العلمانية في العراق2-2 *

العلمانية في العراق2-2
محمد قاسم(ابن الجزيرة)
Thursday 06-03 -2008
بعد المقدمة الطويلة التي جعلنا منها حلقة أولى في مقالنا..
يمكننا ان ننتقل الى صلب السؤال أو الأسئلة التي طرحت من قبل التحرير..
1 – طُرِحت ـ من داخل و من خارج العراق ـ و مازالت تطرح العلمانية كحل للمعضلة العراقية. لكن . أتكون العلمانية حلا، في سياق اجتماعي مرتكز على الوجود داخل و من أجل الجماعة..؟ و مرتكز على الأيمان بالوسيط الديني لتذليل العقبات ..؟
2- يُحرم سؤال الأزمة العراقية باستمرار من الإجابة الحقيقية التي يفترض سؤال الأزمة إمكانها. فهل تعد العلمانية طرحا مضللا لسؤال الأزمة العراقية ….؟
3- إن كان الطرح العلماني مرفوضا من قبل التركيبة الاجتماعية، فهل سيكون الحل ـ برأيكم ـ الإذعان لقبول ما لا ترفضه هذه التركيبة…؟
4 ـ إن لم تكون هناك علمانية في العراق، فماذا يمكن أن يكون بديلها.
5- أيمكن التنبؤ بالشكل السياسي للعراق وفقا للمعطيات الواقعية الحالية..؟ و ما الذي يمكنه أن تكونه الوضعية الحالية..؟
ويمكننا اختصار الأسئلة بالفكر التالية:
هل الحالة الاجتماعية ومنها المرتكز الديني في بنيتها الفكرية،تسمح لحكم علماني..؟ ومن ثم هل تشكل العلمانية حلا أو تضليلا؟ وإذا لم تنجح العلمانية فهل ينبغي الخضوع للواقع بتركيبته الاجتماعية القائمة؟أو يمكن إيجاد بديل ..؟وما هو هذا البديل المحتمل..؟
تقتضي منا الإجابة على هذه الأسئلة أن نتذكر السياق الذي أوردناه في المقدمة –الحلقة الأولى-والتكوين النفسي والذهني للشخصية العربية عموما والعراقي خصوصا..وملخصه ان الحياة في المجتمع العربي لا توفر التوافق بين الواقع وبين الحالة النفسية والذهنية المعاشة..! بمعنى ان نوعا من الازدواجية تعيشها الشخصية بسبب المعاناة التاريخية ، والتصور المشوه لطبيعة الحياة وما يفترض ان تكون في المستوى السياسي على الأقل.! مما كرس حالة سكونية –إذا جاز التعبير – في نمط التفكير،والتمسك الشديد بالماضي..باعتبار هذا الماضي (الإسلامي تحديدا) يمثل المجد التليد..وفي هذه أيضا كانت الشخصية العربية ضحية تكوين خاطئ أو مضلل للثقافة الإسلامية عندما اختصر الإسلام في العروبة ..واعتبر انتحال كل المساهمات غير العربية في الإسلام هي عربية باعتبارها كتبت باللغة العربية..!
وفي هذه الحال لا ينسى أصحاب النظرية العروبية أن يعكسوا الآية، باعتبار ان صلاحية اللغة العربية(ومن ثم الأمة العربية) أهّّّّّلها –ربما –لتكون لغة القران الكونية..فكان القرآن –هنا –تبع للغة وليس العكس..أي ليس القرآن هو الذي حافظ على اللغة..!!
وهذه مغالطة مكشوفة، ولكن القائلين بها أرادوها ان تصدق لأغراض سياسية.. ومن ثم جدلوا منها فلسفة مؤداها أن الأمة الإسلامية هي امة عربية الثقافة بسبب اللغة العربية ،وليست امة عرقية –كما يدعون-ولكنهم أبدا يضطهدون غير العرب بهذه الحجة..والكرد هم الدليل الأول والكبير.. والذين- حتى هذه اللحظة- لا يعترف كثيرون من مفكريا العروبة ومثقفيهم..، بواقع اضطهادهم..
هذه السيكولوجية والذهنية ينبغي ان توضع في الاعتبار عند مناقشة أية قضية تتعلق بالحياة السياسية العربية عموما، والعراقية جزء منها ،مع مراعاة الواقع التاريخي له.
فان حرمان الشيعة –وهم لا يستجيبون للعلمانية كنظام سياسي بدوافع دينية وان كانوا أقل تشددا لكونهم عانوا من السنة طوال تاريخ حكم العراق منذ الخلافة الأموية..ومرورا بالخلافة العباسية..وفيما بعد الخلافة العثمانية..ونحن هنا نناقش الجانب السياسي،ولا يعنينا الجانب المعتقدي المختلف بين السنة والشيعة. فتلك مسالة مزمنة يبدو ان لا نهاية لها..خاصة ان الفكر السكوني هنا يشترك فيه السنة والشيعة معا..!
إذا الذهنية والسيكولوجية العربية بحكم تكوينها السكوني، والمعارض للجديد، لا تستجيب لفكرة العلمانية التي لا زال الانطباع عنها بأنها إلحاد،أو وسيلة ثقافية غربية لمعاداة الإسلام..!
وإذا كان بعض الغربيين –والشرقيين أيضا- قد استغل هذا المفهوم “العلمانية”كفلسفة لبناء منظومة فكرية سياسية –الماركسية مثلا-أو الليبرالية الغربية- كوسيلة للتأثير في التكوين السياسي الشرقي والعربي لغايات اقتصادية أساسا ومن ثم لإيجاد قاعدة فكرية ثقافية تتيح لهم الهيمنة على الشرق –وهي أمنية غربية قديمة-
فإن ذلك لا يبرر ان نتجاهل العناصر الإيجابية –واقعيا-في فلسفة العلمانية كمنهج إدارة وحكم..!
وهاهو النظام السياسي العلماني يثبت نجاعته عمليا في إدارة الحكم..فما المانع ان نستفيد منه في مجتمعاتنا مادامت هي تجربة ناجحة..؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:
((الحكمة ضالة المؤمن التقطها حيثما وجدها)).؟
إلا أن تحقيق العلمانية يعني انحسار دور وهيمنة الطبقة الدينية –إذا جاز التعبير –على الساحة السياسية ..ومن ثم على الشعب..فكيف سترضى من هذا الواقع..؟
وإلا ما الذي فعلته العلمانية واقعيا بالنسبة للأديان؟
أليس الإسلام ذاته في انتعاش –لمن يريد الإسلام- في الغرب العلماني نفسه؟!
فما بال ذلك إذا كانت العلمانية في بيئة إسلامية –تركيا نموذجا- الحكام فيها من جذور إسلامية افتراضا..وان لم يكونوا مؤمنين فهم متأثرون بالتربية والثقافة الدينية.. ويمكن للمؤمنين ان يستفيدوا من الحرية التي تكفلها العلمانية للأديان لكي يحسنوا ما شاؤوا من ظروف حالتهم الدينية ماداموا لا يستغلونها في الهيمنة على الإدارة السياسية بطرق خارج اللعبة الديمقراطية؟
وكتجربة تاريخية ..ألا يلاحظون النتائج السلبية لأسلوب الإدارة على أساس ديني منذ الحكم الأموي وحتى اليوم عبر أسلوب بعض الأنظمة ذات الشعارات –لا الحقيقة – الدينية الإسلامية ..؟!
السودان..السعودية-وان كنا نلتمس بعض العذر للسعودية بحكم واقعها الديني الخاص-ولكننا لا نلتمس العذر لسلوكيات متجاوزة فيما يتعلق بحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية ..وغيرها.
ربما يكون المسلمون على حق في طرح أسئلة مشروعة..
كيف يمكن نقل تجربة العلمانية من بيئة خاصة –المسيحية –الى بيئة مختلفة دينيا –الإسلام..؟
ماهي السبل والوسائل التي ينبغي إتباعها لجعل هذه التجربة ملائمة للواقع الفكري والثقافي والديني الإسلامي..؟
ربما كان من حقهم أن يتصدوا الى معالجة مشكلة التلاؤم والتوافق بين معطيات العلمانية كتجربة سياسية واجتماعية واقتصادية..الخ مناخها الغرب المصنف عدوا.. وبين هذه الأحوال في مجتمع مختلف(إسلامي)…؟!
ما هي النتائج المتوقعة من هذا التطبيق على المدى الاستراتيجي..؟
دعونا نقرأ ما كتبه مفكر إسلامي معروف عن ((نتائج العلمانية في الغرب )) :
أ-التقدم العلمي الهائل…
ب-الرفاه الاقتصادي الواسع…
ج-الاستقرار السياسي….
د-احترام حقوق الإنسان وحرياته…
ه-انتشار الإلحاد بجميع صوره وأشكاله في حياة الغربيين…
و-السيطرة العربية على شعوب العالم الأخرى..(نتيجته الحربان العالميتان..)
ز-العجز عن حل المعضلة الإنسانية التاريخية في زرع اليقين والطمأنينة في نفس الإنسان…))
وبقراءة سريعة في هذه النتائج نلاحظ ان النتائج الأربعة الأولى فيها إقرار بنتائج مهمة في حياة الشعوب وتسعى باستمرار لتحقيقها ..أما النتائج الثلاثة الأخيرة فهي –كما هو واضح- تتعلق باجتهادات فكرية يمكن ان لا يتم الاتفاق عليها..
فمثلا ان الحكومات الإسلامية ليست خالية العلامة من هذه السلوكيات عندما تتاح لها..ففي كل دولة إسلامية –منذ السعودية التي “توا” حلت مشكلة الحدود مع اليمن وهما إسلاميتان وعربيتان-والعراق –سورية، ودول شمال إفريقيا وتركيا -باكستان واندونيسيا ..الخ.
كلها تعاني من مشكلات اعتداءات من بعضها على بعضها.وإذا كان حجم الاعتداء ليس بمستوى حجم الحربين العالميتين..فذلك لا يعود الى تعففهم عن ذلك..بل لأن حجم قوتهم وإمكانياتهم لم توفر هذه الخطوة ..ألم تستغرق الحرب بين دولة العراق التي ترسم كلمات” الله اكبر” بين نجوم علمها وبين إيران التي يحكمها الفقيه..؟!
ولا نريد ان ندخل بتفاصيل مناقشة البنود الأخيرة التي أوردها الدكتور عوض القرني، لأن ذلك يقتضي بحثا خاصا ومطولا ايضا ليس الآن مجالها.
إذا الحل العلماني –الخاضع للمناقشة الطويلة والمعمقة ومن ذوي الكفاءات العلمية والتربوية –هو الطرح الأكثر معقولية خلال هذه الفترة كنظام إدارة سياسية لا كفلسفة اعتقاديه كما يريد البعض..
هذا الحل-العلمانية كنظام إدارة سياسية- سوف يعالج باستمرار الأخطاء التي تبرز في ثنايا تطبيقه عندما يكون الحكم ديمقراطيا، يتيح لتفاعل الأفكار والقناعات وبذل الجهود لتطوير البلد في جميع جوانب الحياة فيه، مادام الشعور السائد لدى كل مواطن بان الوطن له ويستطيع المشاركة في بنائه عبر نشاطاته المكنة والفعالة..وطبعا هنا لا ينبغي ان ننسى أهمية فكرة الوطنية بديلا عن التشدد القومي(العروبية).
ولكن..!
هل ستقبل القيادة الدينية المتحكمة في ذهنية وسيكولوجية المؤمنين، بهذا الحل،وهم يعلمون ان الحل سيقلل –حتما-من الهيمنة التي يتمتعون بها؟
وكيف سيتطور الشخص ذهنيا وثقافيا، في مجتمع تسود فيه ذهنية التحكم هذه، بحيث تصبح مساحة التفكير الحر واكتساب الخبرة جد محدودة..؟!
من هنا ينبع احتمال الوقوف أمام الاتجاه العلماني باسم الدين ..ومنعه من تبوء موقعه في إدارة الحكم..فهل سينجحون..؟
بتقديري لن ينجحوا..فكما سبق ان اشرنا ان إتباع أسلوب الفوضى الخلاقة التي اتبعته أمريكا هو أسلوب مدروس ،والنتائج على الأرض ليست خارجة –بشكل أو بآخر–عن هذا الأسلوب.! بلا ريب، بعض التجاوزات والأخطاء موجودة هنا او هناك ..ولكن الطريق المرسومة لذلك ماشية في اتجاهها بحسب ما خططوا..وأنا هنا مختلف مع معظم الذين يقولون بخلاف ذلك.. ليس لأني موافق لما يجري..وإنما أنا أصف ما يجري..وأقرأ ما يمكن ان يحدث..
وختاما لابد من توضيح للقراء العرب..
أنا لا اقصد بما كتبت الحط من شانهم..فالعرب مثلهم مثل كل الشعوب التي تعيش حالة التخلف،متأثرون بهذه الحالة..والكرد كذلك –وأنا كردي- ربما الفرق بين العرب والكرد..أن الأخيرون بسبب المعاناة الطويلة والاضطهاد الذي عاشوه حفزهم نحو نوع من التفكير أكثر بمصيرهم بنوع من الانفتاح،ويعلو صوت الثقافة بوتيرة أعلى مما لدى العرب، مما جعلت آذان الساسة الكرد تعتاد سماع ما قد لا يروق لهم،وتعتاد أعينهم على قراءة ما قد لا يستسيغونه..وفي سيكولوجيتهم مساحة لا باس بها لقبول دور الثقافة في حياتهم..!
وينبغي ان نعلم جميعا بان لا تقدم في حياة شعب ما لم تكن الثقافة المتطورة والشاملة هي الركيزة فيه.
…………………………………………………………………..
* خاص .جريدة الاتحاد الوطني الكوردستاني
http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=11525

المزيد من المقالات