الطب مهنة يفترض أنها إنسانية.

الطب مهنة يفترض أنها إنسانية.
الخميس 04 شباط 2010
محمد قاسم (ابن الجزيرة)
زرت صديقا عائدا من إحدى الدول المستقلة عن الإتحاد السوفييتي السابق.. وكان في سفر إليها للمعالجة، فحدثني قائلا: على الرغم من الفقر وبدايات ممارسة الحياة باستقلالية عن منظومة الاتحاد السوفييتي؛ فقد وجدت أمورا غريبة وعظيمة في الوسط الصحي هناك، لم نعتدها هنا فإن الطبيب العامل في المستشفى ظل يفحصني ويهتم لأمري لمدة -ربما طالت حوالي ثلاثة أرباع الساعة-بروحية حيوية، لم تخل شفتاه من ابتسامة أليفة، وسلوكه من احترام لا نحلم به في وسط أطبائنا الأقربين. فما بالك بالأبعدين .!
وعندما انتهى من عمله شعرت بأنه بذل جهدا كبيرا-قياسا لما اعتدناه من أطباء بلادنا-
فاقترحت على أخي الذي يرافقني، أن يقدم له إكرامية تقديرا لما بذله من جهد. وكنت أستحضر العلاقة مع الكثير من أطبائنا المحليين الذين يستغلون كل فرصة للحصول على معاينة جديدة، أو يجرّون المرضى من المشافي العامة إلى المشافي الخاصة؛ ليحصلوا على أجر عال وبشراكة بين أطقم لا اعرف آلياتها بالضبط، حتى في حالات تحتاج المريضة أو المريض الى عمليات جراحية. ويستمر في القول :
لكن الطبيب الغريب هذا؛ نظر إلي نظرة أقرب إلى الغضب والاستياء ،قائلا:
لم افعل سوى ما يمليه علي واجبي.. وعندما حاولت الإصرار قال:
يبدو انك تحاول إيذائي. وتسريحي من العمل!! هل سلّطك أحد علي؟!
طبعا كان يعني تطبيق القانون بحق المخالفين والمرتشين خاصة.
وفي موقف آخر. ذهبنا إلى مركز للتحاليل الطبية، كان مركزا جامعا يضم كل التحاليل المفترضة بطريقة منظمة توفيرا لجهد ووقت المريض… وقد احتجنا إلى عدد منها، فكنا نذهب إلى مركز تحليل نعطي مادة التحليل لنخرج إلى مركز آخر مجاور ضمن المبنى نفسه، لمادة أخرى. وخلال ساعة تكون النتيجة قد ظهرت. ولم ينته الدوام حتى كنا أجرينا عددا كبيرا من التحاليل وحصلنا على نتائجها. وعندما عدنا إلى الوطن وذهبنا لإجراء تحاليل، قضينا أكثر من أسبوعين (ذكر فترة أطول، اختصرتها أنا في أسبوعين) ولنفس التحاليل، متنقلين بين مركز وآخر، تبعد المسافات بينها، ويكلفنا ذلك وقتا وجهدا وتكاليف نقل؛ فضلا عن التأخر.
حدثتني نفسي وأنا اجري المقارنة ضمنا بين هاتين الحالتين –الواقعين-متسائلة: لماذا؟ الأطباء يمرون بنفس المنهج الدراسي عموما. سواء هناك أو هنا، ويقسمون-كما أقدّر-نفس قسم أبقراط.
أنظمة التطبيب –على العموم-متشابهة هنا أو هناك. فقد أصبحت ذات نظام عالمي.
المستشفى هناك تابع لدولة، وهنا تابع للدولة. في هذه الحالة تحديدا.
النظام هنا ذو توجه اشتراكي، وهناك كان ذا توجه اشتراكي وان كان يتجه الآن نحو الليبرالية والديمقراطية، ترى هل هذا هو السبب…؟
لا أظن.. فالكوادر لا يزالون من العهد الاشتراكي-السابق-..
في بعض مشافينا يتداول الناس معلومات فيها غرابة..
بعض رؤساء المشافي لا يجرون تعاقدا مع أطباء بدوافع خاصة، تشمل الروح العنصرية عرقيا ،آو طائفيا ، أو غير ذلك.. فيفقد المستشفى الكوادر الكفوءة لصالح بعض الذين لم يتقنوا مهنتهم، ولكنهم أتقنوا أسلوب التزلف والابتزاز، وأحيانا العطالة الحيوية والفاعلية في الأداء.
بعض الأطباء يتعاقدون فقط بقصد الراتب، والتأثير على المرضى لتوجيههم نحو عياداتهم الخاصة. وفي بعض الأحوال يفسخون العقود مع المشافي عندما يكونون قادرين على التحكم، ليضطر المرضى إلى مراجعة عياداتهم. وللأسف –تجري عمليات تفاهم-في بعض الحالات للمشاركة في ابتزاز المرضى. كان يتفق بعض الأطباء مع بعض المخابر، وعيادات التصوير، والصيدليات…الخ. وكل يحصل على ما يمكنه، في نوع من تبادل المنافع. ولو أنهم فعلوا ذلك مع الأغنياء-بالرغم من عدم شرعية الأمر-لقلنا نص مصيبة. ولكنهم يفعلون ذلك بأريحية أكثر مع المحتاجين لاعتبارات نفسية واجتماعية.
أكثر من هذا ..في بعض المستشفيات تكون العلاقة بعيدة عن طبيعة الروح الإنسانية التي يفترض بالطبيب أن يتحلى بها.. ويستثمرون حاجة المريض ليبتزوه بشكل ما. أو يهملوه بدوافع مختلفة منها عدم الشعور بالمسؤولية الإنسانية والقانونية لمواقعهم. ومنها دوافع ذات طبيعة لا تمت الى العمل كالموقف السياسي أو العنصري أو المذهبي أو الطائفي …الخ. وفي ذلك كله –كما هو معلوم-تعبير عن نقص في القيمة الإنسانية والأخلاقية في ذوات هؤلاء.
أمور فيها غرابة وعجيبة.
عالم الطب المفترض آن يكون عالما إنسانيا يصبح عالما اقتصاديا شديد الظلم والظلمات…! فما الحل…؟ المرض حالة مؤلمة. تختلف عن أوجه الخسارة المالية الأخرى…!
والتي يمكن التعويض فيها. أو حتى نسيانها. كما في خسارة في مشروع ما. بعد فترة من الزمن أو بتحقيق ربح جديد يعوض.
أما المرض فهو لحظات ألم لا تبارح الإنسان أحيانا لدقائق أو ساعات. وربما لزمن طويل يعد بالشهور والسنين.. فضلا عن الآلام المرافقة للعلاج، خاصة تلك الآلام التي ترافق العمليات الجراحية.. أو المترافقة مع أمراض مستعصية الشفاء .. أو الجراحات المختلفة حروقا ونواتج طلقات أو وقوع و رضوض.. الخ.
المهم إنها آلام.. ومن غرائب الأمور أن الطبيب الذي يعرف أكثر من غيره طبيعة الآلام، وشدة تأثيرها في الجسم والنفس. هو الأكثر استغلالا لهذه الآلام ليحصلوا على بعض مال.. أو يكون ذاتا متعالية على حساب الآلام.!!
يا لغرابة الحال..!
ويا للفظاعة التي يمكن تصورها في مثل هذا السلوك..!
نسمع في بعض المشافي –هنا وهناك- وغيرهما أن بعض الأطباء اعتقلوا لأنهم كانوا يهربون الأدوية مثلا..!
أدوية لمعالجة السرطانات تجلبها الدولة بتكاليف باهظة لمعالجة آلام الناس ..يذهب المريض فلا يجد الدواء.. ويحتال بمختلف الطرق؛ والتي جميعها توصل إلى دفع المال في النهاية للحصول على جرعات مخبأة او مهربة من أطباء درسوا :
6 سنوات في المرحلة الابتدائية
3 سنوات في المرحلة الاعدادبة
3 سنوات في المرحلة الثانوية
6 سنوات في دراسة الطب في الجامعة
3 سنوات في الاختصاص..
وسنوات أخرى في دورات هنا وهناك..
مجموع سنوات تلقي العلم-والطب- يساوي: 6+3+3+6 +3+..؟= 21 إحدى وعشرين عاما من تلقي العلم ليتحولوا بعدها إلى لصوص النهار في سوء معاملة المرضى في المشافي العامة.. ومتهربين من الدوام فيها، ومهربي الأدوية المختلفة. فضلا عن تجاوزات كثيرة كترك الشاش أو المقص في بطون الذين يجرون العمليات لهم ، أو التقرب إلى المسؤولين السياسيين المتنفذين عموما بأدوية المستشفيات وخدمات مختلفة على حساب المحتاجين..
عندما نقص الدواء في البلد قبل سنين في الصيدليات كانت الدولة توفر الكثير منها في المستشفيات.. فكيف كان مدراء بعض المشافي يفعلون..؟
صدفة دخلت إدارة إحدى المستشفيات لغرض توقيع ربما.. فوجدت المدير يجمع من الأدوية أغلاها وأكثرها حاجة ليضعها في ظرف بعناية ويرسلها إلى مدير مؤسسة ليس بحاجة مباشرة لها.. علما بان ذلك المدير كان يصرف ربما –أكثر من آلاف الليرات بطرق مشروعة او غير مشروعة.. أي لم يكن بحاجة البتة إلى أدوية يمكنه توفيرها من باريس إذا أحب.
يا ألله..
صدف أن احتجت إلى دواء لا يصرف إلا بالهوية وحصلت عليه وبقي الدواء لدي أكثر من سنة لم احتج إلى استخدامها فأعدت ذلك الدواء إلى من يصرفه على محتاج إليه.. وكان يمكنني بيعه بأسعار عالية لأن صرفها ليس سهلا … والموجوع مستعد لدفع ما يملك من اجل جرعة دواء.
بلا ريب هناك من الأطباء من يفرج الهم عن النفس بروحه السمحة وشعوره العالي بالمسؤولية وحيويته في خدمة المرضى..ل كن هؤلاء –للأسف-يلقون تكتلا من المختلفين -وقد يكونون متنفذين أيضا- لعرقلة نشاطهم الإنساني هذا ..لأنه يقلل من فرص استغلالهم ..وسأنشر تباعا بعض ما عاينته أو سمعت عنه من سيرة الطب في مسار غير ما يهدف إليه. آملا أن الكلمات لا تثير رد فعل، بل تثير شعورا بالمسؤولية تجاه المهنة.
يبقى الطبيب –بالرغم من كل هذا – الرجل الذي يعالج -عبر مهنته-الأمراض ويستأصل الآلام. ويبعث الراحة في النفوس والأجساد.
لكننا نريد له سموا لا إسفافا وانحطاطا. ليبقى ذلك المشهود لمهنته بأنها في اعلي مراتب الإنسانية التي تؤهله ليكون مَرْضِيا عنه دنيا وآخرة-كما يقال-وله هالته الخاصة والتي يجعل الناس ينحنون احتراما لاسمه قبل حضوره.
ورحم الله الدكتور رشيد احمد الذي كان واحدا من هؤلاء، على الرغم من تصرفه الانفعالي احيانا-في التعامل ولذلك ظروفه أيضا.. ونسمع بأطباء شباب اتخذوا من المهنة وسيلة للرقي بقيمهم الأخلاقية وان خسروا بعض المال الممكن تحصيله بطرق ملتوية يعتمدها البعض وأصبح معروفا. وهم يظنون غير ذلك…!

http://www.welateme.net/erebi/modules.php?name=News&file=article&sid=6649#.XkY-wTLXLIU

المزيد من المقالات