الثقافة

محمد قاسم ” ابن الجزيرة ”
ديرك 1/10/2016

الثقافة، لها معان عدة، ينبغي أن تجتمع لكي تصبح معبرة عنها كمفهوم متكامل شامل.
ولعل مفهوم” الجامعة” للدلالة على الدراسة بعد “البكالوريا” له هذا المعنى. وقد فرّق بعضهم بين مفهوم “التعليم” او “المتعلم” للدلالة على من يقرأ ويكتب، أولديه معلومات متفرقة لا تنتظم في ذهنه ضمن منظومة متجانسة متكاملة ذات اتجاه واضح. لذا غالبا ما، يسمى الذين يحملون البكالوريا وما دون بالمتعلمين.
أما مفهوم “المثقف” فيدل على من اجتاز الإجازة الجامعية “الليسانس” ترجم في اللغة العربية بكلمة “إجازة”. وهي كلمة كانت متداولة للتعبير عن صفة الذي يحصل على إعلان السماح من أستاذه (المعروف والمشهود له بكونه عالما) بانه مأذون بممارسة التعليم. ويقال: مُجاز.

انتقلت الكلمة كمصطلح الي اللغة الكوردية المتأثرة باللغة العربية/ الإسلامية …فكان يقال لمن أتم دراسته، بقراءة “Kitêbê rêzê” وترجمتها ” كتب الصف او النسق. وهي كتب متسلسلة معروفة تبدأ بالقرآن والحديث. وكتب لغوية وفلسفية (منطقية) وفقهية وشعر وأدب ونحو وصرف…الخ.
بل إن بعض الكورد ألفوا باللغة الكوردية عن النحو والصرف في اللغة العربية كتاب “العوامل ” مثلا. وكتبا في الشريعة، فضلا عن الشعر (ديوان ملايي جزيري) وملحمة ” مم وزين” لأحمدي خاني … وكتيبات في الآداب الاجتماعية كـ “نهج الأنام” لملا خليل سيرتي “الأسعردي”… لكنهم دوما كانوا متأثرين باللغة العربية، تقديرا لها كلغة القرآن والدين.
لم يصرفهم عنها شعورهم بالانتماء القومي كما يفعل بعض الشباب الذين ينطلقون من منطلقات متأثرة برد الفعل للأسف، والأجدر بهم، المحافظة على تراثهم الكوردي وإن كانت بلغات أخرى، فإنه يبقى نتاجا كورديا من الناحية الشعورية وعناصر الثقافة الاجتماعية والفكرية … فلكل مرحلة نمط ثقافي ينبغي فهمها وتفهّمها.
الثقافة (ويقال إنها مشتقة من “تثقيف الرمح” أو جعل رأسه حادا بإتقان). تعني أولا: مستوى تحصيل المعارف وتنويعها، وعندما يكون التحصيل متنوعا وشاملا –وهذا ما كان في العصور الفلسفية الأولى، يسمى صاحبه “موسوعي” مشتقة من كلمة “موسوعة” وهي بدورها مشتقة من سعة المعرفة والمعلومات…وهذا ما نعتمد عليه عند توصيف أحدهم “مثقف” لكن الكلمة تترسخ أكثر عندما تصبح المعارف منعكسة في سلوكه، فيتميز به عن الآخرين خُلُقا وأدبا (ويستمد تقدير المجتمع له من هذه الخاصة المتميزة).
والثقافة تعني ثانيا الدلالة على الحالة الاجتماعية –لا الفردية فقط-فيقال: ثقافة المجتمع الفلاني او الفلاني (الأمريكيـ البرتغالي، العربي…) ويقصد بها، ما يتميز به المجتمع من عادات وتقاليد وعلوم وفنون وفولكلور، ونمط معيشة، وعمارة ونهج تعامل …الخ.
فكل ما يتعلق بالمجتمع، ويعطيه هويته المميزة، ويميزه عن مجتمع آخر، يسمى ثقافة.
وعند الجمع بين ما يوصف به الفرد، وما يوصف به المجتمع جميعا، يصبح معنى الثقافة: الإطار الكلي، وما حصل فيه من تفاعل تراثي/تاريخي، وما يجري في الحاضر من أنشطة وفعالية أبناء المجتمع الفردية والتفاعلية/ التكاملية ….
لذا كان هناك حاجة لفهم حيوي وغني للمعاني والمفاهيم والمصطلحات…وهذا –للأسف-لا يتوفر وفقا لسوية عالية، الإ لدى النخبة الثقافية المتميزة.
من هذه النقطة-او الواقع-تبدأ مشكلة سوء الفهم بين الحال الثقافية العليا، وحالها في المستوى الأقل. وأحيانا يتحول سوء الفهم هذا إلى نوع من المشاكسة، وربما الصراع، عندما يمتلك المرء -فردا أم جماعة-قوة معنوية يستمدها من واقع ما هو فيه، سواء أكان هذا الواقع، حالة الغنى المالي، أم الوضع الوظيفي، أم الموقع السياسي، او الإداري…الخ.
وهذا ما أردت الإشارة اليه في مقال منشور سابقا بعنوان: “المعنويات وقودا لتفكير منحرف”.
ولعل السياسة هي الأكثر تأثيرا في هذا الجانب.
فقد استطاعت القوى المتنفذة عالميا، إن تكرس فهما مغالطا لمعنى السياسة في ذهنية الشعوب المتخلفة. فبدلا من شعور المنتمي إلى الأحزاب( التعبير العملي للسياسة) بالتواضع، وروح نضال قائم على الاستعداد للتضحية و خدمة الشعب وتحريره من واقع خاطئ هو فيه، يصبح مستمرئا لموقع هو فيه،( يظن انه أصبح قائدا وعلى الشعب أن يخضع له) وهذا فهم خاطئ آخر لمعنى ممارسة السياسة (النضالية خاصة) وربما مغالط أيضا. إذ يستند هذا الفهم على ما كان سائدا في العهود الأولى (الملكية) وجددته الأيديولوجيا في صيغ مختلفة كلها تصب في عبودية المواطن للحكام (مهما كانت التوصيفات او التسميات) .
هذا ما أثبته الواقع تاريخيا، ولا يزال لدى الأنظمة التي اعتنقت الأيديولوجيا مستغلة دوما ظروف الحاجة والخوف، وخصائص سلبية مكتسبة كالخنوع والتملق والانتهازية والوصولية… وهي جميعا ناتج خلل ثقافية/ تربوي.
تاريخيا لم يخل سيْر الحياة الاجتماعية، وقيادتها سياسيا من الخلل، وهذا يعني أن الواقع الاجتماعي سيبقى رهينة هذا الواقع بشكل عام.
لكن التغيير النسبي فيه ممكن وتتسع مساحته، بدليل ما شهدناه من تغيرات في دول كثيرة في العالم –ونؤكد على النسبية-ولا يبدو إن التغيير المطلق ممكنا. فكأن تركيبة الحياة الاجتماعية وثقافتها هي هكذا وستظل كذلك.
يشير إلى ذلك ثنائية الخير والشر كواقع في الحياة الاجتماعية عبر مئات القرون بل آلافها، ولا تزال، وتأكيد الدين وشرائعه على وجود شر يعيق إرادة الخير ممثلا في الشيطان. كما أكدته رؤى فلسفية ونتائج دراسات نفسية … بل وتؤكده الحوادث والمعاملات الدولية ومنها المباشرة كالحروب، ومنها غير المباشرة كحروب بالوكالة (سوريا نموذجا).
مما يسهل ويساعد على التطور النسبي أن يزداد الاهتمام بالثقافة بكل ما تشمله من علوم وفلسفة وفنون …الخ. برأيي: يفترض بكل إنسان أن يجعل أحد مهامه الأساسية(الجوهرية) تشجيع العلم وتعميمه كمدخل صحيح إلى الوعي، مع تحرير التعليم والمناهج المدرسية من المؤثرات الخاصة بجماعة محددة دينية او إيديولوجية، و يفترض أن يقرر هذا الأمر في هيئة الأمم المتحدة كتشريع ذي أهمية خاصة، يحرر من أي إمكانية لتبريرات تمرر خصوصيات سلطوية/أيديولوجية خارج إرادة المواطن –فردا وجماعة.
فلتكن الأبحاث حرة، وتتم في المؤسسات وبجهود خاصة، لكن ليس مكانها المؤسسات الرسمية. (من الضروري ألا تتدخل السلطات في مسيرة التعليم باي شكل من الأشكال، سوى تخصيص ميزانية في سياق الميزانية العامة للدولة، ويفضل أن تكون ميزانية التعليم متناسبة مع أهميته وحجمه.

تنويه :
هذه المقالة منشورة في موقع ولاتى مه بتاريخ 02.10.2016

المزيد من المقالات