سيكولوجية السياسة الكوردية (سيكولوجية الأحزاب الكوردية)

محمد قاسم ” ابن الجزيرة ”
ديرك 3/10/ 2016

كما هو معلوم، ونكرره دائما، فإن المعاني ذات طبيعة مجردة، شبيهة بالحالة الهلامية، القريبة من السيولة (محاولة تقريب إلى الذهن). أشبهها بالرسم فوق الماء بالألوان.
لذا كان المفكرون والفلاسفة والأدباء والعلماء … هم الأكثر قدرة على تصوّرها، وفهمها، وإدراكها، وتأطيرها ضمن كلمات؛ تناسب التعبير عنها بما يضمن الإشارة اليها ضمن الحدود المخصصة لها؛ اصطلاحا.

فالمعاني قائمة في الذهن كائنات مجردة، ونختار لكل منها صورة تعبر عنها كلمة، تصلح لتكون وسيلة التعبير عنها، ونقلها كما هي إلى الآخرين، ليفهموها كما أردناها لها.
ويتحقق الفهم بين الطرفين بنفس المستوى، فإذا لفظ أحدهم كلمة “ماء” مثلا، يفترض أن الذي يسمع الكلمة أن يفهم المعنى كما أراد الذي لفظ الكلمة. وهذه لفظة تشير إلى معنى متجسد، أما إذا قلنا “ثقافة” فإن الفهم يختلف. لأن كلمة الثقافة غير متجسدة في شيء مادي، وإنما هي معنى يشتمل على مجموعة عناصر ذات طبيعة معنوية. لا نحتاج لفهمها أن نتابع هذه العناصر او المكونات لمعنى الثقافة.
وهكذا، في كل الكلمات. خاصة عندما تكون الكلمة ضمن جملة، لأن كثرة الكلمات الدالة على المعاني تفترض حيوية ذهنية/تصوّرية تجريدية-إذا صح التعبير-في متابعة المعاني فيها.
هذا ما حاول أرسطو أن يفعله، عندما ابتكر “المنطق الصوري” فحدد معنى “مفهوم” و “حد” و”قضية” ورابطة بين “الحدود” و”محاكمة” أو “قياس” …الخ.
هذه مفاهيم يفترض أن معظم القراء هنا يعرفونها، ومن لم يطلع عليها –وأعني الشباب -فما عليه سوى تناول كتاب مدرسي عن المنطق الصوري. بل من الضروري أن يطلع أي قارئ على هذا المنطق في أساسياته وفي تطوره، وفي ظهور المنطق الرياضي والمنطق التجريبي …الخ. لكي يكتسب فهما وخبرة في نظام عمل العقل بمنهجية أثناء التفكير والفهم وإطلاق الأحكام. إذ لا بد من اعتماد معايير للحكم على الأشياء. ويوفر المنطق هذه المعايير.
لذا وُصف المنطق بانه “علم معياري”. مثله مثل “علم الأخلاق” و ” علم الجمال”.
وان وجود ثغرات في “الفهم المشترك” للمعاني، يشكل بيئة ملائمة للتعبير الخاطئ، او للتلاعب القاصد بالكلمات، واتباع أسلوب تضليل الآخرين لغايات خاصة، لاسيما في الأنشطة والوثائق السياسية والبنود فيها، سواء في الاتفاقيات أو المعاهدات أو…الخ.
لقد استطاعت إسرائيل إن تستثمر الاختلاف في الترجمة، “الأراضي” أو ” أراض” في احدى قرارات مجلس الأمن ولعب على الاختلاف زمنا طويلا.
عندما تكون نسبة التعليم (والثقافة المعرفية) عالية في مجتمع ما (شعب) فإن القدرة على “الفهم المشترك” تصبح أقوى. ويمكن اكتشاف التعبير الخاطئ، والمغالط بسهولة، وقد يمكن قراءة الخلفية التي تنطلق منها أيضا.
أما عندما تكون نسبة التعليم في حياة شعب (والثقافة المعرفية) متدنية، (أي نسبة الأمية والجهالة عالية) فإن فرصة التلاعب بالألفاظ (والمعاني فيها) تصبح قوية، ويمكن التضليل من نخب تتقن هذا الفن وعلى راسها النخبة السياسية/ الحزبية.
بالعودة إلى واقع الأحزاب الكوردية عموما، لا تزال نسبة الأمية بين أعضائها عالية، خاصة “الأمية المقنّعة” وهي حالة الذين يحملون شهادات؛ لكنهم أهملوا القراءة والمتابعة. فعادوا أقرب إلى الأميين فيما يتعلق بالمعلومات وتقنية استثمار المعلومات، وتوظيفها في سياقاتها الصحيحة. فمثلا، يستخدمون مصطلحات مثل: السياسة والديموقراطية والليبيرالية والأيديولوجيا … لكنهم لا يدركون دلالتها النظرية الدقيقة بسبب طبيعة هذه المفاهيم الحيوية، ولا يسهل انضباطها بسهولة، كما في حال المصطلحات التي تتناول المواضيع المادية مثل: الكيمياء، الجيولوجيا، الجغرافيا، التاريخ …الخ.
من هنا تصبح صياغة المفاهيم والمصطلحات والمعاني عموما مهمة ثقافية غالبا ما يصوغها مثقفون كبار. ومن بين الذين في الموقع السياسي أيضا مثقفون كبار. فالحالة الثقافية هي حالة قابلة لكل من يهتم بها، ويتعمق فيها –بغض النظر عن عمله.
وقد شاع –خطأ – معنى الفصل بين السياسي والثقافي. بديلا عن معنى ” السياسي المنظم (الحزبي) والمثقف غير المنظم (غير الحزبي) وهي ثنائية ولّدت مشكلات حقيقية. إذ وضعت المثقف والسياسي في مواجهة بعضهما. والواقع، إن السياسي قد يكون مثقفا، وقد يكون المثقف سياسيا، والفارق بينهما في هذه الحالة هو الانتماء او عدم الانتماء إلى الحالة التنظيمية (الحزبية) فحسب. وفي حال عدم الانتساب إلى الحزب-يمكن أن يوصف بانه مستقل.
هنا تبرز مشكلة استخدام خاطئ لمعنى “حيادي” أيضا.
استخدمت هذه الكلمة في الميدان السياسي كورديا خلال العام 1970-قبيل المؤتمر الوطني في ناوبردان-ووُظفت الكلمة بقوة من قبل الحزبيين للدلالة على الذين لا ينتمون إلى الحزبيْن المعروفين حينها باسم “اليمين” بقيادة “عبد الحميد درويش” و “اليسار” الذي كان المرحوم “عثمان صبري ” اهم رموزه، ثم برز “صلاح الدين بدر الدين” على راس اليسار. وقد استخدم اليمين واليسار مفهوم “الحياد” كدلالة سلبية على من انتسب إلى “القيادة المرحلية” التي أنيطت بها مهمة التوحيد بين اليمن واليسار ولم تفلح. لكنها انتهت إلى المؤتمر الحزبي الأول عام 1972.
فمفهوم الحياد يعني عدم الانتماء إلى أي من طرفين او أطراف مختلفة. لكن لا يعني انه لا ميول لديه تجاه هذه الفكرة او تلك، هذه الجهة او تلك، هذا الموقف او ذاك.
فلا يحاسب المرء على النوايا، ولا على الميول… إلا إذا عبر عنها كموقف او سلوك.
ويستغل حزبيون-اكأد أقول جميعهم-معنى الحياد بمعنى سلبي، عن قصد، لتشويش المفهوم في ذهن الحزبيين خاصة، للتأثير على الرؤية إلى المستقلين وتصنيفهم وسمعتهم في ذهنية الجماهير، وأحيانا، الإساءة اليها. لئلا يتأثر أعضاؤهم بهم.
وقد فعلت الأحزاب الكوردية هذا النهج باستمرار مع شريحة المثقفين المستقلين الذين لم يخضعوا لها. ولا زال بعضها -او بعض مؤثرين فيها-يتبعون المنهج ذاته، وهذا يشير إلى شعور بضعف الواقع المنتج الذي هم فيه، إذا أحسنا النية بشأنهم.
فالحيادي إذا هو شخص مستقل عن الأطراف المختلفة –أفرادا ام جماعات-في نهج الاختلاف، لكن لديه ميوله وقناعاته الخاصة به، وقد تلتقي ميوله وقناعاته أحيانا مع موقف لهذا الطرف او ذاك، لهذه الجهة او تلك… لكن لا يعني ذلك انه منحاز اليها، لتوافق بين مواقف او سلوكيات. ويستثمر الحزبيون-قادتهم-هذا الحال لتشويه معنى الحياد لغايات خاصة.

تنويه : المقال منشور في موقع ولته مه بتاريخ 17.01.2016

http://www.welateme.net/erebi/modules.php?name=News&file=article&sid=21370#.Xkasl5dKjIU

المزيد من المقالات