البارزانية فهم سيء واستثمار أسوأ

محمد قاسم ” ابن الجزيرة ”
ديرك 10/8/2016

ابتكر الإنسان كلمات للدلالة على معان في النفس، في حالتها، المنطوقة (التعبير الصوتي عنها) وفي حالتها المقروءة (رسم أو رمز، يشير اليها). وفي طبيعة تركيبها ضمن جُمل وأقسامها، وكل ما يتصل بها من حروف، وعلامات تزيدها وضوحا كعلامات الترقيم مثلا…جميعها تسمى “لغة”. ويوضّح علم “النحو” تفاصيل ذلك. وهو ما يدرسه الطلاب في المدارس تحت عنوان “القواعد” عادة. فإذا حددت كلمات بعينها للدلالة على معان محددة، من قبل علماء مختصين، أو بالتوافق بين علماء-سميت “مصطلحات”.
أي الاتفاق بين مختصين على تخصيص كلمات بعينها لمعان يريدون الإشارة اليها، وإقرارها، وقد لا تنضبط تماما بالدلالة اللغوية، بل تصبح ذات دلالة خاصة بها –طبعا بالاستناد إلى أصلها اللغوي.

في اللاتينية يقولون “سوسيولوجيا ” مثلا، للدلالة على علم يبحث في المجتمعات. ويسمى في اللغة العربية “علم الاجتماع”. وكان ابن خلدون يسميه “علم العمران”
علم الاجتماع أو السوسيولوجيا (وقد يكتبها بعضهم بصيغ إملائية مختلفة –وهذا اجتهاد شخصي في الترجمة). هو علم يبحث في حياة الإنسان-لا، كفرد-بل ككائن يعيش ضمن(جماعة) والأصح أن نقول: (مجتمع)، في حالة تفاعل (تبادل التأثير) بين أبنائه، ويشمل ذلك: العيش في مكان واحد، والتعاون على العيش والعمل والدفاع عن النفس، وعلاقات الزواج، والتكاثر، والتنظيم الذي يساعد على حياة أفضل…الخ.
أما (علم النفس العام) فيبحث في حياة الإنسان الفرد، وتكوينه النفسي العام، وعناصر بناء شخصيته العامة (المشتركة بين الناس جميعا). وقد يلحظ الفروق بين فرد وآخر فيما يسمى اصطلاحا “فروق فردية”.
علم الاجتماع أيضا، يلاحظ خصائص مجتمعات بعينها، والمجموعات المختلفة ضمنها، ويصنفها وفقا لمعايير، يستنبطها من نتائج بحوثه.
ومثلما توجد فروق فردية بين الأفراد تعطي لكل فرد مميزاته المختلفة عن الفرد الآخر. يبدو لي أن لكل مجتمع أيضا، خصائص تميزه عن مجتمع مختلف. أو حالات اجتماعية أصغر ضمن المجتمع الأكبر، كالعشائر ضمن شعب (أو مجتمع) مثلا.
فإذا أخذنا الكورد كمجتمع (أو كشعب) مع ملاحظة أن الكلمتين تعنيان شيئا واحدا. فقط في مفهوم المجتمع؛ تغلب الدلالة الاجتماعية للمعنى، بينما في مفهوم الشعب؛ تغلب الدلالة السياسية.
إذا أخذنا المجتمع الكوردي مثالا، نلاحظ أن لكل عشيرة فيه خصائص تميزها. فهناك عشيرة قد يغلب في خصائصها الأساسية(العامة) معاني، الكرم أو الشجاعة أو النبل أو العنف أو الثقافة المبتذلة أو الانتهازية والوصولية (تميل مع ما تراه مصلحة لها، أو سهولة التعامل مع السلطات التي تخاصم الكورد). أوهناك عشائر يكثر فيها الذين يؤمنون بأنفسهم وقيمهم الإيجابية … ومنها حرصهم على تميزهم القومي/ الوطني/ التاريخي… ومحاولة التفاعل مع المعطيات المستجدة وفقا لما يخدم مصلحتهم القومية/ الوطنية.
ومن المصائب التي يُبتلى به مجتمع، أن عشائر ذات خصائص سلبية، تمثل التأثير الأكبر في الحياة الاجتماعية /السياسية… أفقيا وعاموديا. فتوفر للسلطات العدوة، بيئة ملائمة لتمرير أجنداتها المختلفة التي تؤذي المصلحة الكبرى للكورد ومستقبلهم وضمن ذلك أبنائهم وأحفادهم.
فقصر النظر لديهم يجعلهم أدوات يهددون مستقبل الأجيال اللاحقة وضمنها الذين يخلفونهم أولادا وأحفادا. وهذه أنانية وقصر نظر له نتائج وتبعات أخلاقية وواقعية.
ربما هنا الخلل له تأثير في تكوين أحزاب كوردية التنظيمية، وثقافتها ومنهج عملها وأدائها(ممارستها) والنتائج التي تنتهي اليها.
انتبه المرحوم ملا مصطفى بارزاني لهذه الظاهرة الاجتماعية كورديا، فرفض التأثر بمفاهيم الماركسية تحت عناوين اليسارية، والتي هي وسيلة للهيمنة على طبقات وفئات وشرائح محددة هي الشباب والعمال والفلاحين… جميعا يفتقرون -في المنحى العام -إلى وعي كاف يجنبهم الاستغلال السياسي. وبالتالي فهم يقعون فريسة التلاعب بالألفاظ، وإثارة المشاعر معززة ببعض مصالح تسهل وقوعهم في مصيدة الأيديولوجيين ومنظريهم. وأحيانا توريطهم وابتزازهم عبر هذا التوريط.
بارزاني، فهم طبيعة تركيبة المجتمع الكوردي من حيث التخلف الثقافي أفقيا وعاموديا، وطبيعة الصراعات التي تطبع العلاقات فيما بينها، وقلة المثقفين المؤثرين اجتماعيا … فاستثمر ذلك في نظرية تجمع الكورد ضمن نسيج قومي واحد؛ وحاول أن يجعل مفهوم القومية، هو المفهوم الجامع والمحرك لهم. وقد نجح بحنكة شخصية -كقائد متميز- أن يضع أساسا يصلح لجمع الكورد معا وفقه، وتهيئتهم –استنادا إلى واقع ما هم فيه، كالعشائرية والأمية والتدين …والقيم السائدة اجتماعيا وأخلاقيا …الخ. بغية ممارسة النضال من اجل حقوقهم.
من المؤسف أن أحزابا كوردية لم تستطع الارتقاء إلى هذا المعنى الذي كرسه القائد بارزاني، بل انزلقت إلى ما يشبه الاتكال على ما بناه، دون القدرة على المحافظة إرثه، والارتقاء به نحو أفق يتماشى مع التطورات.
وأحزاب أخرى انزلقت إلى مفاهيم تحت تأثير حماس الشباب وانفعالهم وتوافق ذلك مع انتشار أفكار أيديولوجية وجدت رواجا لديهم تحت عناوين مختلفة تجمعها اليسارية، يدفع من ماكينة إعلامية ضخمة وتسهيل الحصول على المطبوعات التي تروّج لها مجانا أو بأثمان بخسة.
لا نزعم أن بارزاني كان مُنظرا، ولم أقرأ أو اسمع أنه زعم ذلك، بل سمعت وقرأت، أنه يكرر القول بانه عسكري (ﭙيشمرﮔـة). لكن تجربته النضالية ميدانيا وقوة ذكائه وشجاعته ومصداقيته … وفرت بيئة خصبة للباحثين الكورد ليستنبطوا منها رؤية نظرية متآزرة –وربما متكاملة-تعزز المنهج الذي بات يُعرف بـنهج ” البارزانية”. وقراءة الأخطاء المحتملة بقصد تلافيها، لا بقصد تمليه أحيانا الموقف السلبية من صاحب التجربة. فالباحث يفترض به انه يستخلص من التاريخ برمته خلاصات تصب في نهج يخدم قضية شعبه ووطنه.
مع التفاعل مع مستجدات نتائج أبحاث علم السياسة في العالم.

تنويه :
هذه المقالة منشورة في موقع ولاتى مه بتاريخ 17.08.2016
http://welateme.net/erebi/modules.php?name=News&file=article&sid=21030#.Xkp_WRpKjIU

المزيد من المقالات