لغة الخطاب السياسي (2) (بصمة ثقافية)

محمد قاسم ” ابن الجزيرة ”

سبقت الإشارة إلى اختلاف في طبيعة العلوم الطبيعية/التجريبية. والعلوم الإنسانية ذات المفاهيم غير المضبوطة-ولا قابلة للضبط نهائيا-كما في حالة العلوم الطبيعية التي يمكن ضبطها، باعتبار أن موضوعها المادة ذات الطبيعة الثابتة، والقابلة للتشكيل بسهولة، وإخضاعها للتجربة بتكرار، حتى يتم الوصول إلى نتيجة نهائية تصبح قانونا يصلح لكل زمان ومكان.

فالمثال المذكور سابقا(17×2=14) في الرياضيات كان صحيحا في الماضي وهو صحيح في الحاضر وسيبقى صحيحا في المستقبل. وأيا كان الشخص الذي يستعمله كما انه صحيح في أمريكا وروسيا وأفريقيا …لذا سمي قانونا. (وهذا هو القانون العلمي).
نذكّر بأن هذا المثال من الرياضيات (وهي علم عقلي/نظري منفصل عن الواقع. ابتدأ من الطبيعة وانفصل عنها، وله تطبيقات فيها). لا نود الدخول في تفاصيلها. فقط لمعرفة أنها تختلف عن علوم طبيعية تتناول المواد الموجودة في الطبيعة كعلم الحياة والفيزياء والكيمياء…الخ.
كما نذكر بان “القانون العلمي” يختلف عن “النظرية” القابلة للتغيير. فهي ليست نهائية الدلالة والصياغة. وقد يخطئ بعضهم فيخلط بين النظرية والقانون. أو قد يستغله بعضهم فيتعمّد استخدام مفهوم “النظرية” محلّ “القانون” لتمرير أفكار خاصة.
وقد يلتبس الأمر على بعضهم فينساق إلى هذا الفهم الخاطئ، ويتخذ منه معيارا للحكم على قضايا.
فالدقة في القانون العلمي ومفاهيم العلوم العقلية والطبيعية… لا تنطبق على تعريفات ومفاهيم العلوم الإنسانية، ومنها علم السياسة. لذا نجد الاختلاف قائما، بين أشخاص حول مفاهيم سياسية. او على الأقل، تتضمن مساحة يمكن الاختلاف بشأنها، فيستغلها سياسيون بمهارة (وما يخيّب الآمال أن هذه المهارة لا تعتمد على خدمة الحق والعدالة … بل تعتمد على تغليب المصلحة غالبا).
وهنا، المصلحة بطبيعتها، فيها أبعاد ذاتية خاصة، وأبعاد عامة اجتماعية/وطنية. يرجّح السياسي النزيه، المصلحة العامة –وان كان هذا النموذج قليل عادة، ويكون أقل في المجتمعات المتخلفة بسبب بيئة ثقافية مرتبكة، وعلاقات اجتماعية متخلفة تغلّب الميل إلى المكاسب الخاصة الصغيرة (وظيفة، مركز صغير، مكاسب مالية ضحلة…) على المصلحة العامة الكبيرة (مصلحة الشعب والوطن والأبناء والأحفاد … المستقبل).
في المجتمعات المتقدمة يزداد الوعي ونظام الممارسة الديموقراطية التي تشكل بيئة تمنع التفرد باتخاذ القرارات والتلاعب بمصير المجتمع. بخلاف المجتمعات المتخلفة التي تسود فيها الجهالة واستقطابات قبلية، وانسياق إلى المشاعر الهشة الانفعالية (دون تعمق فكري ومستقل يرافقها او يضبطها).
هذه الظروف المتداخلة، طابعها العام هو: الجهل والفقر… وينتج كلاهما الأمراض البدنية والنفسية وعلاقات مشوّهة… فتستهلك جهود أبناء المجتمع واقتصاده… فيما لا ينفعهم، فضلا عن تعطّل عن التعلم والوعي وبناء شخصية مستقلة وعلاقات متوازنة …
تمثّل هذه الحالة ممرا مثاليا لتدخلات الأعداء والمستغلين في صور عديدة أخطرها؛ عندما يصبح أبناء المجتمع مطيّة لهذه التدخلات، وأدواتُها. ولذلك مظاهر كثيرة بعضها ظاهرة وبعضها خافية –وهي الأخطر عادة. خاصة أن نظام تدخلات استخباراتية يبدو كأنه أصبح نظاما دوليا متقدما على الفعاليات الأخرى التنفيذية. بل ويساهم في تشكيل الثقافة “العولمية”.
نختصر الفكرة بتدخل الدول الكبيرة في شؤون البلدان الصغيرة او الضعيفة بأساليب تعجز عن معرفتها، وإذا عرفتها تعجز عن مقاومتها فتدخل في مشكلات جانبية مُساقة اليها “حروب بالوكالة”. نظرة بسيطة لواقع المنطقة تعين على معرفة الملامح الرئيسة لهذا الواقع. فلم يعد بلد في منطقة الشرق الوسط ولا في أفريقيا يملك قراراته–بما في ذلك بلدان ترى ذاتها قوية كإيران وتركيا…
وبالعودة إلى موضوعنا الأساسي الذي يمثله العنوان “لغة الخطاب السياسي…” فإن المشكلات التي أشرنا إليها، لها ارتدادات (انعكاسات) على الفهم والتعبير في الأحوال الطبيعية، فما بالك في الأحوال التي يتقصدها بعضهم لغايات خاصة.
ونقصد بالتعبير هنا، التفكير والقول أساسا، والفعل أيضا. فلا تأخذ الأقوال أهميتها إلا عندما تتجسد واقعا(عملا) يشير علم النفس لذلك بالسلوك. فالتعبير-يصبح نموذجا لواقع الشخصية وترجمة لفاعليتها، ويهدف لتحقيق غاياتها.
فإن كانت الشخصية همها المصلحة الخاصة، او لم تسعفها التربية بضوابط ذات طبيعة –لنقل أخلاقية – متوافقة مع اتجاه المصلحة العامة …فإن التعبير لديها يكون متأثرا بهذه الخصائص، فلا تهتم بنتائج انعكاسات سلوكها السلبية على المجتمع. بل في حالة تمتعها بذكاء تتقصد خلخلة الحالة الاجتماعية والعلاقات فيها، ليسهل عليها استغلال الظروف في ذلك الجو. وفي الحالة الثقافية الكوردية مساحة واسعة للأسف يتحرك فيها هذا النموذج.
أما إذا كانت الشخصية تحمل همّ المصلحة العامة فإن التعبير لديها مسؤول. ولكل كلمة لديها حسابها القريب والبعيد، واحتمالاتها السلبية والإيجابية…فلا تلفظ كلمة او تخطو خطوة إلاّ بميزان.
قد يتساءل بعضهم: قد لا تكون الشخصية ذات معرفة وخبرة تعين على هذه الممارسة. نقول: من يتقدم لتحمل مسؤولية اجتماعية/سياسية…(قيادية) عليه قبل ذلك، أن يمتلك الأدوات التي تعينه على حسن تحمّل المسؤولية، ومنها مسؤولية التعبير (السلوك). فكل خطأ يقع فيه يدفع ضريبته، الشعب والوطن.

تنويه :
هذه المقالة منشورة في موقع ولاتى مه بتاريخ 21.12.2016

المزيد من المقالات