حوار مع محمد قاسم في شبكة بيور الثقافية ,

حوار مع محمد قاسم في شبكة بيور الثقافية ,
1- كيف تُعرفنا على محمد قاسم ؟
• محمد قاسم ابن عالم دين(إمام) ولدت ريفيا عام 1951 .
سعى والده ليكون أولاده متعلمين في ظرف كان التعليم المدرسي(التعليم العصري) فيه محاربا من عدة جهات-الإقطاع والمشايخ..مقابل التشجيع على التعلم في الكتاتيب(التعليم الديني).
وقد حصلت على أهلية التعليم الابتدائي –نظام أربع سنوات بعد الإعدادية العامة عام 1970/1971- ثم إجازة في “الدراسات الفلسفية والاجتماعية” من جامعة دمشق عام 1978..وقمت بالتعليم حوالي عشر سنين في المرحلة الابتدائية في المدينة والريف.. ثم الباقي في المرحلة الثانوية- قدمت استقالتي في العام 1993 لأسباب عدة منها تربوية-وبعدها وجدت نفسي بلا عمل .
خدمت في الجيش السوري ما بين الأعوام 1980 و1983 وخضت الحرب مع إسرائيل عام 1982 في لبنان أثناء الاجتياح الإسرائيلي له.
أمارس الكتابة باللغة العربية وقليلا منها باللغة الكردية ..والطابع العام لاهتماماتي الثقافية وكتاباتي هو الاهتمام الثقافي المنوع ،لنقل بمعنى ما-الموسوعي-وليس اختيارا..ربما طبيعة التعلم في البيئة التي ترعرعت فيها… وان كان الفكر عموما والفكر السياسي يحظى بجانب ملفت فيه..
متعاطف مع حقوق أمتي الكردية..كما حقوق كل الأمم.. وأتفاعل ايجابيا مع الجهد القومي الكردي للتقدم بما يمكنه الدفع نحو الأفضل –كما أجتهد-.متزوج ولي سبعة أولاد.. أكبرهم في الجامعة وأصغرهم في الابتدائية.
في حياتي المعاناة تكاد تكون سمة غالبة..ولكنها لم تمنعني من تكيف ملفت مع الحياة ايجابيا.
أؤمن بضرورة التوفيق بين التاريخ والحاضر بروح فيها مرونة كافية..وهذا بالنسبة للكرد أيضا حيث أرى أن زمنا طويلا من حياة الكرد عيش في ظل الإسلام-بغض النظر عن رأينا في ذلك- وقد كتبت عدة مقالات في هذا الشأن..منشورة في النت.
2- محمد قاسم الملقب بابن الجزيرة , ماذا يعني لك هذا اللقب؟
منذ البدايات –وفي المرحلة الابتدائية كان لدي ولع بالقراءة والمطالعة..واستمر ذلك خلال السنوات اللاحقة..وقد لاحظت التكنية بـ”ابن فلان”سائدة في الثقافة الإسلامية –باللغة العربية ومنهم مثلا ..ابن رشد- ابن الأثير-ابن خلكان- ابن مقلة- الخ.. فاستهواني ذلك وتكنيت بـ”ابن الجزيرة” اقتداء بهؤلاء العلماء والمفكرين والأدباء..الخ. وذلك منذ كنت في أواخر المرحلة الإعدادية وكنت اكتب ذلك على كتبي..وطبعا الجزيرة هنا هي –الجزيرة التي هي موطن الكرد في سوريا..
3- أنت كمثقف وكاتب كردي ما هو طموحك وأمالك؟
الطموح والآمال كبيرة..ولكن الواقع الراهن لا يسهل الاستجابة لها..
فالنظام قد قلص مساحة العمل في الثقافة واختزلها في مسار ضيق. أيديولوجي .يهيمن عليها.عبر تملك كل الوسائل الخاصة بالثقافة.
والأحزاب السياسية الكردية تشظت إلى درجة مؤلمة..انعكست نتائجها على الانسجام الفكري والنفسي والاجتماعي… لدى الشعب الكردي في سوريا،وغلّبت الرؤية الخاصة –المصلحة الحزبية- على المصلحة القومية العليا..واحترف معظم المسؤولين فيها السياسة بنظرة مصلحيه ضيقة ارتدت إلى المصلحة الشخصية للمتنفذين-بأي اسم كان-بل وبعضهم بدأ يحارب-أسوة بالنظام-كل ثقافة حرة وناقدة..وبمنهجية..بدأت تعم تقريبا محاولات حزبية بحجج متهافتة طبعا..وأصبحت مستهلكة وبالية سئمها الناس منذ قرون لا عقود فقط.
سعيت-ولا زلت- مع المهتمين للوصول إلى تشكيل رؤية مشتركة-منظومة فكرية- تقود النضال السياسي الكردي..منذ أكثر من عقد ، لكن الطموح والسعي يصطدم دوما بهيمنة الأشخاص على الأحزاب وإدارتها بوحي من هذه الشخصنة المتمحورة حول ذاتها..مستثمرة حالة التخلف في التفكير الشعبي نتيجة الأمية الفاشية والعادات القبلية والعشائرية الغالبة –والتي ساهم -ولا يزال- النظام في تكريسها وتشجيعها بشكل مستمر…وقد انساق هؤلاء الإداريون- ولا أقول القياديون مع تفاوت بينهم طبعا- للأحزاب مع اللعبة واستمرؤوها لأنها تصب في اتجاه ما يرغبون فيه من الحفاظ على مجموعات من الموالين لهم بعيدا عن روح النقد واكتساب قيم النضال المؤثرة في الاتجاهين:
1- اتجاه تنمية الشعب
2- واتجاه التأثير السياسي على السلطات بشكل ما.
4- في خلال مسيرتك الثقافية , أين هو موقع المثقف الكردي في الثقافة و الأدب السوري ؟
من الأمور المؤسفة على صعيد الوطن..أن نظام الحزب الواحد ذي الأيديولوجيا القومية المتعصبة – حصر الأنشطة الثقافية في إطار هذه الأيديولوجيا والتي استبعدت كل ما لا ينساق إليها فاستبعدت –ليس الكرد فحسب- بل كل المختلفين كردا وعربا وسريانا وآثوريين و…الخ.
وقد زاد الطين بلة أن المناخ السياسي ذا الرؤية العدائية-أو على الأقل الشاكة في الكرد قد كرس اتجاها –بوعي وقصد- لعزل الكرد عن كل أنشطة ذات معنى ومنها الثقافية …فإما أن ينسلخ الكردي عن جذوره الاثنية ومشاعره وتطلعاته الخاصة.. وإلا فلن يجد له الدور الممكن للانخراط..في الثقافة السورية –المحتكرة من حزب واحد..
مع ذلك هناك بعض اختراقات هشة باللغة العربية خاصة؛ وفي ميادين القصة والمسرح..والشعر… والمقال …وكلها مستهدفة من الأجهزة- مطلقة الصلاحية في ملاحقة ومضايقة هذه الأنشطة..-فقلما تجد من كتب ..ولم تستدعه الجهات الأمنية ..بأنواعها وربما لأكثر من مرة ..بالنسبة للذين لم يشملهم الدفع إلى المحاكمات والسجون..والتعرض لأحكام قاسية بدوافع سياسية..
5- ما هو هدفك في الكتابة؟
الكتابة واحدة من الأنشطة البشرية للتعبير عن الأفكار في تجليات مختلفة: نقل الاقتراحات ..الإضاءة على مفاهيم ورؤى.. الحوار مع الآخرين-تواصل- بلورة أفكار مشتركة تصلح لتكون قاعدة للتفاعل والتواصل والتطبيقات الحياتية اجتماعيا وسياسيا وعلميا وفنيا…الخ.
وأنا -قبل كل شيء- إنسان بما تعنيه الكلمة من معنى…فهدفي –إذا –أن تصب كتاباتي فيما يخدم مسيرة الإنسانية …ومن ثم فلي خصائص وانتماءات تتشعب من خاصتي الإنسانية كالانتماء القومي –دون تشدد- والانتماء الديني-دون تعصب- والانتماء العشائري –دون الاستسلام لقيم غير صالحة للعصر-…الخ.
.فطابع “المرونة الواعية” هو الوحيد الذي يسمح بممارسة ما تتطلبه انتماءاتنا في السياق العام للإنسانية…وربما هذا ما تعلمته من الإسلام كفكر أممي إنساني،إضافة إلى ما اكتسبته من الثقافة العالمية عموما..:
يقول سبحانه وتعالى:
“يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”
6- ديرك المدينة الجميلة, ماذا تعني لك ؟
“ديرك” آه “ديرك”
أول مرة دخلتها كنت طفلا لا يتجاوز عمري السادسة وقد انتقلت إليها مع المرحوم والدي من قرية “كركي سلمان” التي كنا نرابع فيها ..-نقل الغنم والماشية لترعى الربيع فيها وكانت غنية بالمياه والنباتات المختلفة حينها..واليوم –لأسف- أصبحت شبه قاحلة..
وكان ذلك على ظهر دابة..ولكنني فيما بعد انتقلت إليها دارسا – منذ الصف الثاني الابتدائي- ولذلك حكاية أيضا ليس الآن مجالها- ومنذ ذلك الوقت فأنا مرتبط بها دراسة وسكنا وتعليما ..وأراها المدينة الأجمل من بين المدن التي زرتها إطلاقا…على الرغم من الإهمال من إداراتها البلدية -مع استثناءات قليلة- ..
ولا أتمنى أن اخرج منها أبدا ..وقد كتبت عنها بعض صفحات نشرتها مجلة” ميرك” التي تصدرها وزارة الثقافة باللغة الكردية..في كردستان العراق..
ولكن المترجم –شفان دهوكي- لم ينجح في الترجمة وتوضيح طبيعة البحث والكاتب..وغير ذلك كما ينبغي –للأسف-.
ربما سأعيد نشرها باللغة العربية بعد استكمال معلومات أكثر عنها ..فالمصادر عنها الآن؛ بين يدي قليلة.
ومن المزايا التي تتمتع بها “ديرك” إنها مدينة تضم أكثر من دين وطائفة واتجاهات فكرية ..كان يمكن لها أن تثمر الأجمل لولا غياب الحياة الديمقراطية،وبعض مكرسات الماضي يستثمرها بعض المنتفعين والمستفيدين –دائما-من إحياء الآلام لأهداف خاصة بهم. مما حول الكثيرين فيها إلى متهافتين على المصلحة على حساب حياة ومستقبل مدينتهم الغناء.
7- تكتب باللغة الكردية أيضا, لأي لغة تميل نفسك في الكتابة أكثر الكردية أم العربية ؟ و تفكيرك , بأي لغة تفكر ؟
أنا منذ نعومة إظفاري اقرأ باللغة العربية…وأعتقد بأني مجيد فيها …فلا شك أن الغالب في كتابتي والنمط الفكري الذي يحركني في إطارها سيكون الأكثر..ولكني اكتب –أحيانا-باللغة الكردية في ظروف أراها ضرورية –ولا أكثر، خشية أني لا أجيد فيها ..مع محاولتي دائما أن أتعلم بشكل أفضل..
لكن المشكلة ان اللغة الكردية ذاتها في معاناة بسبب عدم التوافق على صيغة نهائية للغة ستاندر ..فالسورانيون متعصبون للهجتهم ويستغلون الظروف السياسية لتكريسها لغة قومية –تعسفا- في كردستان العراق..وهذا يعيق فعالية علماء اللغة والمختصين لإيجاد حالة إصلاحية تهدف إلى توحيد اللهجات في إطار لغة موحدة عامة..مع ترك اللهجات تمارس محليا بحسب رغبة أبنائها .. وقد كتبت أكثر من مقال نشر على النت في هذا المجال.منها:”مشكلة ستتفاقم ما لم تعالج”.
8- أستاذ محمد قاسم لما لم نشهد لك أي أعمال مطبوعة لحد الآن ؟
كتبت في مرحلة متأخرة من حياتي..-على كبر- وقد تهيبت من مغامرة يتبعها الكثيرون –سعيا وراء شهرة أو مال…فكانت كتبا ضعيفة المضمون والفائدة والانتشار..مما زادني تهيبا..ولكني أفكر في جمع ما كتبت فأنقحه واحضره للدفع نحو الطباعة إذا توفرت ظروف مناسبة ومساعدة.
9- ما هو تعريفك للمثقف الكردي في وقتنا ألان, خاصة في وقت انتشار التكنولوجيا والانترنت؟
المثقف…كلمة إشكالية في أذهان الكثيرين بسبب التداخل بين مفهوم المثقف المتكئ إلى المعرفة والبحث والدراسة (العلم عموما) ووفق منهج منطقي-علمي-موضوعي …وبين مفهوم المثقف السياسي –العملي- والذي يتبع نهجا سياسيا –ربما أيديولوجيا- ذاتيا- في تطويع كل شيء للأهداف السياسية…إضافة إلى طبيعتها النظرية المجردة أصلا.
إذا استبعدنا قليلا المعنى الشمولي للثقافة، والذي يتوافق-كما افهم- مع مفهوم “الحضارة” الذي يغلب الشق المادي فيه..خلافا للثقافة التي يغلب الشق النظري المجرد فيها..كما “التراث” مع غلبة معنى الماضي فيه.
ومن المؤسف أن هذا التداخل يسيء إلى المعنى الأصيل للثقافة…ويوجه نحو النهج الثاني ..والذي يجعل الناس يتحولون إلى قطف الثمار السريعة عبر العلاقات السياسية –والأصح أن نقول عبر العلاقات الحزبية-العملية المباشرة.
فالفارق بين السياسة و الحالة الحزبية كبير.. لأن السياسة تعني البعد ألتنظيري كقيمة معرفية أساسية في انتهاج السلوك العملي التطبيقي..وهذا يجعلها في سياق الثقافة كمنظومة فكرية بحثية استقصائية تسعى لتاطير يحدد العمل الحزبي –العملي..
من هنا نجد الكثيرين من الحزبيين خاصة..يسيئون فهم طبيعة السياسة وفق المنظور المعاصر لها.
بلا شك إن من يريد أن يحرر نفسه من سطوة الأفكار المسبقة أو المتبعة ببغائيا… فالفرصة متاحة له،بوجود الانترنت خاصة ..والتكنولوجيا عموما…والجهد الجاد والمواظب طبعا..
وهذه دعوة للذين يريدون أن يكونوا مثقفين. يفترض بهم أن يستعيدوا أنفسهم من بين براثن الكسل والتهالك والتبعية…ونجمعها جميعا في كلمة التهافت. الذي وقعوا فيه –مهما كانت الأسباب-
و ليعيشوا مثقفين بعيدي النظر-استراتيجيين- في القضايا المهمة…ويتحرروا من التأثيرات النفسية التي علقت بحياتهم عبر تربية مشوهة اسريا-اجتماعيا- سلطويا حزبيا…الخ.
والوسيلة الوحيدة هي المتابعة المستمرة..بروح مستقلة يقدّرون خلالها ذواتهم بعيدا عن التبعية المعيبة لهم، والمصادرة لقيمتهم كبشر اولا وكمثقفين ثانيا..فضلا عن المسؤولية الأخلاقية والإنسانية عموما تجاه البشرية وتفرعاتها المختلفة –الانتماءات-.
10- كلمتك الأخيرة ؟

مما لاحظته في “الثقافة العروبية”..-أي ثقافة المتشددين في القومية العربية.- أنها تكاد تكون منعزلة عن الواقع..فهي تكاد تكون منظومة فكرية أيديولوجية ناتج خليط من القيم المختلفة ؛تغلبها الروح القبلية ..غلبت فيها النزعة النظرية –الذاتية ..فاستحالت منظومة تنظيرية مجردة ..يتكيف بها الحامل لها بذاتية تفقدها القيمة التطبيقية الممكنة والمرغوبة لها..فتحولت إلى مجموعة شعارات تكتفي بالطرح دون انتظار النتيجة..لأن الذين يديرون دفتها لا يهمهم من النتائج إلا تلك التي تصب في مصالحهم الخاصة.
أرجو من جميع المثقفين. والمثقفين الكرد خاصة أن ينتبهوا إلى هذا البعد الذي بدأ يظهر في الثقافة الحزبية الكردية خاصة..فكأنها تلمذة..وربما في الوسط الثقافي الكردي أيضا بدرجة ما…!
ودعة دائمة للمثقفين عموما والمثقفين الكرد خصوصا ان تكون كتاباتهم هادفة ومسؤولة..خالية من انفعال قد يوقعهم في الخطأ وخالية من الحقد الذي يزري بهم كقيمة ثقافية عليا..وخالية من تبعية تحيلهم إلى مرددين–بلغتهم الخاصة-ما يلقمهم الغير –أيا كان..
وليكونوا كما قال ديل كارنيجي –”كن نفسك”.
وشكرا.

المزيد من المقالات