وللقديم هالة

محمد قاسم ” ابن الجزيرة ”
ديرك 16/8/2016

يهتاج البعد النفسي لدى الإنسان حيال “القديم” الذي يتبلور على شاكلة يتمناها بما يضيفه اليه تخيله. لذا، فإن النظرة إلى “القديم” تكتسب هالة خاصة.
يستغل كثيرون هذه الهالة عن القديم، لتحقيق مكاسب، عبر الأعمال الفنية، أو الحكايات، أو غيرها.
إن مجرد الشعور بأننا أمام ماض بعيد؛ أو أشياء من هذا الماضي كالآثار أو اللّقى أو المصنوعات … يجتاحنا نوع من شعور بروعته، لاسيما كلما زاد قدم العهد به. ويزداد تأثيره إذا كان التعبير عنه من خلال تقنية ملفتة ومدهشة ومبهرة.
عندما نستدعي الماضي(نتذكره)، غالبا ما، نختار منه ما يروقنا أكثر.

وقد ننسى أو نتناسى الأحداث المؤلمة فيه، وربما قاصدين لتجنب الألم، وربما لا شعوريا. فنشكل هذا الماضي كما يحلو لنا، ووفق رؤية حديثة تلائم مزاجنا وذائقتنا. فينشط التخيّل لدينا، ويمارس فعاليته في مساحة نفسية؛ تتسع باستمرار؛ كلما زاد انكماش التفكير المميز(العقل) لصالح ابتهاج المشاعر. فنقول: آه. كم كان الماضي جميلا…! مع أن هذا الماضي ربما كان فيه منغصات حينها. لكننا ننسى المنغصات، بفعل “آليات نفسية لاشعورية” وظيفتها، دوما، استعادة حالة التوازن النفسي للانسحان بشكل آلي(أوتوماتيكي) يحمي النفس من الانزلاق إلى الأمراض النفسية، فضلا عن بعد المسافة الزمنية بيننا وبينها.
تستعيد ذاكرتُنا (وتخيلُنا) ما يوافق رغبتنا. ونقارنه بما هو موجود في حياتنا الحاضرة من منغصات، فيحلو وجه الماضي، ويصبح وجه الحاضر كالحا بالقياس إليه.
إن محاولة العيش في اتجاه تشكيل المستقبل(تضخيمه) على حساب الماضي والحاضر، كما يردد د بعضهم دوما ” أريد تامين مستقبلي” أو ” إنني اتعب الآن لأرتاح في المستقبل” أو…الخ. هو أيضا تجاوز لطبيعة التكوين البشريالذي يضم:
– الماضي المعاش، وما خلّفه من آثار؛ نحن متأثرون بها، بوعي أو بلا وعي. (شعوريا أو لا شعوريا).
– الحاضر بمعطياته المختلفة، والتي تتعانق مع ما نعيشه من ذكريات، أو ما زرعته التربية في سلوكنا من عادات وقيم وقناعات…الخ.
– التشوّق(النزوع) للمستقبل، في شكل غاية (هدف) نسعى إلى تحقيقها. وكلما كان هناك تناسق بين الماضي والحاضر والمستقبل. فستكون الحياة أجمل وأمتع. لهذا قال حكماء ما معناه: أحسن عيْش يومك، يحسُن ماضيك، ويحسُن مستقبلك. وهذا يتوافق مع حديث الرسول (ص) القائل: ” إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا، أن يتقنه”.
فإتقان العمل يعني فيما يعنيه، الشعور بعمق المسؤولية والتفاعل مع الأفكار وتطبيقاتها.

هذا كلام نظري؛ يحتاج كثيرا من الجهد الذي يفترض أن نبذله، بوعي، وتنظيم، مبنيان على خبرة متراكمة، ومعرفة متنامية وعميقة.
كل مجتمع، له عاداته، وتقاليده، ومزاجه، وقناعات فيه، وأنماط معينة للحياة ككل…الخ. يمكن تلخيص الجميع في مفهوم “ثقافة المجتمع”. فالثقافة بهذا المعنى تمثل كل ما يخص المجتمع من نمط حياة وعلوم وفنون وفولكلور… في مرحلة معينة. فنقول: الثقافة الروسية أو الأمريكية أو الكوردية أو العربية…الخ. إذ لكل مجتمع خصوصية حياته في مختلف الجوانب والتي تجعله متميزا عن مجتمع آخر، ويبدو أن الفروقات تتناقص بقعل التكنولوجيا المواصلات ووسائل التواصل خاصة.
لكننا نملك -إضافة لذلك-خصائص ورثناها عن الآباء والأمهات. وتمتد إلى أجيال بعيدة جدا” اللاشعور الجمعي ” بلغة (مدرسة التحليل النفسي) التي أسسها (فرويد).
قد نرِث من جَدٍّ بعيد -سابع أو عاشر أو أكثر أو أقل-صفات نسيها الناس (الأهل). وهذه تشكل مشكلة اجتماعية أحيانا في المجتمعات المحافظة والصارمة. فقد تلد امرأة طفلا(طفلة) بلون مختلف للون الأب والأم. مما قد يبعث ريبة في نفوس الأهل، وقد يّتهم بعضهم الأم بالانحراف. وما يجرّ من تداعيات مؤلمة. فالمسألة هنا تنحصر في جانبين أساسيين:
– الجانب النفسي.
– والجانب التشريعي (القانون، الشرع، الأعراف…الخ).
لكن غالبا ما يفوز الجانب النفسي، وقد يجرّ إلى ارتكاب أفعال مخجلة ومشينة وظالمة. كما يحصل أحيانا، في المجتمعات عموما وفي تلك المتخلفة في وعيها المعرفي، وتكوينها التربوي الواعي خاصة. فهناك أكثر من جانب (أو عامل) في تكوين الذات الإنسانية(الشخصية). وعلينا مراعاة ذلك كله خلال نمونا الطبيعي، منذ مرحلة (الطفولة-ولها أكثر من مرحلة بحسب الغاية من الدراسة)، ومرورا بالمراحل المختلفة الأخرى (المراهقة والشباب والكهولة والشيخوخة…).
فالحياة كلها تعلّم “اطلب العلم من المهد إلى اللحد”.
“ولكن ليس منتفعا بعلم= فتى لم يحرز الخلق النضيرا.
إذا ما العلم لابس حسن خلق= فرجّ لأهله خيرا كثيرا ”
والخلُق سلوك، وتجربة، وتربية عملية؛ مترافقة مع العلم النظري. والذي يوسع أفق إدراكنا، ويوظف تجارب ومعارف الآخرين لسير نمو الفكر لدينا.
ونعود الى فكرة القديم وهالته مرة أخرى
. فالإنسان الناجح في حياته (وللنجاح أيضا ضواط) قلّما يتذكر الماضي إلا في سياقات طبيعية، ومعينة، كتذكر بعض محطات في حياته للاعتبار والعظة. أو استذكار لحظات كان فيها سعيدا. كنوع من استراحة النفس من معاناة الحاضر ومسؤولياته في العمل، والسلوك عموما. وربما عن طريق التداعيات العفوية…!
أما الأقل نجاحا، والفاشل، فلا يفتأ يلجأ إلى محطّات من ماضيه، يرى فيها نقاطا مضيئة في تاريخه. فيذكرها باستمرار، كنوع من التعويض عن شعوره بالألم في الواقع الراهن.
فهو دائما يعيش في ماض يتخيله كما يشاء. وما أصعب التعامل مع هذا النوع من البشر…!
وكم لسلوكهم تأثير سلبي على نمو متوازن للحياة…!
ومن المؤسف أن هذا النوع يكثر في المجتمعات المتخلفة، بسبب قلة التعلّم المجدي والمتعمّق.
فكيف تكون المعالجة يا ترى. ؟!
كيف يعيش المرء، الحياة الراهنة، في علاقة سليمة مع ماض معاش حقيقة، وليس تخيلا انتقائيا. ؟!

تنويه :

هذه المقالة منشورة في موقع ولاتى مه بتاريخ 06.09.2016

http://welateme.net/erebi/modules.php?name=News&file=article&sid=21155#.Xkp3VBpKjIU

المزيد من المقالات