في رحاب التأمل بعض ذكريات عن المرحوم عبد الكريم ووالده

في رحاب التأمل بعض ذكريات عن المرحوم عبد الكريم ووالده
الثلاثاء 11 ايار 2010
محمد قاسم (ابن الجزيرة)
من السلوك الخيّر والمفيد أن يخلو المرء إلى نفسه بين الفترة والأخرى بحسب ظروفه.. فيستدعي ماضيه القريب والبعيد ، ويحاول أن يتأمل محطات فيه؛ فيحلل سلوكه فيها، و ويستدعي مجريات حياته الماضية في تجليات مختلفة، ويحاول أن يقيّمها بما فيها من سلبيات ليتجنبها؛ وايجابيات ليثبتها..!
وأحيانا تكون بعض هذه المحطات أقرب إلى تداعيات،فهي ذكريات تثير المشاعر، وقد توهج أحزانا، أو شعورا بالمسرة بحسب نوع الذكريات..!

من ذكرياتي التي تثير الحزن هذه الأيام هي: ذكريات أيام عشتها في حياتي الماضية؛ عندما كنت أنا والمرحوم “احمد عباس أبو عبد الكريم” صديقان قبل أن يفرق الموت بيننا، ولا يكاد يمر يوم دون أن نلتقي في جلسة، أو نقضي معا مناسبة واجب اجتماعي .. منذ مرحلة الدراسة؛ في الإعدادية بشكل خاص.
كان يدرس في ثانوية عمر بن الخطاب الخاصة في قامشلي. وكنت أدرس في ثانوية العروبة.. ومعنا من أصدقاء لا يزالون يعيشون بعضهم في الغربة وبعضهم ائتلفوا مع الدهر .. وكان أقربهم إلينا “منيس إسماعيل” الذي يقيم في ألمانيا.
كان أحمد -رحمه الله- يسبقني صفا وعمرا ..وقد التقينا صفا، لكنه بقي يسبقني عمرا إلى أن توفاه الله.
في فترة وجودي في القرية- رميلان الشيخ- معلما في مدرستها ما بين أعوام 1971 و 1974. كان هو قد أنهى خدمة الجيش ولا يزال عاطلا عن العمل ثم تفتق ذهنه عن فكرة العمل التجاري.. ولقلة ذات اليد فقد بدا برأسمال صغير جدا حينها- ربما لم يتجاوز المائة ليرة سورية.([i])
افتتح دكانا صغيرا في إحدى غرف البيت..([ii] )
وقد صبّره الله على المضي في عمله حتى انتقل إلى ديرك. وهناك استأجر -دكانا يعود لآل “الملا احمد بافيي” رحمه الله.
كان الدكان في الزاوية الجنوبية الغربية من الجامع الكائن وسط السوق. وهذا الدكان اشتراه الصيدلي “وديع إيليا” –فيما بعد من أحمد الحاج محمد رمو الذي كان قد اشتراه من آل الملا احمد. وضمه إلى صيدليته.
كنت حينها قد استأجرت الدكان الذي آل إليه فيما بعد ولا يزال يعمل أولاده فيه (مكتبة الهداية) بجانب البريد.. ولذلك قصة([iii]).
وفقه الله في عمله، فقد أبدى مهارة تجارية ساعدته على التقدم في عمله..
فانتقل أحمد إلى دكانه الجديد.. وكان بجانب دكانه دكان للسيد “عزالدين الحفار” ولأحمد دكان بعده، فنبهته إلى السعي للحصول على دكان المحامي استبدالا، أو شراء، أو بأية طريقة أخرى. وأفهمته بان يغريه قليلا.. لأن المستقبل سيكون مفيدا جدا عندما يلتقي دكانان في هذا الموقع.. وتم ذلك والحمد لله.
قد يرى البعض في هذا عرضا لما لا يلزم، ولكنني أرى أن هذا يؤرخ بعض محطات في مجريات حياتي ربما صلحت لتكون يوما أساسا لمذكراتي. أن شاء الله. فليعذروني رحمهم ورحمنا الله. بل أنصحهم بفعل مثله ليكون تاريخا لحياتهم وسجلا لعائلاتهم..!
كان المرحوم احمد محبا للثقافة، وشديد الرغبة في أن يكون مثقفا، لكن ذهنه –لسبب ما – لم يساعده، فلم يتقدم كثيرا في هذا المجال، لكنه استعاض عن ذلك بـتأسيس مكتبة خاصة لا تتوفر في بيت أغلب المثقفين.. وعمل في مجال تجارة الكتب والقرطاسية لأن ذلك يتيح له الاحتكاك أكثر بالمثقفين. وفعلا كانت علاقته الأفضل هي مع المثقفين وان كان شعبيا بطبيعته.
ولأنه لم يفلح فقد كان كل همه أن يكون أبناؤه -شباب وبنات- مثقفين، وقد بذل جهدا مضنيا ليحقق ذلك..
أرسل الجميع –على حد علمي- إلى المدرسة.. لكنهم لم يتوفقوا كما كان يريد ويرغب. وبعد وفاته تحقق لبعضهم ما كان يتمناه هو لهم ..فقد حازت إحدى بناته الإجازة في الشريعة وبعضهن توقفن عند الإعدادية ولا تزال إحداهن تحاول الحصول على الثانوية العامة، واحد أبنائه حصل على الثانوية، والآخر يدرس في الجامعة ولا ادري هل لا يزال مستمرا أم توقف..!
ابنه عبد الكريم -أبو احمد وهو الكبير- حصل على شهادة ثانوية وكانت لديه طموحات لكنه لم يحققها دراسيا، فانتقل إلى اهتمام بالإلكترونيات –الكمبيوتر خاصة – في وقت لم يكن يهتم بذلك أحد في المنطقة.. وقد حاز على خبرة عالية في المنطقة جعلته مركزا استشارة ومعالجة الكمبيوترات وإقامة دورات .. كما حصل على شهادات تشير إلى تأهيله فنيا من بعض المراكز.
واستقر في العمل على كتابة الوثائق الرسمية للمحامين ومختلف دوائر الدولة فضلا عن خدمات مختلفة غيرها. وكان مهتما بقضيته القومية دون شطط فيه او استثمار ..كما كان يعمل بهدوء مع اللجنة الكردية للدفاع عن الحقوق –داد- كما أظن.. فقد استشارني ذات يوم بشان ذلك ولكني لا اعلم إذا كان انضم رسميا أم كان مهتما متفاعلا فحسب. لكن باقة ورد في خيمته أشارت إلى صلة له بها مؤكد.
رحمهما الله.
في آخر لقاء بيني وبين المرحوم أحمد، جرى حديث فيه خصوصية منها: انه لم يتوافق مع المرحوم عبد الكريم فقد كان يريده تاجرا وكان هو يميل الكمبيوتر. ولأن الجدوى من الكمبيوتر –حينها – لم يكن واضحا فلم يكن أحمد يميل إلى عمله فيها. وهذا كان يسبب اختلافا أحيانا -لا يفرق ولكن لا يوجد انسجاما أيضا- جهدتُ أن يتلاشى ، وكانت هذه المحاولة قد أثمرت في إقناع المرحوم بمراجعة تقويمه لعمل عبد الكريم عندما يعود من دمشق؛ وكان قد ذهب لمعالجة انسداد في القناة الصفراوية -وهي معالجة غير مأمونة لكنه لم يكن يدري بخطورتها. وفعلا فقد أجريت له عملية للمعالجة، لكنه لم ينهض منها –للأسف- فقد توفي وهو لا يزال تحت المعالجة، وان كانت العملية انتهت واعتبرت ناجحة. رحمه الله على كل حال.
كان المرحوم عبد الكريم -ابنه- هو الرائحة الطيبة -بشكل خاص- والتي أشتمها للمرحوم أبيه.. مع مودتي لأهله جميعا، كان نشيطا في أدائه لأعماله -وان كان طويل البال – حيويته تفوق ما كنا نقدرها له، وتميز بذكاء في غوصه إلى أعماق الأشياء بما فيها بعض قضايا السياسة..طريقة تعامله الودود والمحترم معي فرض محبتي له. كان يستشيرني في كثير من قضاياه الخاصة ، ويشكو إلي متاعبه.. يجدني الحضن الأمين له عندما تشتد عليه الخطوب والأحداث.. وكنت صريحا معه فيما أنصحه دون مجاملة له.. وهو يتقبل مني ذلك. ولا يؤثر على علاقته معي.. كان سخيا خدوما ذكر السيد جوزيف أنطي في خيمة العزاء لقطة إذ قال: كان يقوم بعملنا وبعد الانتهاء نسأله عن أتعابه فيقول: فنجان قهوة تشربوه هنا..!!
وهذا كان من بعض أسباب بقائه في ظروف مالية فيها معاناة بدرجة ما.
طبعا كانت له أسراره الخاصة.. وإنما اعني القضايا ذات الإمكانية لعرضها على من نثق به مع خصوصية فيها عائليا مثلا أو علاقة مع جيران أو زملاء أو أقرباء..الخ. لم تثنه ظروف مرضه الأخير أن يكون مهتما بالقراءة والمطالعة والبحث الفضولي معرفيا… ذهبت لزيارته مع العائلة مرة قبل أشهر ..وجلسنا معا، وكانت والدته -أعانها الله .. وإذ به يسألني: هل لديك كتاب ضحى الإسلام أستاذ؟!
قلت: نعم، ضحى الإسلام ثلاثة أجزاء، وعندي فجر الإسلام، وظهر الإسلام أيضا جزءان.. وكنت قد اشتريت الكتابين الأخيرين من لبنان عندما كنت اخدم العسكرية هناك في ما بين عامي 1981 و 1983 ، وشاركت في حرب إسرائيل على لبنان.
ولي معه ظروف الحرب ذكريات ليست هينة أبدا. وقد قضيت سنة وسبعة أشهر منها شهر استبقاني فيه قائد الكتيبة تعسفا.. سامحه الله.
لم أكد أصل إلى البيت حتى كان أخاه خلفي، ويقول لي: لقد أرسلني عبد الكريم من اجل الكتاب..
وعلى الرغم من معاناة حقيقية كان يعيشها لم يكن يبدو عليه ، فقد كان يعاني من تقوس في فقرات ظهره، وكان مؤلما، وسببا لمراجعة إحدى دول الاتحاد السوفييتي السابق -جورجيا-..وهناك اكتشف الأطباء مشكلته الجديدة –السرطان-..وكانت زوجه تعاني من مشاكل في القلب تضطره لمراجعة دمشق باستمرار .. ولم يكن مستقرا في حياته عموما…لكنه مع ذلك كان مبتسما دائما عندما تلتقيه..!
في مرضه الأخير والذي أدى إلى وفاته بذل أهله من الجهد ما يفرح القلب ..وقد أخبرتني والدته –أعانها الله – عن بعضها..
آخر مرة اتصلت به قبل وفاته بحوالي أسبوعين تقريبا- وكان لا يزال في دمشق- اخبرني عن بعض ظواهر جديدة في مرضه ولكنه عقّب بالقول إنه يعالجها ..كان كعادته هادئا مرحا وكأنه يتحدث عن غريب عنه؛ لا يعيش جسده آلامه ومرضه..!
قد يرى البعض بطولة أن يقتل.. وقد يراها بعضهم بالمصارعات والمنازلات، وقد يراها البعض في شيء آخر..لكنني أرى البطولة في الصبر، وتزداد -إذا كان مع الصبر- القدرة على مغالبة الألم والخوف، وتزداد البطولة عندما تكون مع ذلك بسمة تعلو الشفاه انسجاما مع الرضا بالقدر والمصير..!!!
رحمكما الله أيها الصديقان العزيزان واللذان، لا أظن أنني سأنسى ذكرياتي معهما أبدا.!
.أعانكم الله يا أم عبد الكريم وزوجه وإخوته… وأرجو لكم التوفيق في حمل إرث رجلين يستحقان التقدير أمواتا وكانا يعيشان التقدير أحياء.
أملي الذي أعتقد انه لن يخيب..هو أن عيال المرحوم عبد الكريم لن يلقوا ضيما وعنتا في ظل جدة كادحة وأعمام أتوسم فيهم الرجاء الطيب.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.

[i] -كان راتب الحاصل على الثانوية العامة معلما وكيلا-حينها- فقط مائتان وعشر ليرات،بينما كان راتب المتخرج من دار المعلمين-أهلية التعليم الابتدائي-وكنت احدهم- فقط مائتان وسبعة وعشرون ليرة سورية.

[ii] – في إحدى جلسات السمر جرى نقاش حول العمل والبطالة وكنت أدعو شباب القرية ورجالها إلى العمل فيحتجون بعدم وجود فرص عمل..وكان في حديثهم بعض صحة ولكن مبالغة تقلل من قيمة صحتها..وسألوا ما عسانا نفعل؟ فقلت :بيعوا البيض –وكان البض حينها يباع الى العراق والحدود كان سهلا لولا التشديد بعد ثورة أيلون الكردية 1961.فاستغل المرحوم احمد اقتراحي وقال لدي بيض هل تأخذه لتبيعه؟ قلت:نعم.وفعلا أرسل سلة تركتها عند المرحوم بشير الحاج رمضان- والد عدنان بشير المعروف. ليبيعها
ربحت منها –والحمد لله حوالي ثلاثين بيضة.لأثبت صحة نظريتي .

[iii] – اضطررت إلى بيع الدكان الذي كنت استأجره لأن دينا بذمتي لشريكي”عبد الله الجندي” قد طال أمده، فتنازلت عن الدكان له. لكنني أوصيته أن يعرض شراءه على المرحوم احمد عباس إذا قرر بيعه..وكنت قد أوصيت احمد أيضا بان لا يفوّت شراء هذا الدكان إذا عُرض للبيع..وكان ذلك تماما.
منقول عن موقع ولاتي مه
http://www.welateme.net/cand/modules.php?name=News&file=article&sid=2973#.XkayeTLXLIU

المزيد من المقالات