات الأخرى أيضاً. بمعنى أننا نعيش حالة انعدام الحوار الفاعل والجدي في الساحتين السياسية والثقافية، وعلى امتداد الشعب الكردي والسوري أيضاً. على الرغم من جهد واضح في محاولة تكوين أفكار ورؤى…في كتابات غزيرة، ولكنها تأتي في اتجاه واحد – للأسف- أي أنها تضخ في اتجاه واحد، ودون أن تنظر في ردود الأفعال عنها، وهذا ما جعلني أشعر – أو استنتج- بأن (العقل التفاعلي) يعاني من ضعف لدى غالبية السياسيين والمثقفين الكرد وغير الكرد. إذ يلاحظ أن الجميع يتجه إلى عرض أفكاره وآرائه… من دون الاهتمام بردود الأفعال حولها وإن هذه السيكولوجية – غير الحوارية – هي ذاتها من أسباب انتعاش ذهنية الفرقة والانشقاقات، وبالتالي غياب ما يمكن تسميته بالروح الجامعة لاتجاهات التفكير والعمل لدى أبناء الأمة الواحدة في القضايا العامة، ويسمي الفيلسوف الألماني هيغل هذه الروح الجامعة بـ روح الأمة.
بتقديري إذا أراد الكرد أن يتجاوزوا محنتهم هذه، ومعاناتهم منها، فلا بد من اعتماد أسلوب جديد، ومعايير جديدة، وتفكير جديد، ودماء جديدة شابة… للقيام بحركة تاريخية يمكن تلخيصها في تحرك واع من القواعد – كما فعلت قواعد الحزب الشيوعي مثلاً، أو كما فعلت قواعد البارتي نفسه- للضغط على قياداتها ودفعها باتجاه التحاور فيما بينها وعلى مختلف المستويات، بل لإيجاد ثقافة حوارية ومن المهم – برأيي – الدفع باتجاه التفاعل مع الكفاءات – ضمن الحزب أو خارجه- بمعنى إيجاد ما يشبه المؤتمر الوطني، لإعادة النظر في مجمل الأفكار والآليات المتبعة في الأداء الحزبي والوطني بشكل عام.
وهذا الطرح ليس ترفاً الآن، فالظروف تتغير بسرعة، والمستجدات تتوالى، ولكن الذهنية السكونية السائدة في أحزاب الحركة الكردية وغير الكردية أيضاً، والمستمدة من سكونية التفكير والسلوك كنتيجة لسيادة الذهنية العشائرية، والتي سعى النظام باستمرار على تكريسها، أو كنتيجة لمفهوم القداسة في الدين، والتي استثمرت مع -الذهنية العشائرية – من قبل إداريي الأحزاب ولا أقول قيادييها, هذه الذهنية السكونية لا تستجيب للتغيرات الحاصلة قصدا أو بدون قصد.
ولقد جعل العمل بذلك, الشعوب والأحزاب والجماعات المختلفة الأخرى, رهينة للفكر السكوني ذاك، والذي يخدم آلياً مصالح هذه الزعامات التي استهواها البقاء في مواقع إدارية، فتماهت مع هذه المواقع، وكرست مساعيها للإبقاء على الواقع كما هو إلى أن يتكل كما يقال في اللغة الدارجة. ولذلك تحاول تكييف الأداء السياسي مع هذه النظرة الأنانية (النرجسية) بعيداً عن الشعور بالمسؤولية تجاه أبناء شعوبها.
ومن الطبيعي أن تنتج هذه الحالة تربية سيئة – وكما تفعل السلطات في قولبة الناس في المدارس ومختلف المؤسسات لمصلحتها-: إذ تنعدم ثقة الفرد بنفسه، وتموت لديه قوة الإبداع، وتنمو لديه رغبة الاتكال على الآخرين وخاصة الرؤساء منهم- وهي المساحة الخصبة التي يلعب فيها هؤلاء الرؤساء عادة-… الخ.
هذا المناخ السيئ ينتج خمولاً في الأداء عموما والأداء السياسي خصوصاً، وبالمقابل فإن المسؤولين – وخاصة في الموقع الأول من المسؤولية تتضخم لديهم الأنا إلى درجة مرضية أحياناً. ويشعرون بتمايز غير مبرر عن الآخرين، ويعتادون نمطا محددا في الأداء يحفظ لهم مصالحهم، ولا يعرضهم لما لا يرغبون فيه. وتنشأ علاقات تفتقد إلى الحيوية والوضوح في الطرح والعمل وهذا أسوء ما في العمل السياسي الذي يعتمد – كما هو مفترض – على الرؤية الواضحة والمحددة، والشعور بالمسؤولية العالية تجاه المقودين الذين يستسلمون – للأسف – إلى مديريهم بروح اتكالية ممقوتة، وإشكالية أيضا.ً
تماهي المسؤول مع الموقع – أو المنصب – يجعله يرى في الشعب مجرد مملكة خاصة به، يستثمرها كما يشاء، وقد أتقن مجموعة عبارات ومصطلحات ذات رنين وتأثير في سيكولوجية أناس هم رهينة تربية فكر عشائري أو ديني مجبول على الاستغلال حتى لو كانوا أبناء مجتمعه
لكي تتحطم الوسائل القديمة والتي لم تعد متوافقة مع روح العصر ينبغي تبني أفكار جديدة ورؤى جديدة وأسلوب جديد… الخ تتوافق مع روح العصر عبر إعادة بناء الشخصية الواثقة من ذاتها والعارفة لما تريده، والمؤمنة بأهدافها ومن ثم المستعدة للمغامرة من أجل تحقيقها.
باختصار نحن بحاجة إلى نمو جديد للفرد لا ينسى صلته بالجماعة في إطار الضوابط التي ينبغي أن يكون مشاركا بقدر حضوره في صياغتها، ودون تفريط بجهد الآخرين وتجربتهم واعتماد الرؤية الواقعية في العمل.

* لنأتي الى موضوعنا الأساسي بخصوص الوفد. كيف تشكلت لديكم فكرة تشكيل هذا الوفد وما الذي دفعك لتكون عضوا فيه ؟
– من منا لا يريد أن يكون له شرف المساهمة في أي مسعى يخدم فيه شعبه ووطنه!؟

*هل كان لديكم في الوفد برنامج أو مشروع محدد لطرحه على الطرفين؟
– مادام طرفا البارتي في الأصل من حزب واحد، ولهما النهج نفسه في التفكير والعمل، فلا أظنهما بحاجة لمن يساعدهما في ترتيب إجراءات عملية لعودتهما إلى بعضهما البعض، خاصة أن السيد نصر الدين أعلن استعداده للتنازل للسيد محمد نذير ليبقى سكرتيراً للحزب انسجاماً مع قرارات مؤتمرهم، ولم يبد في المقابل-السيد محمد نذير- ما يشعر بكونه سيشكل عقبة في إجراءات سير عملية التوحيد.

* ما هو موقفهم من هذه المبادرة, وهل توصلتم الى نتيجة معينة معهم,أو لمستم لديهم النية الصادقة للتوحيد؟
– كان اللقاءان مشجعاً. وقد استمهلنا السيد محمد نذير أسبوعاً يستشير خلاله شركاءه ولكنه لم يخبرنا حتى هذه اللحظة بشيء. علماً بأن اللقاء كان بتاريخ 17/3/2005 ولم يتبادر حينها إلى ذهننا بأن النية ليست في اتجاه القبول، وربما يكون التأخير له أسبابه، غير أننا نعتب على عدم إخبارنا بشيء طيلة هذه الفترة، وهذا جزء من أسلوب الأداء السياسي لأحزابنا على كل حال.

* ما هي الانطباعات والملاحظات التي تشكلت لديكم بعد اللقاء مع سكرتيري الطرفين؟
– عبر تجربة – مع غيري من الغيورين على الحالة الكردية المتشرذمة – قابلت خلالها معظم، إن لم أقل كل، القيادات الحزبية الكردية، لم يوفروا لدينا الثقة برغبتهم الجادة في الإجراءات التوحيدية، أو على الأقل في إيجاد أرضية مشتركة للعمل السياسي الكردي، مما دفع بنا إلى نوع من عدم الثقة بجدوى أي جهد معهم – وليست هذه التجربة مختلفة – كما يبدو حتى هذه اللحظة، على الرغم من أجواء الأمل التي شعرنا بها في اللقاء معهم، وبغض النظر عن الأسباب أو المتسببين.

* هل لديكم النية لمواصلة الجهد في هذا الاتجاه؟
– ما دمنا لم نبلغ بما يمكن أن نبني عليه خطواتنا المستقبلية فما الذي يمكننا فعله!؟

* هل من كلمة أخيرة لديكم؟
– يقول الله عز وجل: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
ويقول الشاعر أبو القاسم الشابي:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر…
ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر.

كما يقول المثل الشعبي: ما حك جلدك مثل ظفرك.

من هنا أقول: إذا كانت الجماهير الحزبية صادقة في إرادتها، فعليها أن تدرك أنها الوحيدة القادرة على توفير ظروف الوحدة، أو الخطاب الموحد سياسياً، وذلك بإعادة النظر في أسلوبها في العمل السياسي، وخاصة في أسلوب العلاقة مع مسؤوليها في الحزب، فتنظر إليهم باعتبارهم أشخاصا عهد إليهم بمسؤولية محددة، وخلال فترة زمنية محددة، فإن أحسنوا استمرت في توكيلهم بالمهمة، وإن قصروا في الأداء، سحبوا توكيلهم منهم، وأن الوطن والشعب ليسا ملك أحد، وإنما هما المعيار في التوكيل لأي أحد، وفيما عدا ذلك فالبشر جميعا سواسية كأسنان المشط لا فضل لأحد على أحد، إلاّ بقدر العطاء الذي يحققه للجميع ولتتذكر هذه الجماهير دوماً، بأن الكفاءات مطلوبة سواء من داخل الحزب أو من خارجه. ولتكن أبعد نظراً في النظرة إلى عملها ونضالها، حتى لا يسرق جهدها وشخصيتها أحد، و تحت أسماء مختلفة، وحجج مختلفة، ويتقن المسؤولون – عادة – أسلوب اللعب بعواطف الجماهير، فلترتفع عن مستوى أن تكون وقوداً مجانيا لأطماع غير مبررة، ولا مشروعة، لبعض المسؤولين الحزبيين، ولتضع قواعد صارمة وموضوعية لاختياراتهم – ومهما كانت – ولعل النجاح في عملية توحيد الإدارتين الحزبيتين الكرديتين في كردستان العراق، سيكون مؤثرا إيجابيا في منحى توحيد أو تقارب الأحزاب الكردية السورية أيضاً.
……………………….
موقع عامودة كوم

المزيد من المقالات